أولا: إمارة المؤمنين: عندما بدأ انفتاح المغرب للإسلام في العقد السابع من القرن الهجري الأول، كانت الأزمة قد استحكمت بظهور الفرق واستمرار المعارضة للأمويين ثم للعباسيين، ولاسيما من أنصار آل البيت. وبينما كان هؤلاء يعانون من اضطهاد الدولتين المذكورتين، بين عام أربعين للهجرة، تاريخ تولي معاوية، وعام 169 هـ، تاريخ مقتل الحسين بن علي بن الحسن المثلث، في وقعة فخ قرب مكة، كان قد مضى قرن من الزمن من سوء تدبير عدد من عمال الأمويين ثم العباسيين على المغرب، ولاسيما في الجبايات وتصرفات أخرى يذكرها المؤرخون، وفي هذا السياق من الظلم المشترك، لجأ إدريس بن عبد الله إلى المغرب، وقد نجا من القتل في موقعة فخ، فكان أول أمير للمؤمنين بويع خارج نطاق الحرب والانقلاب بعد الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول. كانت بيعته اختيارا طوعيا ذكيا متجليا في أربعة مظاهر:
- أن إمارة المؤمنين أعطاها المغاربة لآل البيت المضطهدين، على أساس بناء صرح لدولة السنة في غربي أرض الأمة الإسلامية؛
- أن إمارة المؤمنين شكلت القطب الذي خلق الانسجام في ضمير المغاربة بين السياسة والدين؛
- أن هذه الإمارة اتخذت صبغة روحية مصدرها التعلق بآل البيت، وهو تعلق خلاق للتعبئة الوطنية؛
- أن هذه الإمارة قد شكلت القطب الذي تبلور حوله بناء الدولة في استمرارها، والأمة في وحدتها، والمجتمع في تعدديته.
ومن المهم أن نلاحظ أن الأمازيغ قد تداولوا إمارة المؤمنين في قرون إمبراطورياتهم الكبرى بنفس المضمون والرسوم، وعندما أعاد المغاربة الأشراف السعديين ثم العلويين إلى إمارة المؤمنين، والمغرب يتعرض لضغوط أوروبا في بداية العصر الحديث، لم ينظروا إلى هؤلاء الأشراف على أنهم من جنس العرب، وإنما اعتبروا حماهم الروحي، وأقروا، عن تجربة، بنجاعتهم السياسية في التحكيم.