تعد إمارة المؤمنين أجل الثوابت وأعظمها منزلة، لأنها تؤطر الأمرين معا، الإيمان والعمل، وأصلها في خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الرسالة وعلم الدين وأسس الأمة وأقام الدولة. فبوفاته تمت الرسالة وبدأت مرحلة جديدة في التبليغ وفي حياة الأمة والدولة، بدأ تاريخ اقتضى الاستمرار فيه التدبير بالأسباب البشرية العادية بعد انقطاع الوحي، وهذا ما يفهم من قول أبي بكر رضي الله عنه، إذ قال: "إن محمدا قد مضى بسبيله، ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فانظروا وهاتوا آراءكم يرحمكم الله". فعلى سبيل مبدإ الشورى كان يتم اختيار الأمير من كبار أهل السابقة من المكيين القرشيين، فتولى الخلفاء الراشدون الأربعة تباعا في الظروف التي سجلها التاريخ. وتسمى أبو بكر بخليفة رسول الله، وكان عمر أول من تسمى بأمير المؤمنين في سياق نجده في حوار بين الصحابي المغيرة بن شعبة وعمر، قال عمر في آخره: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين.
دام عهد الراشدين ثلاثين عاما، ترسخ فيها قيام إمارة المؤمنين على البيعة، واكتسبت عمقها في الجمع بين شؤون الدين والدنيا. وفي عقودها الثلاثة الأولى، تطورت جوانب أساسية في حياة الأمة والمجتمع والدولة، في سياق التوسع السريع لانتشار الإسلام، والالتقاء بأجناس وثقافات عديدة، وحصول تفاوتات اجتماعية مذهلة، حتى إن بعض الصحابة قالوا إن علامات الساعة غدت ظاهرة في سرعة توسع العمران وتجميع الأموال لاسيما في أواخر عهد سيدنا عثمان.
كان من الطبيعي أن يقوم في هذا السياق الجديد خلاف حول المشروعية السياسية، من يحكم وكيف ينبغي أن يحكم. وكان المآل مأساويا على صعيدين، صعيد السياسة بالاغتيالات الثلاثة التي تعرض لها عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وصعيد الدين، حيث خرجت من هذه المأساة التمزقات التي فرقت المسلمين إلى فرق استمر أثرها العميق في تاريخهم السياسي والديني إلى يومنا هذا. فمن هذا الصراع خرجت نواة الشيعة الذين بدأوا أنصارا لموقف علي، ثم تطوروا إلى طائفة سياسية عقدية على أساس قراءة خاصة للتاريخ، لا سيما بعد سحق عنيف للثورات التي ساندت شخصيات من آل البيت، على أيدي حكام من الأمويين وبني العباس، وظهرت في صفوف السنة أنفسهم فرق عديدة، منها الخوارج والمعتزلة والمرجئة، وتوزع كل منها إلى عدد كبير من الطوائف. إنه وقت عصيب لأن السياسة لبست فيه قناع الدين، ولأن التوجهات المبنية على الضيم قد غلبت الاحتكام إلى العقل، فظهرت الزعامات الدينية السياسية، وتفشى التعصب للآراء، وحلت لغة التكفير محل النقاش حول الخطأ والصواب. غير أن جماعة أهل السنة، أو تيار الأغلبية، عملوا على تجاوز الأزمات المتوالية، فقرروا في عقائدهم وجوب نصب إمارة المؤمنين، ونصوا على أن الشرط في متوليها العلم والعدالة ومعرفة وجوه السياسة والنسب القرشي، وقالوا عن سلطاته إنها تشمل حفظ الدين وحراسة الأرض وعمارة البلدان باعتماد المصالح وإجراء الأحكام واختيار خلفائه. وقال بعضهم: يجوز أن تتعدد باختلاف البلدان.
وهكذا نجد أن أسئلة البداية في جانب السياسة، كانت مفتوحة على ثلاثة اختيارات: أولا: اختيار مثالي هو تطوير الشورى كما بدأت، وهو ما لم تتوفر له الظروف والأسباب؛ ثانيا: قبول الأمر الواقع، من أجل الحفاظ على الكيان العام للأمة، وهو ما حدث في أرض السنة؛ ثالثا: اختيار مستند إلى أحقية آل البيت في الخلافة، مع الاقتران بنظرية خاصة في العقائد، وسنرى كيف كان اختيار المغاربة في ضوء تلك المعطيات.