
2 . مذاهب الترتيل وولع المغاربة بتلاوة القرآن الكريم
عندما انتشر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية ركدت صنوف الغناء الجاهلي من نصب وحداء وهزج وسناد ونوح ورمل، وأصابها ما أصاب كثيرا من أغراض الشعر العربي نفسه. وقد انشغل الناس عن كل ذلك بالقرآن "ولم يكن الملذوذ عندهم في صدر الإسلام إلا ترجيع القرآن" (10). الذي أحبوا أن يكون هجيراهم مكان الغناء"(11). فأقبلوا عليه يقرأونه ساذجا مجردا عن الأنغام أحيانا، أو يرتلونه ترتيلا مصحوبا بالألحان أحيانا أخرى، فكثر حفاظه وقراؤه ومرتلوه. وهكذا بدأ الغناء العربي الإسلامي بالتجويد الذي كان يعتمد في الدرجة الأولى على حسن الصوت وفخامته دون اكتراث بالموسيقى العربية الإسلامية لم تكن لها في تاريخ الغناء العربي أصالة التجويد ولا عمره، كما نستطيع أن ندرك سر تعلق المستمع العربي حتى في عصرنا الحاضر بصوت المغني ونبراته أكثر من تعلقه بالألحان التي يترنم بها.
ولقد عرف المغاربة منذ العهود الإسلامية الأولى بتمسكهم وولعهم بتلاوة القرآن الكريم، ويتجلى ذلك في عنايتهم بدراسة علم التجويد، فقد اتخذوا في برامجهم المقررة حصصا خاصة به، وصنفوا فيه كتبا عديدة، وبحوثا قيمة، وأراجيز منظومة، واهتموا بفن القراءة والتعريف بقرائه ورواته وأصحاب طرقه، كما اهتموا بتخريج المقرئين. ومن مظاهر هذا الاعتناء أنه حتى عهد قريب كانت تقام بالكتاتيب المغربية حفلة عظمى بمنزل ولي الطفل إذا ما أتم حفظ القرآن كله “وتسمى الختمة الكبيرة- وخلال هذه الحفلة كان المسمعون ينشدون الأمداح النبوية.
وكنتيجة أولى لهذا الولع الشديد بالقرآن الكريم، فقد أصبح جليا بل ولافتا للنظر أن المغرب كان وما يزال أكثر تمسكا بتنشئة أجياله على حفظ القرآن واستظهار سوره من بلدان الشرق العربي. ويمكن ربط هذه الظاهرة بالحملات الأولى التي كان قادة الإسلام الفاتحون ينظمونها بأرض المغرب لنشر الإسلام وبث تعاليمه بين الناس، فقد اتخذوا القرآن الكريم وسيلتهم إلى زرع بذور الإيمان في قلوبهم المؤلفة، وشجعوهم على حفظه والتعلق بأحكامه. وقد توارث المغاربة هذه العادة عبر العصور حتى سار بينهم المثل القائل: القرآن قاموس الفقراء، كما كان من أسباب ذلك التشجيع، العمل على تركيز اللغة العربية وبثها وسط قوم نشأوا على التخاطب والتعامل باللغة الأمازيغية.
وإذا كانت القراءات قد شقت طريقها جميعا إلى المغرب، فإن هذه البلاد اختارت قراءة أحد الأئمة القراء السبعة هو الإمام نافع المتوفى سنة 169هـ. وهي القراءة التي أخذ بها الإمام مالك بن أنس واعتبرها سنة أهل المدينة المنورة. وقد تبنى المغاربة قراءة الإمام نافع برواية تلميذه ورش، واتخذوها دون غيرها مذهبهم في ترتيل القرآن وتشددوا فيها تشددهم في التمسك بتعاليم المذهب المالكي. وانطلاقا من هذا الواقع اتسم المذهب المغربي منذ القديم بالشدة في تلاوة القرآن إسرافا في الحيطة من الوقوع في المحظور، فكانت قراءته لذلك بسيطة تكاد تكون استظهارا عاديا مصحوبا بلحن واحد متكرر.
ومن مظاهر الشدة والإحتياط أنه كان لابد للتلميذ قبل دخوله إلى القرويين- أن يكون حافظا للقرآن والرسم والتجويد إلى جانب متون في مبادئ بعض العلوم الدينية والعقلية، كما كانت القراءات السبع من آكد العلوم المهتم بتدريسها، حتى لقد أسست لتعليمها منذ أيام الموحدين مدارس خاصة كانت تعنى بالتجويد والرسم والقراءات السبع، كما استحدثت في مساجد المغرب كراسي خاصة بتدريس القراءات.
ولقد آتت هذه المدارس والكراسي وغيرها من مراكز تعليم القراءات والتجويد أكلها طيبا، فظهر على المسرح المغربي والأندلسي أقطاب في الرواية، وألفت كتب عديدة في هذا الفن.وكان من أعظم هؤلاء أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (371هـ/444هـ) الذي نعت بقارئ الأندلس، والذي قال عنه ابن بشكوال "كان أحد الأئمة في علم القرآن بروايته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه"(12).
وقد حفلت المجالس العلمية بأعلام مغاربة نبغوا في القراءة والتجويد، أو تصدروا للتدريس والتأليف ومن بينهم: -المقرئ أبو الحسن علي بن محمد المرادي البلنسي صاحب رجز في التجويد أسماه "المنصف"، وأبو الحسن علي بن بري صاحب "الدرر اللوامع"، وهي أرجوزة تصدى لشرحها مفتي الديار التونسية الإمام المارغني في كتابه "النجوم الطوالع"، وأحمد بن محمد الزواوي: شيخ القراء بالمغرب. وكان إماما في القراءات لا يجارى. وكان من حسن صوته يصلي بسلطان وقته. وقد توفي عام 749 هـ (13)، وأبو زيد عبد الرحمن المعروف بالوراق. كان من أبرز من شغل كراسي التدريس بالقرويين في أواخر أيام بني مرين. وكان يتناول بالتفسير أمهات كتب الفقه، كما كان حسن الصوت يجيد القراءة بالطبوع ويؤثر في النفوس بطيب نغمه، وغير هؤلاء من مهرة القراء والمجودين وعلماء القراءات.
ولعلنا نستطيع الوقوف على بعض معالم مذهب المغاربة في تلاوة القرآن الكريم من خلال ما أورده ابن خلدون في حديثه عن صناعة الغناء إذ يقول: "ليس المراد تلحين الموسيقى الصناعي إذ صناعة الغناء مباينة للقرآن بكل وجه...فلا يمكن اجتماع التلحين والأداء المعبر في القرآن بوجه، وإنما مرادهم التلحين البسيط الذي يهتدي إليه صاحب المضمار بطبعه كما قد مناه، فيردد أصواته ترديدا على نسق يدركها العالم بالغناء وغيره...".(14)
وشبيه بهذا القول ما ذكره التادلي في كتابه أغاني السقا إذ قال: "أما قراءة القرآن بالتلحين، وهو تطريب الصوت بالأنغام...فإن لم يخرجه عن حد القرآن كره على المشهور من مذهب الجمهور لأن المقصود من القراءة التدبر. وتقطيع الصوت بالأنغام ينافي ذلك".(15)
(10) - المقدمة لابن خلدون.
(11) - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، ج1، ص: 11.
(12) - عن النجوم الطوالع، ص: 19.
(13) - الجذوة، ج1، ص: 122.
(14) - المقدمة، ص: 425-426.
(15) - فصل في بيان من شدد في السماع، ص: 106-125.