
قضينا الشهر الأول نكرر الكلام في خطب الجمعة وفي المواعظ عن جوهر الموضوع الجامع لما نريده من التبليغ، وهو أن الله وعد الناس بالحياة الطيبة إذا آمنوا وعملوا الصالحات، على أن نشرح لهم كيف يتحقق ذلك ببيان أبواب الإيمان وبيان أبواب العمل الصالح، مع تكرار القول بأن عبادات غير مثمرة كأشجار غير مثمرة، تستهلك التربة والماء والهواء وتوهم بقامتها ومظهرها بأنها الشيء المقصود، وهي ليست بشيء.
تمكنا في آخر الشهر الأول من جلب ضِعف العدد الذي كان يتردد على المساجد الثلاثة، وكنت أتنقل بينها في الموعظة؛
وتمكنت بمعونة الأئمة والتواصل المباشر مع الناس من معرفة بعض أحوال سكان القرية، الفلاحين والعمال والتجار والمهاجرين والعاملين في المنشآت السياحية.
وحيث إن القصد التمهيدي في التبليغ هو إثارة اهتمام المعنيين، وهم هنا جماعة القرية، فقد اتفقت مع الخطيب على أن يجعل خطب الجمعة طيلة الشهر الموالي في أسلوب غير مألوف، وهو أسلوب السؤال والجواب، وأن يتدرج فيها في بسط الموضوع العام المتعلق بأن يفهم المتدين موقعه من الدين بمراجع ما خططناه في خارطة التبليغ.
جاء في الخطبة الأولى:
دعونا نتساءل، عسى أن نكون أكثر استماعا وأحسن فهما، فنقول:
السؤال الأول: لماذا نحيى؟
الجواب: نحيى لنعبد الله، وهو سبحانه القائل في كتابه: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "
السؤال الثاني: هل الله محتاج إلى عبادتنا؟
الجواب: الله غني عن العالمين، وهو القائل سبحانه: " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم " (الاسراء 7).
السؤال الثالث: هل حياة الإنسان هي مثل الحياة المشتركة مع الدواب: الميلاد والنمو والأكل والشرب والتناسل والموت؟
الجواب: يتميز الإنسان بأن الله أعطاه الحرية ليؤمن به أو ليكفر، بخلاف الملائكة الذين " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " (التحريم 6)، ثم إن الله سبحانه وتعالى كرّم الإنسان بأن رشحه لعبادته وبأن أعطاه من القدرات ما يستطيع به أن يقرأ آياته ويعبده، ولم يتركه ضالا، بل بيّن له السلوك اللائق به مع نفسه ومع غيره إذا أراد أن يتأهل لذلك الاستحقاق، وأول شروط الفلاح المترتب على ذلك الاستحقاق هو الإيمان، وهو القائل سبحانه: "ولا يرضى لعباده الكفر" (الزمر8)، ولذلك لاَمَ الذين يرضون بالحياة كيفما كان نوعها، فقال: " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة " (البقرة 96).
السؤال الرابع: ما هي الحياة التي يرضاها الله للمؤمن؟
الجواب: وصفها الله تعالى بأنها " حياة طيبة "؛
وفي الخطبة الثانية قال:
السؤال الخامس: قلنا في ما سبق إن الحياة التي يرضاها الله للمؤمن هي الحياة الطيبة، فما هو وصف هذه الحياة الطيبة؟
الجواب: هي حياة الإيمان والعمل والذكر والشكر والرضا والصبر والطمأنينة؛
السؤال السادس: ما هي الشروط لتحقيق الحياة الطيبة؟
الجواب: بيّن الله سبحانه وتعالى أن الحياة الطيبة تتحقق بالإيمان والعمل الصالح؛
السؤال السابع: ما هي صفة الإيمان الذي يؤدي إلى الحياة الطيبة؟
الجواب: هو الإيمان باللسان والتصديق بالقلب والعمل بالجوارح، وأول العمل بالجوارح إحسان العبادات المفروضة.
وفي الخطبة الثالثة قال:
السؤال الثامن: ما هي علامة العبادات المفروضة التي تدل على صحة الإيمان؟
الجواب: علامتها أن تكون لها ثمرات من بينها الصدق والإخلاص وكف الأذى عن الناس والاعتدال وأداء الحقوق...إلخ.
السؤال التاسع: ما هي صفة العمل الصالح الذي يثمر الحياة الطيبة؟
الجواب: هو العمل الذي ينتفع به صاحبه وينفع الناس، وأوله الإنفاق بجميع أنواعه ودرجاته.
وفي الخطبة الرابعة قال:
السؤال العاشر: ما هو العائق الذي يعوق الناس عن طلب الحياة الطيبة بالإيمان والعمل الصالح؟
الجواب: الجهل بالدين أو عدم الاستجابة لهدي الدين بسبب هوى النفس أو بسبب فتنة من الفتن؛
السؤال الحادي عشر: ما هو هدي الدين في تربية النفس على الاستقامة؟
الجواب: يُسمي الدين هذه التربية ب " التزكية "، وهي يقظة الضمير ومحاسبة النفس في ضوء ما شرع الله ورسوله، ويدل على جانب منها ما نعبر عنه اليوم بالتخلي عن الأنانية، وتحصل مما يحل بالقلب من خشية الله ومحبته والإنصات لهديه والاقتداء برسوله وبالأخيار الموفقين بعده في هذا المجال.
السؤال الثاني عشر: هل الحياة الطيبة التي هي ثمرة التدين الصحيح مسألة فردية أم جماعية؟
الجواب: قال الله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (فاطر 18) وقال سبحانه "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى" (النجم 38-39)، ولكن القرآن الكريم خاطب الإنسان الفرد وخاطب الجماعة، ويفهم منه أن مصير الفرد مرتبط إلى حد ما بمصير الجماعة، والعكس صحيح، فالمؤمن الفرد يجد سهولة في تحقيق خلاصه بقدر ما تكون حياة الجماعة على التقوى. ويجد صعوبة إذا كان نمط الجماعة مشوبا بالظلم أو قلة الاعتدال، لأن هذا النمط يجر الفرد إلى ما يضله ويضره، والدليل على ذلك ما يعيشه المسلمون في عدد البلاد من حياة الخوف والاحتياج والذل والظلم والجهل والمرض والعنف والشقاء العائلي، فهذا الشقاء الجماعي يجعل خلاص الفرد غير يسير، الأمر الذي لا ينفي أن يكون في صفوف هذه الأمة بعض الأتقياء وبعض الأغنياء المنفقين.
(*) يوميات الإرشاد