تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
مواقيت الصلاة
  • الفجر--:--
  • الشروق--:--
  • الظهر--:--
  • العصر--:--
  • المغرب--:--
  • العشاء--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

خطبة حول التواصي بالصبر ... الفصل 59

أضيفت بواسطة louey بتاريخ
Date de publication

 التواصي بالصبر

ذكر الله تعالى " الصبر " (*) في القرآن الكريم أكثر من تسعين مرة، فقال: " واصبروا إن الله مع الصابرين "(الأنفال 46). وهذه المعية الموعودة مقام عظيم يفهم منها أن الله أرادها سببا آخر لرفع مقام الإنسان فانتدبه للصبر، الصبر في ما يُؤمر به وما يُفرض عليه، وإن كان ظلما فهو في كل الأحوال ابتلاء للمؤمن، وبيّن ما في الصبر من خير يخفف اليقين به الوطأة استبشارا بهذا الخير الذي يعجل في الدنيا أو يؤجل للآخرة، فقال سبحانه: "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين"(النحل 126)،

وبين السلوك المناسب للصابر وهو الجمع بين الصبر  والتوكل، فقال: " الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون" (النحل 42).

وبيّن أن الحالة التي تعين على الصبر هي حالة التقوى وأن للصبر أجرا لا يضيع، فقال:" إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "( يوسف 90). وأن أجره يوفى بغير حساب "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" (الزمر 10)،

وندب سبحانه إلى درجة من الصبر لا ضيم معه وسماه الصبر الجميل فقال: "فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا"(المعارج 5).

وجعل الصبر في باب العزم وأنه عند فئة ليس مجرد تحمل لواقع نازل، وأنه عطاء وسماحة ومغفرة، وليس انتظارا للانتقام أو القصص فقال: "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور"(الشورى 43).

وبيّن أن الصبر ينبغي أن يكون موضع دعاء لطلبه من الله لأنه يتطلب تلك القوة المعبر عنها بثبات الأقدام، فقال:" ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا"(البقرة 250).

وحيث إن الإنسان قد خُلق ضعيفا، فإنه يحتاج إلى المواجهة بالصبر الذي قرنت قوته بالصلاة، إذ قال تعالى:" واستعينوا بالصبر والصلاة "(البقرة 45). ولا يتأتى تدبير الصبر إلا إذا استحضر المؤمن باسمرار أنه وارد في سياق الفتنة، فتنة الله الناس بعضهم ببعض، فقال:"وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون"(الفرقان 20).

موعظة في الصبر

قال الخطيب جزاه الله بكل خير: إذا تحقق المؤمن بإيمانه أن الله تعالى هو الذي خلق الإنسان وهو به عليم، وإذا تحقق بإيمانه أن الله تعالى به رحيم، وإذا تحقق بإيمانه أن الله أكرمه ونعّمه، إذا تحقق بكل ذكر وبما في حكمه من حكمة الله بهذا الإنسان، إذا استحضر ما ذكر سهل عليه أن يفهم أن أمر الله تعالى المؤمنين بالصبر هو أمر فيه صلاح أنفسهم وكمالها.

الصبر على العادة تحمل لمشقة نفسية أمام أمر ينزل بالإنسان من ربه على سبيل الابتلاء، وقد يكون تحملا لسلوك يعتبره الصابر غير ملزم به على سبيل الحق والواجب، كالصبر للأهل وذوي الأرحام، وقد يكون فيه تحمل الظلم أو الجهالة أو الاستعداد للدفع بالتي هي أحسن، إلى غير ذلك من المواقف، وفي جميع الأحوال يكون إما في حالة القدرة على أخذ الحق بالقوة، أو بالاحتكام إلى من هو أقوى، وإما في حالة العجز عن أخذ الحق، ولكن النفس تكون في حالة من الضيق الذي لا يتحمل إلا بأثر فادح على النفس، يضر بها في ذاتها الطبيعية أو يضر على الخصوص بإيمانها بالله، والصبر المطلوب هو الذي ينسب إلى الله وهو الذي يريده الله لنا بقوله تعالى: " واصبر وما صبرك إلا بالله " (النحل 127)؛ وهذا النوع من الصبر هو الذي وعد الله أصحابه بأن يجزيهم بغير حساب؛ وهكذا تتميز شخصية المؤمن الفرد بالجمع بين الحرص على الحق والتحلي بالصبر.

إن المفترض في جماعة المؤمنين أن تجمع بين هاتين الصفتين، التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وبذلك لا يكون الصبر خُنوعا ومذلة، وإنما يكون عطاء وأريحية وتنازلا بالرضا عن حق، أو تحملا لمشقة يعرف الذي يبذلها ما في تحملها من دفع للشر أو جلب للخير، كل ذلك احتسابا لله تعالى، وهو سبحانه المعطي الوهاب.

فكل ما استعرضناه من جوانب الإيمان ومقتضياته يعين على الصبر، غير أن الصبر ينبغي أن يكون بالتربية في البيت من الصغر، وذلك بتفهيم وتوجيه وشرح مواقف وأن يقصد الآباء والأمهات غرس ذلك الخلق بسلوكات وأقوال يوجهون بها البنت أو الولد للصبر مع الشرح.

هذا بخصوص صبر الفرد، أما الصبر كخلق جماعي فينبغي أن يكون بالتربية العامة، أي التنمية السياسية، على العيش في جو من المرحمة مفعم بالذكر والدعاء والخشوع، ومراقبة الله في السر والعلن والاعتبار بحكمته في قدره وحكمته في ابتلاء عباده، مع خفض الجناح للخلق، هذا البعد، بعد التواصي بالصبر، يوجد في خلق الإسلام مقرونا بالتأكيد على العزة من جهة، وبالتأكيد على العمل من جهة أخرى، لا يوجد هذا الاقتران بهذا التأكيد في أي تصور بشري آخر سياسي أو فلسفي للحياة، لأنه اقتران لا يفهم عقلا في حكم نوازع البشر إلا بضمانة التعويض من الله تعالى، في حين أنه ضروري لدعم إقامة العدل والتواصي بالحق الذي سيظل نسبيا حتى في أحسن الاجتهادات البشرية. ويدعم الإسلام القدرة على الصبر بإدامة الأمل في الله وهو يواجه التحديات مستحضرا قوله تعالى: "  لا تقنطوا من رحمة الله " (الزمر 53) وقوله تعالى: " لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " (يوسف 87).

 (*)يوميات الإرشاد

المساعد الرقمي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية