
افتتح الباحث الأستاذ إبراهيم بوحولين (1) مقاله هذا من مجلة دعوة الحق (2) بتأصيل عقدي عميق لنظام الوقف، جعل فيه من عمارة الأرض مقصداً أسمى يتكامل مع غاية الوجود البشري المتمثلة في العبادة، ليتوسل بعد ذلك بمبحث "الفرض الكفائي" كآلية أصولية لهذا النظام تضمن تماسك البنية الاجتماعية وتكفل سد الثغرات الحيوية للأمة، وذلك من خلال تشييد المستشفيات وحفر الآبار وبناء المدارس.
وفي هذا السياق التضامني، يرتفع نظام الوقف كأبهى تجليات العمل الاجتماعي المستدام -كما يبين الكاتب- مستشهداً بتعريف ابن عرفة (3) للوقف باعتباره تمليكاً للمنفعة مع صون الأصل، ومؤكداً –تبَعاً للإمام الشافعي(4) أصالة هذا النظام في الإسلام لكونه شكل الركيزة البنيوية التي نهضت عليها صروح الحضارة الإسلامية.
ويعرج المقال على البيئة المغربية موضحاً عناية المغاربة بالأوقاف منذ فجر الإسلام، حيث تمثل جامعة القرويين التي أسستها السيدة فاطمة الفهرية (5) النموذج الأبرز لاستمرار العطاء العلمي والروحي بفضل الأحباس، تليها المدارس المرابطية والمرينية بفاس التي حظيت برعاية السلاطين والمحسنين وإجرائهم المرتبات والمؤون على طلبتها من ريع الموقوفات.
ويؤكد الباحث أن الاستفادة من الوقف العام في الحضارة الإسلامية، وفي السياق المغربي الأندلسي خاصة، لم تقتصر على المسلمين بل شملت أهل الذمة من يهود ونصارى، تجسيداً للآيات الحاثة على البر والقسط بالمعاهدين. ويستدل على ذلك بالقواعد الفقهية المالكية التي تجيز وقف المسلم على الذمي، وبكون المنشآت العمومية كالمكتبات وسُبل المياه كانت مبذولة للجميع دون النظر لدينهم، بل إن كُتب النوازل كـ"المعيار المعرب" وثقت قيام بعض الذميين بتحبيس عقارات تؤول في النهاية لمساكين المسلمين.
ويختم الكاتب بالإشارة إلى واقع الوقف في العصر الحديث، موضحاً أن الغرب اقتبس هذا النظام وحافظ على رسمه تحت مسمى "منظمات المجتمع المدني"، مؤكداً أنه رغم الاختلاف السياقي لنشأة هذا المصطلح، إلا أنه يلتقي مع منظومة الأوقاف الإسلامية في مقاصد التعاون والتضامن وبذل العمل الخيري.
مقال الأستاذ إبراهيم بوحولين من مجلة دعوة الحق في استفادة غير المسلمين من الأوقاف الإسلامية
- (1) . الأستاذ إبراهيم بوحولين..باحث في الدراسات الإسلامية، وجدة
- (2) . السنة الثامنة والستون، العدد 452، محرم 1447هـ/يونيو 2025م ،دعوة الحق
- (3) . ابن عرفة: الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي المالكي (ت 803هـ)، وقد اعتمد الكاتب في هذا الموضع على حده "تعريفه الجامع المانع" للوقف صراحةً من خلال كتاب "شرح حدود ابن عرفة" للرصاع المذكور في لائحة مصادر ومراجع المقال.
- (4) . الإمام الشافعي: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي (تـ 204هـ) ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الفقهي الشافعي . يُعدّ إماماً مجدداً، ومؤسس علم أصول الفقه بكتابه الشهير "الرسالة"، وقد جمع بين فقه أهل الحجاز وأهل العراق، واشتهر بغزارة علمه وفصاحة لسانه وشعره الحكيم.
- (5) . فاطمة الفهرية: تعود أصولها إلى قريش، لقبت أم البنين، امرأة صالحة (تـ 265هـ ) هاجرت مع أسرتها من القيروان إلى فاس في عهد الأدارسة تُعد من أبرز الشخصيات النسائية في التاريخ الإسلامي؛ إذ خلّدت اسمها ببناء جامع القرويين عام 245هـ من حر مالها الذي ورثته عن والدها، وهو المسجد الذي تحول بفضل الأوقاف إلى أقدم جامعة مستمرة العطاء الروحي والعلمي في العالم.