قبل الكلام عن تفاعل غالبية المغاربة مع التصوف كاختيار، لابد أن نتساءل كيف يمكن النظر إلى هذا الاختيار من جهة الحكم الشرعي، هل يدخل في الوجوب أم في الندب أم في الجواز أو في الحرمة أم في الكراهة؟ والجواب هو أن حكمه عند أهله، كما بينا، هو حكم الإحسان من الإيمان والإسلام، أي حكم تشوف إلى كمال، والناس على درجات في هذا الطموح الذي لا إلزام فيه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتَابَ اَلذِينَ اَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اِللَّهِ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. وعلى كل حال فإن اعتبارات شتى توجب للتصوف في السياق المغربي الحرمة المبدئية، لأن انتقاده المبدئي في العلن ينبئ في الغالب عن فساد طوية المتكلم إزاء الثوابت الأخرى.
إن استقراء مظاهر تفاعل المغاربة مع تصوف الجنيد، يقوم على نتائج تاريخية تتجاوز المساجلات النظرية، حيث نجده عظيم الأثر على الكيان الجمعي والأخلاقي والحضاري، إذ أثمر شفوفا مثلته نماذج بشرية راقية من العامة ومن العلماء على السواء، وما من قبة ضريح في المدن والبوادي، إلا وتحتها قبر شخص ارتبط عند معاصريه بالتوحيد، أي بالدعوة إلى الله وحده أولا، وبقيمة إنسانية سامية، ثانيا. ولقد قامت الطرق الصوفية منذ القرن السادس الهجري بأدوار نافعة شتى: دينية وعلمية وتعليمية واجتماعية واقتصادية وسياسة نبيلة، غير أن اختصاص أهل التصوف وميزتهم العظمى هي التربية على محاسبة النفس، وما عدى ذلك فهو من الزوائد التي لا تخلو من المستحسنات، وحيث لا توجد التربية على محاسبة النفس لا يوجد التصوف.
إن المشرب الصوفي المغربي مصحوب بالصحو، في أجوائه يتعلم الناس المودة والرحمة والصبر، وكل ما يشمله مفهوم "الوسع" من فقه وفتح وتحمل.
أما إشعاع هذا التصوف فقد امتد عبر القرون إلى آفاق القارات، ولاسيما عبر شرايين الأجسام الكبرى الثلاثة، الشاذلية والقادرية والتجانية.