
انطلق الباحث الأستاذ بلغيت البلغيتي(1) في مقاله هذا، من مجلة دعوة الحق (2) بالحديث عن أعراف وعادات منطقة سجلماسة بتافيلالت، مبيناً كيف شكلت هذه الأعراف والعادات المستمدة من مقاصد الوحي قوانين يرتضيها المجتمع ويحتكم إليها عند النزاع. مشددا على أن هذا الالتزام العرفي حافظ على تماسك المجتمع وتعايشه رغم تنوعه العرقي واللساني، حيث احتضنت المنطقة العرف والشرع معاً دون تصادم، ولا سيما في مجال التحبيس.
وفي ضبطه للمفاهيم، خلص الأستاذ البلغيتي بعد تحليل النزاع بين قوتي النفس والعقل إلى أن العرف والعادة هما ما استقرت عليه النفوس وتلقته الطباع السليمة بالقبول مما لا يخالف نصوص الشريعة وغاياتها، مؤكداً أن ضبط الأعراف لا يستقيم إلا بمنظور الشرع حمايةً للعقول من اتباع الأهواء.
وبالنسبة لمصطلح الحبس، فذكَّر الكاتب بمُرادَفَته للوقف لغة، مستشهداً باصطلاح ابن عرفة (3) أنه إعطاء منفعة الشيء مدة وجوده مع بقاء عينه في ملك معطيه.
ثم انتقل الكاتب لتفكيك نازلة فقهية للعلامة إبراهيم بن هلال السجلماسي (4) تعلقت بحكم بيع أنقاض المسجد المنهدم وحُصُره البالية وخشب نخل الحبس المستغنى عنها، حيث أفتى ابن هلال بجواز بيعها وصرف ثمنها في مثله بناءً على ما جرى به العمل.
واستعرض الباحث مواقف المدارس الفقهية؛ فبينما يمنع المالكية والشافعية بيع الحبس وعقاره مطلقاً ولو خرب حفاظاً على التأبيد، يجيز الحنفية والحنابلة استبداله تعويضاً للمصلحة وتوسيعاً للمنفعة. وناقش الكاتب الأدلة مرجحاً جواز الاستبدال لإبقاء غرض الوقف.
وفي قراءته النقدية، أوضح الأستاذ البلغيتي أن تمسك ابن هلال بمنع البيع المطلق والاقتصار على البدل بالمثل يعود لسياقه التاريخي العصيب أواخر العصر المريني؛ حيث شهدت المنطقة فتناً وتدهوراً سياسياً واحتلالاً برتغالياً للثغور، مما أضعف الوازع الديني وأدى للاعتداء على الأوقاف، فجاءت الفتوى سداً لذريعة الفساد.
وختم الباحث بضرورة مرونة الفقه ومراعاة الأعراف كحال مدونة الأوقاف المغربية الجديدة، لأن الجمود الحرفي مع انعدام المنفعة يضيع مصالح الناس ويوقعهم في الحرج.
- (1) . الأستاذ بلغيت البلغيتي، باحث في الدراسات الإسلامية، الرشيدية
- (2) . مجلة دعوة الحق، السنة الثامنة والستون، العدد 452، محرم 1447هـ/يونيو 2025م
- (3) . هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي (716هـ - 803هـ)، إمام المالكية في عصره ببلاد المغرب وعالم تونس وقاضيها وخطيب جامع الزيتونة المعمور. وهو مجدد المذهب المالكي في القرن الثامن الهجري وصاحب المصنفات الفقهية والكلامية واللغوية الشهيرة، ومن أبرزها كتابه "المختصر الفقهي".
- (4) . إبراهيم بن هلال السجلماسي (ت 903هـ): هو الفقيه الإِمام العالم المتفنن النظار، من أبرز علماء المالكية بمنطقة سجلماسة وتافيلالت. اشتهر بنوازله وفتاواه، وله مصنفات علمية جليلة منها كتابه "الدر النثير على أجوبة أبي الحسن الصغير" المشهور بـ "باز النوازل. وقد جُمعت فتاواه وحُققت في رسائل جامعية تحت عنوان: "فتاوى ابن هلال السجلماسي" ".