تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
مواقيت الصلاة
  • الفجر--:--
  • الشروق--:--
  • الظهر--:--
  • العصر--:--
  • المغرب--:--
  • العشاء--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

أحمد آيت إعزة: تعليم الدين في مدارس المملكة المغربية ومقاصده الكونية

أضيفت بواسطة louey بتاريخ
Date de publication

darss elhassani 6 1439 2018 ahmed ait i3za 040618 1

ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الاثنين 19 رمضان 1439(04 يونيو 2018) بالقصر الملكي بالرباط، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، الدرس السادس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

وألقى درس اليوم، بين يدي أمير المؤمنين، الأستاذ أحمد آيت إعزة، رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة مقاطعات ابن مسيك بالدار البيضاء، متناولا بالدرس والتحليل موضوع "تعليم الدين في مدارس المملكة المغربية ومقاصده الكونية"، انطلاقا من قول الله تعالى "وما كان المومنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون".

نص الدرس الحسني حول تعليم الدين في مدارس المملكة المغربية ومقاصده الكونية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين

 مولاي أمير المؤمنين

إن الغاية من هذا الدرس التعريف بإصلاح من إصلاحات جلالتكم الذي أمرتم به وأوليتموه سابغ عنايتكم، ويتعلق الأمر بإعادة هيكلة مواد التعليم الديني في المدارس العمومية بجميع المستويات والذي يخص حوالي ستة ملايين من رعاياكم المتمدرسين بمختلف أسلاك التعليم الابتدائي والثانوي. وذلك بعد أن أعطيتم تعليماتكم السامية لوزير جلالتكم في التربية والتكوين ووزير جلالتكم في الأوقاف والشئون الإسلامية للقيام بمراجعة برامج التعليم الديني بالمنظومة التعليمية من أجل ملاءمتها مع الحاجات الدينية الحقيقية للمتعلم مع استحضار الثوابت الدينية والوطنية في ظل الانفتاح على القيم والمتغيرات الدولية. ولقد كان من مناقب سديد نظركم الشريف إشراك المجلس العلمي الأعلى في بلورة هذه الخطة وتنفيذها.

ولتناول ما تم من إصلاح في هذا الورش المبارك، وجريا على السنة الحميدة في هذه الدروس، نتبرك بالانطلاق من قوله تعالى في كتابه العزيز:

(وَما كانَ الْمُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمُ ; إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)

بيّن الله سبحانه في هذه الآية حكم تعليم الدين والتفقيه فيه باعتباره داخلا في الجهاد الأكبر القائم على تبليغ دين الله بالحجة والبرهان، فكان من الضروري لفتُ أنظار المسلمين للعناية القصوى بهذا الجانب؛ فأمِروا بأنْ تنفِرَ أي تخرجَ وتتكرسَ وتتكلف منهم طائفةٌ بذلك، فالآيةُ تدل على وجوب تعميم العلم بحيث يُفهم مضمونه ومقصده وحكمته وهذا تفيده كلمة التفقه، وذلك على الوجه الذي يَصْلُحُ به حالُهم، وينتفع به غيرهم، وأنَّ المتفرغين لهذا التفقُّه بهذه النيةِ، لا يَقِلُّونَ في الدرجة عند الله عن المجاهدينَ بالمال والنفس.

ومن براعة النظم في هذه الآية أن قابل الله تعالى الحضَّ على طلب العلم في قوله(لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)بالحث على تعليمه وبثه بين الناس في قوله (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمُ; إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) "فذكَرَ العلةَ للنفير وهي التفقُّهُ أولا، ثم الإعلامُ لقومهم بما علموه من أمر الشريعة"، فصار واجبا على أهل العلم تعليمُ الناس ما لا يسعهم جهلُه؛ حتى إن من أهل العلم من "فرض على إمام المسلمين أن يأخذ الناس بذلك وأن يراتب أقواما لتعليم من يحتاج إلى ذلك".

ثم ختم الله تعالى الآية ببيان الغاية والحكمة من العلم في قوله:(لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)أي يتعظون فيعملون بمقتضى العلم. وبهذا فإن التعلم لا يكتسب معناه عند المتعلم إلا باقترانه بالعمل؛ بحيث يكون ما تعلمه مجديا ونافعا له في نفسه ولغيره في حركته الاجتماعية.

وسأتناول هذا الموضوع، يا مولاي، في مقدمة وثلاثة محاور. أبين في المقدمة حيوية وجود تعليم ديني جيد بالمدرسة المغربية، وأعرج فيها كذلك على بعض المشكلات المصاحبة لتعليم الدين. ثم أعرض مكونات الخطة الإصلاحية وأهم ثمراتها؛ ابتداء ببيان مقاصد الدين المؤطرة للمنهاج الجديد والتي تضمن إبراز حقيقة الدين وروحه، وتعصم من التطرف والشذوذ، وأثنّي بالإشارة إلى المنهج التربوي النبوي المعتمَد أساسا للتنشئة على مبادئ الدين وقيمه السمحة، وأختم بالتذكير بنتائج خطة الإصلاح والتدابير والإجراءات المصاحبة لضمان نجاح عملية تنزيل المنهاج الجديد.

وأبدأ بسؤال: ما هي ضرورة إرساء تعليم ديني جيد بالمدرسة المغربية؟

هناك خمسة مبررات رئيسة تقدم عادة عند إثارة هذه المسألة:

أولا: التكوين الثقافي

فهو مطلب يستدعي تمكين المتعلم من ثقافة دينية صحيحة ومتوازنة؛ إذ كيف يمكن فهم المستقبل المشترك للحضارات الإنسانية في غياب الأسس والدعامات التي أرساها الدين فيها؛ فمستقبل الإنسان والدين لا ينفصلان. ومن ثم فغياب المرجعية الدينية لدى المتعلم لا يحجبه عن موروثه الخاص فحسب بل إنه يقطعه كذلك عن عالمه المعاصر. فـ"الجهل بالدين" و"عدم التنشئة عليه" مما يجتث الشباب من أصولهم وجذورهم، ويجعل اكتساب كثير من المعارف عسيرا، بل يهيئ لتقبل التطرف وعدم التسامح.

ثانيا: التربية على المواطنة

فبتشجيع التعليم الديني يتم ترسيخ ممارسات تستهدف، في إطار احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان، تنميةَ الوعي بالتنوع الثقافي من جهة، وضرورة المحافظة على الانسجام المجتمعي من جهة أخرى؛ إذ من الحيوي في مجتمعنا جعل المتعلم يعرف ويكتشف، خلال مساره الدراسي، أن هناك ثقافات ومعتقدات أخرى من غير دينه الذي يراه حقا وعدلا.

ثالثا: التكوين الشامل للمتعلم

أثبتت الدراسات الحديثة أن المنطق الأداتي والعلمي والتقني، لا يكفي لتكوين الإنسان وبناء شخصيته، إذ يتوجب، إضافة إلى ذلك، تهيئته لمنطق أوسع يتضمن البحث عن المعنى وعن القيم. فالتعليم الديني يسهم في بلوغ هذا الهدف الجوهري بفتح المتعلم على سؤال المعنى والمسؤولية الأخلاقية؛ إذ يمثل الدين أهم الموارد المحفزة على التفكير في علاقة مع الحياة.

رابعا: تكوين فكر نقدي

وهذا بخلاف ما يظنه من يرى أن تعليم الدين مجرد حشو للذاكرة، فإذا كان الدين يدعو إلى التدبر، والتفكر، والاعتبار، والمجادلة بالتي هي أحسن؛ فإن أي إقصاء للدين من المدرسة يعني، لا محالة، تشجيعَ التطرف، والعنصرية، والعصبية ونشر الفكر الظلامي خارج المدرسة.

خامسا: البحث عن المعنى

منذ غابر الأزمان والإنسان في بحثه الروحي وهو يسعى أن يعطي معنى لحياته. ومنذ بداية الخليقة إلى الآن، والأديان تَشغَل فكر الناس وتؤثر في سلوكهم. ولا زالت الإنسانية تطرح الأسئلة الأساسية حول الحياة. فمنذ الصغر، يبدأ الأطفال بالبحث عن أجوبة، لا تكون دوما سهلة، لأسئلة عميقة تتعلق بالحياة الدنيا وبالآخرة. هذا البحث، الذي يمتد على العمر كله، يسعى إلى إعطاء معنى للحياة؛ بمعرفة من نحن؟ وما يميزنا عن باقي المخلوقات؟ ولماذا نحن في هذا العالم؟ وما هو سر هذه الحياة؟ وما هي مبررات معاناة الإنسان؟ وكيف يكون العيش بسعادة في الدنيا؟ وما المصير بعد الموت؟ وكيف النجاة في الآخرة لمن يومن بها؟

إن الجواب عن هذه الأسئلة وما في حكمها لا تقدمه الفلسفة التي في طبيعتها أسئلة مفتوحة، ولا يقدمها العلم الذي يتناول المحسوسات ويتغير باستمرار؛ ولكن الدين يقترح على المتعلم معنى لحياته الخاصة بحسب الدين إن أراد أن ينخرط فيه على أساس الإيمان.

ما هي الاختلالات المرصودة في الممارسة؟

إلا أنه وفي مقابل هذه الحاجة الحقيقية تواجهنا ممارسات شاذة صاحبت تعليم الدين بالمدرسة غيبت مقصده الأسمى وهو التفقه في الدين ليبني الإنسانُ علاقةً متينة بربه وبنفسه وبغيره وببيئته؛ إذ أن بلوغ هذه الغاية يُبطلُها تقديمُ الدين إما بنظرةِ تشدد أو تناولٍ جامدٍ، ويمكن إجمال أسباب هذه الانحرافات في ثلاثة أسباب:

1.التحريف

حيث يتم تحريف معاني الدين وحقائقه حتى إن بعض المتدينين، أو المنتسبين إلى الدين فهموا كثيرا من مفاهيمه على غير ما حرره أهل العلم؛ من مثل تضييق معنى "العبادة" وحصره في عدد من الشعائر، أو توسيع معنى "البدعة" ليشمل حتى مجالات الحياة اليومية، أو التساهل في تداول مفاهيم "التكفير" و"التفسيق"؛ مما أفضى إلى إكساب الناشئة سلوكيات لا تليق بهذا الدين السمح، ولا تتفق مع روح الرحمة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى العالمين.

2.الجمود

على الرغم من أن ظاهرة تأخر المدرسة عموما عن مسايرة حركية المجتمع عامةٌ في كل الأنظمة التعليمية، إلا أن جمودَ طرق تدريس الدين وعقمَها صارخٌ ويكاد يكون مترسخا فيها، حيث أسهمت هذه الطرائقُ الباليةُ في فصل المعلومات الدينية عن سياقها الفقهي النافع وعزلِها عن بيئتها الاجتماعية؛ فتحولت المضامينُ إلى محفوظات غيرَ مفهومةٍ تُثقلُ كاهلَ المتعلم وتُعيقُه عن التفكير والتحليل والنقد. مما أنتج مجموعةً من المتعلمين الذين لا يفهمون دينهم، والعاجزين عن ترجمة معارفه وقيمه إلى سلوك ومواقفَ في واقعٍ معيشيٍّ سلميٍّ نافعٍ.

3.الانفصام

وذلك باستعمال المادةِ الدينية في الترويج لمعلومات منقطعةٍ عن الواقع بل ومتنافرةٍ معه في بعض الأحيان، ولاسيما القوانين والتشريعات والنظم، وخَلقَ هذا الشعورُ عند بعض الشباب ارتباكاً وزَجَّ بهم في حالة من الغربة في مجتمعهم بمعاداته أو نبذِه أو الانسحاب منه بطرق شتى. هذا بالإضافة إلى أن بعض المفاهيم الدينيةِ مجردةٌ يصعب على الصغار فهمُها واستيعابُها، خاصة ما تعلق منها بالغيبيات واليوم الآخر، وغالبا ما يتم التحايلُ على هذه الصعوبة بتبني خطابِ التهويل والوعيد الذي يُوَلد استجابةً آنية، ولكنه يُفقد المتعلم توازنَه النفسي واطمئنانَه القلبي المطلوبَ من زاوية المنهج القرآني المعتدل الذي يعتمد آلية البشارة والإنذار.

هذا الوضع التعليمي هو الذي جعل انتظارات كثير من الناس تتراجع بالنسبة للتعليم الديني كحامل للتربية على القيم والتنشئة على الأخلاق السمحة من مواساة وتضامن ومحبة، وتسامح، وكضامن للتربية على احترام الحقوق، واستدماج المشترك الإنساني.

لمعالجة هذه الوضعية التربوية في المدرسة المغربية، واستجابة لتعليماتكم، يا مولاي، تمت إعادة النظر في مناهج مادة التعليم الديني بهدف تحويله إلى عامل يشجع التلاميذَ على الانفتاح على المستوى الديني والروحي والأخلاقي حتى يكونوا أعضاءً في المجتمع، بموقعهم الشخصي والإنساني الذي من خلاله ينفتحون بثقة على الغير، فاعلين مؤثرين، يعتزون بقيمهم ويحترمون قيمَ الغير ومعتقداتِه، ولم يتطلب الوصول إلى هذه الغاية حذفَ شيء من النصوص أو إزالةَ ما ثبت في الدين وصحَّ عند أهل العلم؛ لأن دين الله كلٌّ متكامل وكامل لا يملك أحدٌ الزيادةَ فيه أو النقصانَ منه بمقتضى قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)ولا يغيب عن المسلم وهو يحترم غيرَه من الناس قوله تعالى:(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْاسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

ولتحقيق المقصد من هذه المراجعة يا أمير المؤمنين تمت بلورة خطة إصلاح مناهج التعليم الديني، من المنطلقات الآتية:

أولا- مقاصد الدين ضامنا لإبراز حقيقة الدين، وعاصما من التطرف والشذوذ    

والمنطلق هو السؤال التالي: كيف يمكن بلورة تعليم ديني أصيل يلبي الحاجات الحقيقية للمتعلمين؟

إن أهم ما ميز المقاربة المنهاجية التي أطرت منهاج المادة الدينية في المنظومة التعليمية هو اعتماد مقاصد الدين إطارا ناظما لكل الأبعاد الابستيمولوجية والمنهاجية والديداكتيكية لضمان تحقق الوحدة بين كل أجزاء منهاج المادة الدراسية، وتوافرِ المعنى في المضامين الدراسية والعمليات التدريسية، انسجاما مع وحدة الدين، وترجمةً للمعنى الذي يعطيه الدين للحياة. لهذا كانت مقاصد الدين هي الإطار العام الناظم لتعليم الدين بالمدرسة المغربية وفق الثوابت الدينية التي اختارتها الأمة وهي (العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين) ولقد تم إجمال هذه المقاصد في أربع كليات:

المقصد الوجودي

وأدرجت فيه المادةالمتعلقة بوجود الله وحدانيته، والتي تدل على تفرد الله تعالى بالإلهية والربوية وخضوع ما سواه له سبحانه ترسيخا لمبدأ التوحيد وبناء على مركزية تحرر المؤمن من الخضوع لما سوى الله ابتداء من التحرر من نفسه أو هواه.

المقصد الكوني

وأدرجت فيه المادة ذات الصبغة المميزة للدين بتأكيد مبدإ عالمية الرسالة، من خلال التعريف بسيرة الرسول الخاتم والرحمة المهداة إلى العالمين مصداقا لقوله تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)ومبدأ الإنسانية المتمثلة في الاختلاف وتعدد الشعوب والقبائل وأمر الله بتعارفها وتساكنها وتعاملها بالحسنى.

المقصد الحقوقي

إن تقرير مبدأ تفرد الله بالألوهية والربوبية وتكريس الدين لحرية الإنسان، وتأكيد كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، كل هذا يستوجب إقرار نظام مجتمعي يتمركز حول مبدأ التوحيد وتتجسد فيه هاتان القيمتان (الحرية والرحمة)؛ وهذا لن يكون إلا بإقرار منظومة متكافئة ومتوازنة من الحقوق تشمل حقوق الله وحقوق النفس وحقوق الغير، ولعل أعظم خاصية تميز هذه الحقوق وتضمنها أنها كلها حقوق لله؛ وهذا المبدأ من أعظم تجليات التوحيد.

المقصد الجودي

إن المؤمن الذي يبتغي بقلبه وكل حركاته الدار الآخرة، وهي خير وأبقى، لا يمكن أن يقف عند حدود المقصد الحقوقي -الذي يشترك فيه مع كثير من الناس والثقافات- لأنه إنما يمثل حدَّ العدل؛ أما المؤمن فإنه يؤدي كل الحقوق ويرنو إلى ما هو أسمى وأعظم أجرا، وهو رضى الله تعالى الذي لا يمكن نواله إلا من خلال خلْقه؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مسلم: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ) فاستعمل اسم الموصول ليعم كل المؤمنين، وصاغ النفع بالمضارع ليتجدد ويستمر، ووصف المنتفع بوصف الأخوة ليشمل كل إنسان، وأبهم المنفعة لتعم كل أشكال المعروف مهما عظمت أو دقت. وهذا ما يجعل خصلة "النفع" خصيصة كل مؤمن يسعى إلى التقرب إلى خالقه، ولكي لا يكون الخلق حجابا بينه وبين ربه، فالسبيل هو نيل محبتهم ونفعهم وخدمتهم؛ فالوجود كما قال بعض الحكماء ينفعل بالجود.

فهذه المقاصد هي الأطر المرجعية الموجهة والمفسرة لعملية المراجعة المذكورة والمهيلكة لكل الاختيارات في مجال القيم والمضامين، والمقاربات في مجال التصريف البيداغوجي والتنفيذ الديداكتيكي؛ فهي الضامن لتبليغ حقيقة الدين وروحه في المنهاج، والعاصم والمانع من أن تنفذ إليه مفاهيم الغلو والتطرف أو تتسرب إليه قيم الكراهية والانتقام.

وبالانضباط لهذه المقاصد وترجمتها إلى منظومة إرشادية وتوجيهات بيداغوجية أمكن إنتاج منهاج تربوي يعلم الضروري من الدين لأبناء مملكتكم الشريفة بشكل منسجم ومتكامل يحفظ روح الدين ووحدته، دون أن يؤدي ذلك إلى فصل المعارف الدينية عن الواقع أو إفراغها من المعنى لدى المتعلمين.

ثانيا- المنهج التربوي النبوي أساسا للتنشئة على مبادئ الدين وقيمه السمحة:

تأسيسا على السؤال التالي: كيف يمكن ترجمة هذه المقاصد الدينية والكليات الشرعية إلى خطة بيداغوجية للتربية والتنشئة على غايات الدين وقيمه وأحكامه؟

إنه التحدي الذي فشلت في رفعه أغلب محاولات الإصلاح السابقة!

فلما كانت الغاية المستمدة من داخل الدين هي بث قيم الوسطية والاعتدال وإغناء المشترك الإنساني، فإن تحقيقها هو الذي ساق إلى التزام منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الصحابة وتنشئته لجيل من الصحابة غيَّر وجه العالم، وقدَّم أنصع النماذج في الوفاء، والرحمة، والبذل والعطاء، والشكر والصبر...

وتكمن قوة هذا المنهج النبوي في اشتغاله على جميع أوجه الشخصية الإنسانية؛ التي جاءت البعثة النبوية لإخراجها من الظلمات إلى النور من خلال تفعيل وظائف النبوة المحددة في قوله تعالى:(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْامِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ ; آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)وذلك من خلال خمسة مداخل أساسية لا تعد مكونات معرفية منفصلة في المادة الدراسية؛ ولكنها مسارات وجدانية ومعرفية وسلوكية وسيكوبيداغوجية، تمكن من المحافظة على وحدة شخصية المتعلم بملامسة جميع مكوناتها، وهذه المداخل هي:

أولا: مدخل التزكية

وهو الأساس الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرسيه في قلوب أصحابه بتخلية معتقدهم من الشرك وتحليته بالإيمان والتوحيد، وتخلية سلوكهم من الظلم والفواحش وتحليته بالعدل والحياء. وهذا هو المفتاح الرئيس لتنشئة جيل يحب الله ورسوله ويكره أن يعصيهما؛ وفي هذا المدخل تم اعتماد القرآن الكريم أساسا للتعريف بالله تعالى وصفاته وفق مذهب أهل السنة والجماعة ومنهج الأشعرية بعيدا عن تعقيدات المتكلمين وخلافاتهم؛ صونا لعقيدة التلاميذ ونفاذا إلى جوهر الإيمان وتحصيلا لحقيقته وهي العمل بمقتضاه.

ثانيا: مدخل الاقتداء

إن الطريق إلى الله لا يكون إلا من خلال عباده ومعاملتِهم وفق مبادئ الدين وأحكامه، وهذا لا يتأتى لأحد إلا من خلال نموذج عملي يبين إمكانية تنزيل الدين بوسطيته واعتداله في واقع معين يتخذه الناس قدوة ومثلا أعلى، كما قال الله تعالى في حق رسول الإنسانية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)لهذا قدم المنهاج الجديد السيرة النبوية نموذجا لدرء التطرف والغلو والتشدد في الدين، فهو القائل صلى الله عليه وسلم:(يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا).

ثالثا: مدخل الاستجابة

ويفيد أن المقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم في سعيه لنوال رضى ربه لَيعلم أن المسير إلى الله يتطلب التزود له، وأن خير الزاد التقوى؛ كما قال الله تعالى:(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْاَلْبَابِ) والطفل في تنشئته على طاعة الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى محطات يتزود منها؛ وهي الشعائر والطاعات التي فرضها الله على كل مسلم حسب عمره واستطاعته؛ ففي الصلاة نهي عن الفحشاء والمنكر، وفي الصيام تحصيل للتقوى، وفي الزكاة تطهير للنفس، وفي الحج منافع وشكر؛ لهذا تمت برمجة هذه الشعائر حسب النمو العمري للمتعلمين في كل مستوى دراسي

رابعا: مدخل القسط

إن من أهم ما يجب بيانه للمتعلم أن إيمانه بالله ومحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتأديته لما طلب منه من عبادات سيكون قاصرا على نفسه ما دام نفعه لا يتجاوزه إلى غيره؛ وهذا ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابته عندما بين لهم أن المفلس ليس هو الذي لا مال له، بل المفلس هو الذي يأتي الله وقد سجلت عليه أعمال سيئة تستغرق أعماله الحسنة وتزيد، فيبقى عليه الدين لمن أساء إليهم ولا يجد من أين يقضيه. لذا اختار المنهاج الجديد ترسيخَ التربية على الحقوق إيمانا ومنحا وصونا، من خلال ترسيخ البعد الرباني للحقوق في نفوس الناشئة باعتبارها واجبا على النفس، ومستحقا لكل الناس، وحقا لله، نُسأل عنه في الدنيا قبل الآخرة.  

خامسا: مدخل الحكمة

إن إقرارَ مبدأ العدل وتمكين الناس من حقوقهم دون تمييز، خصلةٌ إنسانية محمودة في الديانات والثقافات الإنسانية الراشدة؛ وإن الظلم والطغيان تنبذه كل العقول الراشدة وتعافه كل النفوس السليمة؛ فما الذي فاق به منهج رسول الله صلى الله عليه غيره؟ إنها الحكمة التي هي مقام أعلى من مقام العدل؛ والتي تتجسد في العفو عمن ظلمك، وإعطاء من حرمك، ووصل من قطعك. بل إنها القيمة التي تستطيع بها البشرية أن تعالج ما تعانيه من إسراف وطغيان وأنانية؛ فمقام الحكمة يؤهل الناشئة ويدربهم على الإيثار، والاقتصاد، وعدم الشح؛ حتى يكونوا رحمة للناس والحيوان والبيئة بكل مكوناتها؛ فبالاقتصاد لا يستهلكون إلا ما يحتاجون، وبعدم الشح لا يبخلون بإعطاء ما زاد عن حاجتهم، وبالإيثار يمنحون ما يحتاجون إليه إلى من هو أحوج منهم. فهذا المدخل بمثابة طفرة نوعية في إبراز المنهج النبوي في التربية من أجل إعداد جيل يكون نموذجا للخير والصلاح.

 ثالثا- علمية مقاربة الإصلاح وواقعية التدابير والإجراءات:

إن من مسلمات كل عمليات إصلاح المنظومات التربوية والمقاربات المنهاجية، أن إصلاح المناهج وحدَها لا يفي بالغرض؛ إذ مهما كان المنهاج متقنا ونموذجيا فإن أغلب الأعطاب تتناسل خلال تنزيله؛ فكان من الواجب اتخاذ جميع الاحتياطات والتدابير التي ستضمن عدم التقهقر إلى الانحراف عن مقاصد المنهاج، أو تحريفه وإدخال المفاهيم الغريبة عنه من قبيل الغلو والتعصب والتطرف، ومن تلك التدابير؛ إقرار مبادئ أساسية هي:

أولا: الوحدة الموضوعية ضامنا لوحدة المادة الدراسية

إن أهم ما عانت منه مادة التربية الإسلامية قبل المراجعة أنها كانت عبارة عن مواد دراسية متعددة منفصلة وموضوعات متنوعة متقطعة، وبذلك كانت تخترقها فراغات شاسعة قابلة للوقوع في ما يشبه الشطط في التأويل ومرتعا للمغالاة في التنزيل؛ لذا جعلت السورة القرآنية مركزا موحِّدا لكل المعارف الدراسية المقررة وناظما منهجيا لكل العمليات التدريسية؛ حيث تمت برمجة سور خاصة لكل سنة تكون إطارا معرفيا خاصا تستمد منه جميع المفاهيم والقيم والأنشطة الدراسية؛ مما كرس وحدة المادة وقصر وجهة العملية التعليمية على المتعلم الذي هو منطلقها وغايتها

ثانيا: مركزية النموذج النبوي مانعا للانحراف في التنزيل

فإذا كان القرآن ضامنا للوحدة والانسجام، فإن النموذج النبوي عاصم من كل مظاهر الانحراف والتشدد والتعصب والغلو في الدين؛ إذ تصاحب نماذج السيرة النبوية المتعلم في جميع سنوات تعلمه بمختلف الأسلاك مراعية مستواه العمري ونموه النفسي والعقلي بثلاث مقاربات منهاجية متكاملة ومتنامية هي البعد الكرونولوجي بالابتدائي والبعد المقاصدي بالإعدادي إلى البعد الفقهي الأكثر تنظيرا بالتأهيلي، وهو فقه السيرة.

ثالثا: انفتاح وضعيات التعلم على مختلف مكونات الحياة شرطا لتحصيل المعنى

ومن أجل أن يكتمل المعنى من التعلمات لدى المتعلم كان من الضروري أن تنفتح المادة الدراسية على مختلف مجالات الحياة التي يمكن أن يطبِّقَ فيها المتعلم مكتسباته أو يَمتدَّ إليها فكرُه؛ لذا هدفت مفردات البرنامج الدراسي إلى تغطية مختلف المجالات: العبادة، والحقوق، والبيئة، والفكر ومؤسسات المجتمع كالأسرة والمسجد والمدرسة...

وفي الأخير

لابد من التأكيد يا أمير المؤمنين أن هذا الإصلاح يعد والحمد لله فتحا غير مسبوق رحب به المعنيون بالمجال التربوي وغيرُهم؛ لأنه كان ثمرةً للتعاون بين ثلة من العلماء من المجلس العلمي الأعلى، ومجموعة من خبراء وزارة التربية الوطنية من مدرسين، ومفتشين، ومؤطرين بمراكز التكوين، وأساتذة جامعيين، بالإضافة إلى فرق التأليف التي اجتهدت في تصريف المنهاج الجديد كُلٌّ وفق مقاربته واختياراته؛ مما أنتج حوالي ثلاثين كتابا مدرسيا تباينت جودتُها وتعددت محاسنُها، وقد تناولها التجويد والاستدراك بعد السنة التجريبية الأولى للمنهاج.

وهذا كله يا أمير المؤمنين نموذج لأفضالكم وأياديكم البيضاء في رعاية مصالح الأمة وصون ثوابتها الدينية، وليس سوى نزر يسير من بحر حسناتكم الزاخر، جعله الله زادا في ميزان حسناتكم وأثابكم به خيرا كثيرا.

والختم لمولانا أمير المؤمنين. 

التسجيل المرئي للدرس الحسني السادس الذي ألقاه بحضرة أمير المؤمنين الأستاذ أحمد آيت إعزة، رئيس المجلس العلمي المحلي لعمالة مقاطعات ابن مسيك بالدار البيضاء

المساعد الرقمي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية