
حيث إن للعلم أهمية خاصة (1) في حياة الإنسان فقد ارتأينا في هذه الخطبة أن نكرر ما تعلمناه في الموضوع من شواهد القرآن والسنة وأن نستنتج منه ونزيد عليه، ذلك أن الله تعالى رفع شأن العلم والعلماء، وبنى دينه على العلم يطلبه المؤمن من المهد إلى اللحد، ورتب على تعلم
العلم وتعليمه أجرا عظيما، وجعلت السنة هذا التعليم من الصدقة الجارية.
اعتبر الإسلام التفاوت في العلم أمرا واقعا، فقال الله تعالى: " وفوق كل ذي علم عليم " (يوسف 76)، وإذا كان الحديث عن الراسخين في العلم يعني فئة مخصوصة، فإن السنة جعلت العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، مما يعني ضرورة اكتساب كل مسلم لثقافة عامة تؤهله لتلقي التبليغ والقيام بالتكاليف بشعور يستحضر مهمة الإنسان في الأرض في الأبعاد المختلفة التي تكلمنا عنها في ما قبل، فعلوم الصنائع للمعاش ضرورية، ولكن الأساس في بناء شخصية المؤمن كما رأينا هو مهمات النبوة في تبليغ القرآن وتفسيره بالسّنة والتربية على نبذ الأنانية وتعلم الفقه والحكمة، أي أن التعليم في الإسلام لا ينفصل عن التربية بمعنى تغيير الشخص في ذاته تغييرا على مقتضى مراد الله. فالعلم أساسي في الإسلام ولكنه علم للتغيير في النفوس في اتجاه طبعها بالخيرية والغيرية.
والإسلام، وهو يحض على العلم، جعله سبيلا للإيمان وأساسا لخشية الله تعالى، كما جعله وسيلة للمعاش بتعلم الصنائع العقلية واليدوية، وجعله طريقا للتفكر والتدبر، وخص بعض عباده المخلصين بعلم من لدنه وبيّن للإنسان ما يليق بحامل العلم من التواضع أمام علم الله تعالى حيث قال:" وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " (الإسراء 85 )، وجعل التفاوت في العلم تفاوتا في الأرزاق وقال: " وفوق كل ذي علم عليم ".
ومن أهم ما وجه إليه الإسلام في موضوع العلم أن الغاية منه أمران أولهما الاهتداء إلى حقيقة الإيمان وثانيهما العمل النافع للنفس وللغير، وما عدا ذلك فمضيعة للوقت والجهد ومطية للضلال. ولذلك فالمؤمن يحرص على العلم من باب الواجب الديني، وليس من المقبول في عصرنا ، وقد كثرت العلوم والمدارس ووسائل التعلم، أن يكون المسلمون متأخرين في سلم التعليم بين الأمم، لأن حرصهم على التعلم والتعليم وربطه بالإيمان هو الذي يؤهلهم ليكونوا مثالا لغيرهم، بينما يجعلهم التخلف في علوم الدنيا غير مؤهلين في نظر الغير للقدوة والإرشاد.
فواجب كل واحد من الآباء أن يحرص على تعليم ابنه أو بنته على السواء، وأن يحرص على نجاح الأبناء في الدراسة وأن لا يقبل انقطاعهم عنها بأي عذر من الأعذار، وأن يعتبر هذا الحرص عبادة محققة الأجر والنفع.
عن حميد بن عبد الرحمن، سمعت معاوية، خطيبا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله".
(1) يوميات الإرشاد
(2) رواه البخاري في صحيحه، باب " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".