استجابة للتعليمات الملكية السامية بخصوص إعادة استعمال المدارس وبعض المآثر المرممة بفاس، قدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق بين يدي أمير المؤمنين عرضا في الموضوع خلال حفل ترأسه جلالة الملك، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن يوم الجمعة 18 رمضان 1437هـ (24 يونيو 2016) بالمكتبة الوسائطية لمؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وفيما يلي نص الكلمة التي قدمها السيد الوزير بين يدي امير المؤمنين:
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين
وعلى آله وصحابته الأكرمين
مولاي أمير المؤمنين
بإذنكم المولوي الشريف، أتقدم، بين يديكم الكريمتين، بهذا العرض المتضمن للإعلان عن تعليماتكم السامية، بشأن وجوه استعمال المدارس وبعض المآثر الأخرى التي تم ترميمها، بأمركم المطاع، في مدينة فاس.
مولاي أمير المؤمنين
روي عن جدكم المصطفى، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وعن بعض السلف الصالح أنه قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"، وعلى هذا الهدي النبوي الكريم، وسنن السلف القويم، يا مولاي، تسير إمامتكم العظمى، إمارة المؤمنين، في حفظ الدين بشتى الوسائل والأسباب، وعلى رأسها حفظ الدين بالعلم والتعليم، من خلال العناية التي تولونها للعلماء وللتعليم الديني ولطلبة هذا التعليم. ولقد كان هذا دأب أسلافكم الملوك، وفي هذا السياق بادر هؤلاء الأسلاف إلى بناء المدارس، بجانب الجوامع التي يدرس فيها العلم، وذلك لتكون هذه المداس مأوى يسكن فيه الطلبة، ويتلقون فيه بعض الدروس الإضافية. وقد وصلت إلينا هذه المدارس التاريخية، ولاسيما في فاس ومكناس وسلا ومراكش وتطوان، حيث يستطيع الناس، إلى يومنا هذا، أن يقدروا، في صنعها المعماري وإبداعها الجمالي، ما كان لهؤلاء الملوك المؤسسين، من فكرة سامية عن العلم الذي بنيت من أجله المدارس، وما كان عندهم من حرص على ظروف التعلم، وراحة الطلبة الذين بنيت المدارس وحبست عليهم ليسكنوا فيها، فقد كانت فكرة الملوك تلك، أن العلم ينبغي أن يكرم بتلقينه وسط معمار يوحي فيه كل شيء بالهيبة والجمال والجلال. ولقد كانت هذه المدارس و جوامعها تقع في القلب النابض للمدن التي تعج بالحياة التجارية والصناعية والعلاقات الاجتماعية التي كان العلماء والطلبة جزءا نيرا منيرا من حياتها وهويتها وفضائها.
وفي عصرنا هذا، يا مولاي، تبدلت كثير من معالم الحياة في المدن القديمة، وكاد الناس يفقدون بهجة تلك الحياة المرتبطة بجوامع التعليم الديني ونشاط المدارس التي كانت كالنجوم من حولها، إذ هجرها الطلبة، بل دب التلاشي إلى كثير من عمرانها، إلى أن فتح الله على يديكم، يا مولاي، في أمور كثيرة، منها إصلاح أمرين عظيمين كانا من سمات حضارتنا العريقة، أولهما إحياء التعليم الديني في صورة التعليم العتيق، وثانيهما العناية بإحياء المدارس التي كانت ملحقة بالجوامع، ولاسيما بإصلاح عمرانها وإعادة رونقها وبهائها.
وهكذا، وفي إطار هذه العناية السابغة من جلالتكم بتراث مملكتكم الحضاري شكلا ومضمونا، وانطلاقا من حرصكم الأكيد على تجديد أصوله وترميم بناياته، أمرتم، يا مولاي، بترميم عدد من البنايات التاريخية بمدينة فاس، وأشرفتم في أوائل هذا الشهر المبارك على نهاية أشغال الترميم فيها، وقد جاء العمل بفضل توجيهاتكم رائقا، إذ وقع إنجازه بحسب القواعد المرعية في فن الترميم، الأمر الذي هيأ لإعادة هذه النفائس إلى الحياة، وهيأ لما خططتم له من دعم تجديد النسيج العمراني والثقافي لمدينة فاس، وإتحافه بما يناسب تاريخها الذي تحمون معالمه وذخائره، كما تحمون معالم وذخائر سائر مدن مملكتكم الشريفة.
وإذا كان مشكل الإحياء المادي للمعالم العمرانية ينتهي عند مثل النتيجة الباهرة التي أفضت إليها أوامركم وتوجيهاتكم في الترميم، فإن المشكل الذي يعاني منه التراث العمراني على صعيد العالم كله بعد الترميم، هو مشكل إعادة الاستعمال لذلك التراث المرمم، بما يناسب طبيعته الأصلية ووظيفته العريقة، ويتماشى في نفس الوقت مع الانتفاعات الحاضرة المرجوة، في انسجام مع مقتضيات الحفاظ على رونق المعمار وسماته.
ومن أجل حل هذا المشكل التراثي، يا مولاي، أصدرتم، حفظكم الله، تعليماتكم السامية بما يلي:
إعادة إيواء بعض طلبة الطور النهائي في القرويين في المدارس الأربع التالية:
- أ-المدرسة المحمدية، وهي من بناء جدكم المنعم سيدنا محمد الخامس طيب الله ثراه، وفيها من الغرف 25، وقاعتان للتدريس؛
- ب-مدرسة الصفارين، وهي أقدم المدارس التي وصلت إلينا، وفيها من الغرف 25، وثلاث قاعات للتدريس؛
- ج-المدرسة المصباحية وفيها من الغرف 35، وقاعتان للتدريس؛
- د-مدرسة السبعيين، وفيها من الغرف 23.
وهذه المدارس الثلاث الأخيرة من بناء ملوك الدولة المرينية في القرنين السابع والثامن الهجريين.
ومن أجل المحافظة على الجانب التراثي والجمالي لهذه المدارس، فسيتم إعداد مكان قريب خارجها يتم فيه الطبخ وما يتعلق بغيره من احتياجات الطلبة التي قد ينتج عنها التلوث.
وستستعمل القاعات الموجودة داخل هذه المدارس للدروس الرئيسية أو الإضافية، كما كان معمولا به في الماضي.
وحيث إن هذه المدارس كانت في أصلها معدة لسكنى الطلبة الذين يأتون من خارج المدينة، وكانوا يسمون بالأفاقيين، تمييزا لهم عن طلبة المدينة التي فيها الجامع والمدرسة، فإن هذا المعيار سيكون محددا للأولوية في الإسكان.
ومن وجوه إعادة استعمال المدارس المرممة التي أمرت بها جلالتكم، تخصيص مدرسة من هذه المدارس لبرنامج للتكوين في فن الخط المغربي، وقد تبين أن المكان الأنسب لهذا الاستعمال هي مدرسة الصهريج، وهي المدرسة الخامسة، وبها من الغرف 26 وقاعتان للتدريس، وهذه المدرسة في بنائها آية جمالية معمارية ستساعد الطلبة ولا شك على التشبع بجوهر التسطير المغربي الذي هو عنصر مشترك بين الزخرفة من جهة، والخط من جهة أخرى،فقد حافظ المعلمون المزخرفون لداخل المدارس والجوامع على نقش الخطوط على الجدران، وفي معمار المغرب آلاف التزيينات الخطية التي خلفها لنا هؤلاء الفنانون الذين قلما تخلفت لنا أسماؤهم.
وقد كنتم يا مولاي تفضلتم في شهر أكتوبر من عام 2012 بإصدار أمركم السامي بإحداث تكوين في فن الخط ضمن تخصصات أكاديمية الفنون التقليدية بمؤسسة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وستمكن التجربة المحصلة من هذا البرنامج من ترشيد هذا الإنشاء الجديد الذي أبت جلالتكم إلا أن تغني به تكوينات جامعة القرويين في عهد إصلاحها الجديد، انطلاقا من تشجيعكم للمبدعين في هذا الفن الذي أحدثتم جائزة سنوية خاصة به تحمل اسمكم الشريف، لقد ابتهج الناس ولا سيما الفنانون بأثر هذه الجائزة في تحفيز المبدعين المتمكنين وتكريم أساتذتهم من أصحاب الخبرة المشهودة.
وهكذا يصبح مجموع غرف المدارس التي سيسكنها الطلبة 134 غرفة.
ومن المعالم التي تم ترميمها، يا مولاي، الدار المسماة بدار المؤقت، والتوقيت من الفنون الإسلامية التي برع فيها المغاربة، وكان المؤقتون من العلماء المتخصصين في حساب الأوقات، أوقات الصلاة، القائمين على ضبطها والإعلام بها، توالت منهم الأجيال عبر التاريخ، وكان منهم من صنعوا الساعات المائية والساعات الرملية وآلات الأسطرلاب وآلات الربع المجيب وغيرها، كما كان منهم من وضعوا التآليف في علم التوقيت، وكانوا مرجع الناس في حساب الوقت، ومن إشاعة المعرفة التاريخية بين عامة الناس اليوم أن يتم التعريف بهذا العلم وهذه التكنولوجيا التي مهر فيها الأجداد، وبتنفيذ أمركم السامي بترميم هذه الدار وفتحها وقيام مؤقت ماهر بها، ومعه أدوات التوقيت والفلك العتيقة، سيتعرف كثير من المهتمين على جانب مشرق من التراث العلمي والتطبيقي للمغاربة في هذا المجال.
مولاي أمير المؤمنين
إنكم بهذه القرارات الحكيمة والترتيبات السنية، تعطون المثل الأعلى في احترام نية المحبس، وأنتم الناظر الأعلى لأوقاف مملكتكم الشريفة، كما تعبرون عن إرادتكم الأكيدة في الحفاظ للمدن القديمة على زخمها وحيويتها، وبعبارة أشمل، فإنكم، يا مولاي، تقومون بإعادة الأمور إلى نصابها، ووضع الأمور في نصابها هو جماع العدل والحقيقة كما كان يرى حكماء ديننا الحنيف. إنكم تأمرون بهذا الصنيع البديع في مدينة فاس وحول القرويين، في وقت تأخذ فيه توجيهاتكم إلى إصلاح نظام الدراسة بهذه الجامعة مجراها إلى التنفيذ، فتبدو الأمور على يديكم بهذه النظرة الشمولية العلمية الفنية الحضارية، معبرة عن عبقرية بلدكم التي تتقمصون شخصيتها، في أبعادها الروحية والعقلانية العميقة، هداية من الله لكم ورضوانا.
بارك الله في جهودكم، يا مولاي، وأحياكم حياة طيبة، بما تحيون من المعالم المندثرة، وتبعثون من الخطط المندرسة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
