1 ـ في العالم القروي
2 ـ في المجال الحضري
3 ـ الجماعات اليهودية كمثال للتحولات الحاصلة داخل المجتمع المغربي
1 ـ في العالم القروي
هذا التحول قد تم أيضا بواسطة التعاقدات المبرمة التي كانت تعقد مع الفلاحين من طرف بعض التجار الأوربيين الساعين إلى تحقيق الربح الأقصى بأقل تكلفة في إطار يستند على إضفاء الشرعية القانونية على عملية تموين أوروبا. وباعتمادهم على أموالهم الخاصة أو تلك المملوكة من طرف رؤسائهم أو باستعمال القروض البنكية أو بجلبهم لسلع أوربية، تمكن هؤلاء التجار ووسطاؤهم المحليون من الاستحواذ على الأسواق المغربية عن طريق إجراء عقود شراء مسبقة أو مباشرة للمنتوجات الفلاحية أو للأصواف. وهناك عملية أخرى واكبت هذه الوضعية وقد انتشرت بشكل كبير في مناطق الغرب والشاوية ودكالة وعبدة وهي تتمثل في الشراكة مع الفلاحين بواسطة دعم جانب من أعمال الحقل التي يقومون بها من قبيل الزرع والحصاد مقابل الحصول على جزء من المحصول. وكانت رؤوس الماشية والأبقار توكَل لفلاحين يتكفلون بتربيتها على أساس اقتسام أرباح نموها وذلك سواء بالاستناد على الشروط التقليدية التي كان يعتمدها مربو الماشية في السابق، أو عن طريق سن أساليب تعاقدية جديدة يتم عقدها بواسطة العدول أو بالقنصليات. وقد انتشرت معاملات المخالطة هذه بشكل كبير إلى درجة أنها تمكنت من تعويض قانون حظر تملك الأراضي الفلاحية الساري المفعول على الأوربيين. وتوسعت العملية بشكل مطرد بعد مؤتمر مدريد (1880) لتتوسع مباشرة في اتجاه المناطق الداخلية ( سايس وتادلة والحوز).
واتجه التجار المحليون، الذين حققوا أرباحا قوية منÂ التجارة البحرية، إلى استثمار أموالهم في الفلاحة التي كانت تعتبر مورد ربح إضافي إلى جانب أنها تحقق لأصحابها مكانة الحظوة الاجتماعية كما أنها كانت مضمونة الربح أمام التقلبات النقدية. وبموازاة هذه العمليات، كان يتم تفقير مالكي الأراضي وتنتزع ممتلكات الفلاحين المخالطين ليرمى كثير ممن لم يكن محظوظا منهم أو وقع ضحية الديون في فئة البروليتاريا. وتطورت العملية إلى نشوء ظاهرة تغذية الهجرة القروية المتجهة نحو المراكز الحضرية المتركزة على الساحل الأطلسي.
2 ـ في المجال الحضري
2-1: نمو الفئة التجارية وتطور العادات الغذائية
تجلى نمو التجارة البحرية في عدة مؤشرات، أولها تزايد حجم وعدد الشركات المتعاملة مع السوق المغربية وكذا نمو عدد المواطنين الأوربيين المستقرين على أرض المغرب (350 سنة 1836، 1.360 سنة 1864 وحوالي 10.000 في الربع الأخير من القرن). ثم توسعت شبكة القناصل وازداد عدد الوسطاء المحليين وإقيمت شبكة من الخطوط البحرية المنتظمة، التي كانت تربط الصويرة والدار البيضاء والرباط وطنجة من جهة بكل من جبل طارق ومرسيليا وليفيربول ولندن وأنيير وهامبورغ وجنوة من جهة أجرى.
وترجمت هذه الكثافة التجارية بشكل خاص في تقلب المعاملات الدولية وتأثيرها على الأسعار الداخلية المغربية إضافة إلى الأهمية المتزايدة لعمليات المضاربات الفلاحية التي أحدثت اختلالا في القطاعات الإنتاجية المحلية.
لقد سجلت بداية تطبيق النظام المعروف باسم "الباب المفتوح" المؤسس فيما بعد سنة 1906 والمرافق لعملية تحديد رسوم دخول المنتوجات في 10%، انطلاقة انفتاح السوق المغربية أمام المواد الأوربية أو تلك التي تمر عبر أوربا وأيضا للمواد الآتية من الولايات المتحدة الأمريكية (البترول بشكل أساس). وكانت هذه الواردات تتكون أساسا من السلع التي بدأت تتخذ بالتدريج مكانة أساسية في العادات الغذائية لكثير من المغاربة وفي نمط لباسهم. وقد شكلت الأنسجة والشاي والسكر والشموع لوحدها نسبة قوية من هذه المواد الجديدة. إذ أصبحت تشكل المواد التي بدأ الطلب يزداد عليها حتى في فترات الخصاصة الملازمة للأزمات الدورية للفلاحة المحلية.
وأثناء فترة أزمة 1878 ـ 1884، كانت قيمة الواردات من الأنسجة (40 إلى 50 % من المجموع العام) قد مرت من حوالي 9 ملايين فرنك إلى 15 مليون. وأما قيمة واردات السكر (أكثر من 20 % من المجموع العام) فقد مرت من 2.9 مليون إلى 3 ملايين فرنك وقفزت إلى 4 ملايين سنة 1883. أما حجم الشاي المستورد، فقد كانت له هو أيضا دلالة خاصة، إذ ارتفع استيراده إلى 275 طن سنة 1884 مقابل 75 طن سنة 1874. ونتيجة للاستعمال الواسع للشموع، فإن الطلب عليها هي أيضا كان قويا، فقد تضاعف استيرادها ست مرات ما بين 1870 و 1890.
إضافة إلى جانب الضغط الكولونيالي، ساهمت عوامل أخرى متعددة في تأزيم العجز التجاري المغربي: التأخر البنيوي للاقتصاد ذي الإرتباط التام بالظروف المناخية والازدياد المطرد للصادرات وتراجع تجارة القوافل التجارية والإختفاء شبه التام لبعض المواد التجارية الآتية من إفريقيا السوداء والتي كانت تمر بالمغرب، وانتشار بعض المصنوعات الأوربية التي كانت تقلد الصناعة التقليدية المغربية وتسوق بالسوق المحلية بأسعار تنافس مثيلتها المحلية. ومن أهم المواد الأساسية المصدرة تظهر الأصواف المنظفة والجلد الخام والجلود المصنوعة والخضراوات واللوز والصمغ والزيوت والتمور والأبقار والسجادات.
إن الدينامية التي تميزت بها هذه المبادلات، وبشكل خاص توزيع المواد المستوردة التي أصبحت تدخل داخل عادة الإستهلاك الجارية، قد ساهمت بشكل حاسم في تطور فئة من التجار كانت تستورد بالجملة أو نصف الجملة سلعا أجنبية وتسيطر على مصير التجار الصغار الذين يسوقونها سواء بالتقسيط أو بالتجول. وباعتمادهم على أساليب المحاسبات والرسائل والأوراق الائتمانية المعروفة بخط اليد، إضافة إلى تعاملهم الحذر مع تقلبات السوق الدولية المتغيرة حسب الظروف السياسية الدولية، كان هؤلاء التجار يقومون بتنمية هامش نفوذهم بالتحكم في تحديد أسعار السكر والشاي والمضاربة في عمليات صرف النقود إضافة إلى التعاطي لكل العمليات التجارية التي لم يستطع لا المحتسب ولا الأمين وبشكل أقل المستهلك أن يسايرها.
2 ـ 2 ـ صعوبات الصناعة التقليدية
لقد شكل الحرفيون أهم الفئات التي كانت تساهم في نمو التجارة البحرية وقد أضحت حرفهم مهددة أمام التطور الحاصل من هذه التحولات. إذ أن التهديد الذي واجههم كان متمثلا في تعدد أشكال الإقصاء الاجتماعي لحرفهم والذي أصبح غير قابل الفصل عن التطور القوي لتجارة الواردات وانتشار أثمنة تنافسية للمواد المصنعة وغيرها التي أصبحت ضرورية للإستهلاك. لقد لوحظ الأمر في العديد من القطاعات التي تضررت من التسرب الاقتصادي الأوربي، كما هو الشأن بالنسبة لحرفة الصفارين والحدادة والخزف. لقد أصبحت في مواجهة انتشار الأشكال المصنوعة من الحديد وكذلك الزجاجيات القادمة من انجلترا وألمانيا وغيرهما، وتضرر أيضا قطاع النسيج من المنافسة نفسها. فالأقمشة المطبوعة والنسيج الشفاف والقطن الخشن، إضافة إلى أقمشة أخرى كانت تباع في السوق المحلية بأثمنة مناسبة وتنافسية (كانت تباع بأسعار تبلغ في المتوسط ما بين 3 و 5 ريالات للمتر الواحد). وكانت هذه الأقمشة الأخاذة تتواجد بجانب شراء آلات الخياطة التي أدخلت ما بين حوالي سنتي 1882 و1884 مما سهل من عمليات الخياطة وطرز أشكال متعددة من الملابس كالقمصان والفساتين.
إن التصنيع المكثف في المصانع الأوربية على أساس تقليد قِطَع جمعت بفاس وغيرها من المدن، أدى إلى تقليد العديد من المواد المستجيبة للذوق المحلي المعتاد ولحاجيات الساكنة المحلية. واعتبر ذلك عاملا إضافيا لتدهور ظروف عمل الحرفيين وفي تسويق منتجاتهم.
وقد أدى تعرض البوادي للتفقير الناتج عن الجفاف ونتيجة للعديد من الصعوبات والمشاكل التي يواجهها ارتفاع أثمنة المواد الأولية (الأصواف والجلود والجلد المدبوغ)، بسبب ازدياد الطلب الخارجي عليها وتدهور النقود وارتفاع المواد نصف المصنعة المستوردة (خيوط الذهب وفضة ليون على سبيل المثال)، إضافة إلى تراجع التجارة الصحراوية وانسداد مسالكها بالجزائر وتونس ومصر الخ، إلى كساد منتوجات الحرف التقليدية بالمغرب.
كما ساهمت عملية إقامة "مكوس الأبواب"، التي تجبى على السلع أثناء دخولها أو خروجها من المدن والموكل صلاحية جبايتها لأمين المستفاد أو بواسطة موظفي الشركات، في تدهور مواد الصناعة التقليدية. وفي ظل هذه الشروط لم يكن ثمة مناص من اندلاع انتفاضة الدباغين في حاضرة فاس سنة 1873.
3 ـ الجماعات اليهودية كمثال للتحولات الحاصلة داخل المجتمع المغربي
3 ـ 1 ـ التحولات الاجتماعية وتطور الذهنيات
إن الشريحة التي تجلت فيها التحولات العامة التي حدثت في المجتمع المغربي ككل تمثل في الأقلية اليهودية، حيث تسجل بشكل مبكر صعود جماعة من التجار. فقد تخلى تدريجيا تجار السلطان عن "النسق القديم" مباشرة بعد سنة 1856. وقد استخلصوا أكبر الأرباح سواء في مراحل التوسع (ازدياد حجم المبيعات المرتبطة بسنوات ذات محصول جيد ) أو مراحل الأزمات (ادخار المواد الغذائية الأساسية وإخضاعها للاحتكار والمضاربة أثناء فترات انتشار الخصاص.
لعبت العناصر اليهودية في قطاع الصناعة التقليدية دورا محوريا، إذ كانوا خاضعين بشكل عام لأنماط وأعراف كان لها تأثير على إنتاج وتسويق المواد التي كان ينتجها زملاؤهم المسلمون. فقد فرض جميع الحرفيين اليهود، أو على الأقل جزء منهم، أنفسهم على الميدان، وبالأخص في مجال الصياغة وصناعة خيوط الذهب والفضة (الصقلي).
أما الفئات الاجتماعية الأخرى، فإنها كانت تعيش من موارد بيوعات متواضعة كانت منحصرة داخل دكاكين صغيرة أو في باحات الطرقات والأسواق أو حتى في المنازل، حيث كانوا يقومونÂ بالتعاطي للحياكة فنجد فئة (الدرازة) والسكافة فنجد (الخرازة) بالإضافة إلى احتراف مهنة الصفاحين فنجد المعلم (القزادري) وصانع قفف الحلج (القراشلي) وبعض صاغة الفضة الصغار (النقرة) الخ. إنها حرف متعبة وذات مدخول قليل، لأنها فصلية وتعطل في الشتاء نتيجة صعوبة المواصلات والضيق الذي كان يعيشه الفلاح أثناء فترة ما بين الحصادين. هذا بالإضافة إلى منافسة المنتوجات المستوردة.
وعانت أغلبية اليهود، كما هو الشأن بالنسبة لعامة الفئات الاجتماعية من ارتفاع أثمنة كراء المحلات التجارية والدور التي كانوا يسكنونها. ودفعت هذه الأسباب العديد منهم إلى البحث عن آفاق في أوراش العمل داخل المستعمرات بأفريقيا السوداء أو الهجرة إلى أمريكا اللاتينية. كما حاولوا أيضا الاستفادة من المساعدات التي كانت تمنح لجماعتهم من طرف الرابطة الإسرائيلية العالمية الموجودة بباريس (الأليانس)، أو الجمعية الإنجليزية اليهودية بلندن.
3 ـ 2 ـ تدخلات الجمعيات اليهودية الأجنبية
ركز مسؤولو الأليانس بباريس مجهوداتهم على التعليم العصري وتلقين اللغات الأجنبية وعلى التكوين المهني (الخياطة والنجارة)، كوسائل للمساهمة في تحسين ظروف عيش إخوانهم في الدين. لقد أقاموا ابتداء من سنة 1862 بتدشين أول مدرسة بتطوان في إطار إقامة شبكة من المدارس انتهت بتغطية مختلف مناطق المغرب. وتمت العملية رغما من ظهور المقاومة القوية التي ووجه بها تأسيس المدارس العصرية من قبل العناصر المعادية للعلمانية ولتوجه فرنسة البرامج ولمسألة غياب دروس العبرية في هذه البرامج وبسبب التخوف من "الانسلاخ عن الهوية اليهودية لدى الشباب". وبعلاقتها القوية باللغات الحية وطريقة تفكيرها وتأثيرها، ساهم حضور الأليانس بالتراب المغربي بشكل قوي في إعادة النظر في الأسس الأيديولوجية والقيم الثقافية للتعايش بين اليهود والمسلمين. فبما أن هذه المؤسسة التي تلقت دعما قويا من قبل الحكومة الفرنسية التي كانت ترى فيها أداة مكملة لوجودها السياسي بالمغرب، لم تكتف بدورها التعليمي والخيري. إذ بدأت تنشغل بالقضايا السياسية، فأخذت تنشر في الصحف الأجنبية قضايا مرتبطة بأدنى الحوادث التي تقع لليهود المغاربة من أجل إثارة الرأي العام الخارجي واستعطاف الجمعيات اليهودية الدولية لتقديم الدعم بواسطة تكثيف تحركاتها لدى الحكومات الأوربية والأمريكية.
3 ـ 3 ـ التعايش بين أعضاء المسلمين واليهود.
لقد كانت الأسباب المباشرة وغير المباشرة لظهور نوع من التباعد المتصاعد بين المسلمين واليهود متنوعة، فهناك التدخلات الأجنبية وتعمق الاختلال السوسيو اقتصادي وتدخل الجمعيات اليهودية الأجنبية وازدياد الطموحات الليبرالية لأقلية من اليهود المتأثرين بأفكار الثورة الفرنسية وجاذبية مرسوم كريميو الصادر سنة 1870 والذي منح يهود الجزائر بموجبه الجنسية الفرنسية.
إن التسمم الذي طال العلاقات بين أعضاء الملتين والمتضافر مع انشقاق الطائفة اليهودية نفسها إلى أقطاب متصارعة وفي الاختلاف البين الملاحظ في طرق تعاملها مع المسلمين وطلبات الأجانب، لم يصل في هذه الفترة إلى درجة الصدام المفتوح ذي الطابع العقيدي و لا الإثني، إذ أنه لم يتجاوز حدود النزاعات الفردية المعزولة.
محمد كنبيب