حماية الدين تالية لقيامه، فأمير المؤمنين يسهر على توفير ما تؤدى به العبادات أحسن أداء، وتتأتى به المعاملات على مقتضي الشرح، ومن جملة أداء العبادات القيام بفريضة الحج لمن استطاع إليه سبيلا.
وأمير المؤمنين في هذا المجال، كما في مجالات دينية أخرى، يرعى تقليدا عريقا بناه أجداده، فقد ربط الحج المغاربة بمهبط الوحي وتقوى به إيمانهم، يستوي بذلك الحجاج وغيرهم.
فقد انتظم أمر السفر في ما عرف بركب الحاج المغربي، وحرص بعض أعلام الدين على إقامة شبكة مراحل بين المغرب والحجاز، ووقع تنظيم الركب الرسمي منذ بداية المرينيين على الأقل، وكان الملوك يزودونه، ويعينون عليه أميرا، ويرفقون به أفرادا من أسرهم ومن العلماء، ويقدمون له الخدمات، ويحرسونه بالجند، ويستوصون به خيرا ولاة الأمر في الحجاز وفي البلدان الواقعة على الطريق، كما حبسوا عليه أملاكا في المغرب وفي الحجاز، وكانوا يحملونه بكتب نفيسة ومصاحف وأموال، بل كانوا يبعثون معه رسائل إلى روح رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد ون فيها تطارحهم على مقامه الشريف.
ومن مكرمات الحج أن ركبه المغربي هو الذي جاء في عام من الأعوام بالشريف الحسن الداخل جد الأسرة العلوية، أسرة أمير المؤمنين.
ابتكر المغاربة أدبا نبيلا في علاقة مع الحج، يتمثل في مكانة رحلة الحج كتابة، أو شفويا، وفي شعر التشوق بمختلف اللغات، العربية الفصيحة والمحلية، وفي الاعتبار المرتبط بمجمل اسم "الحاج"
فعناية أمير المؤمنين بالحج في وقتنا تندرج في رعايته لشروط أداء أمانة الدين من جهة، وتأتي من جهة أخرى في سياق تقاليد عريقة بناها سلفه من الملوك في هذا المجال، وعمله المشهود استدامة لهذه الرعاية وتقوية لمضمونها وتحيين لتدابيرها.
من كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 2009