1 - مسألة التعمير: غموض الأصول
2 - التعددية الإثنية واللغوية والدينية
1 - مسألة التعمير: الأصول
يصعب تحديد بدايات تعمير المغرب ولو بصفة تقريبية. لذا فالعودة إلى البقايا الاركيولوجية التي خلفها سكان المغرب الأولون، أمر ضروري لمحاولة استكشاف بداية تعمير البلاد. فالأحفوريات البشرية المكتشفة بالقرب من سيدي عبد الرحمن (جنوب الدار البيضاء) بينت أن أقدم كائن بشري تم العثور على مخلفاته يعود إلى أكثر من 200 ألف سنة. كما وضحت النقوش الصخرية في الأطلس الكبير والصحراء طبيعة أنشطة السكان في العصرالحجري الحديث، وشهدت على الانتقال إلى عصر البرونز. كما دلت على أن الزراعة مورست في البلاد قبل حلول الفينيقيين على سواحله في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وقد أشارت إلى ذلك كتابات اليونانيين – اللاتنيين .
أما ما يتعلق بالعلاقات بين السكان المحليين مع العالم الخارجي فهيرودوت ( Hérodote ) أشار إلى وجود شعب في مكان خارج أعمدة هرقل. وأبرز الشكل الذي كانت تتم المقايضة به بين سكان المغرب القديم والقرطاجيين .
2 - التعددية الإثنية واللغوية والدينية
يعود تعمير المغرب إلى فترة موغلة في القدم، تميزت على مدى قرون عديدة، باستقرار مجموعات بشرية متنوعة في مختلف جهات البلاد. فكانت بجانب ما عرفه المغرب من هجرات وتنقلات وظهور المدن وإسهامات خارجية، أهم العوامل التي شكلت المورفولوجيا العامة للسكان المغاربة، وجعلت من التنوع أحد مميزاتهم الأساسية.
تميزت الساكنة المغربية بالالتحام بين مكوناتها والاستفادة من الإسهامات الخارجية.ثم عرفت تطورا مهما منذ القرن الثامن الميلادي، تمثل في اعتناقها الإسلام بشكل سريع نسبيا وتعريبها بشكل أكثر بطئا، خاصة في المناطق الجبلية مثل الريف وجبال الأطلس وسهل سوس.
- الرصيد البربري : يعتبر البربر السكان الأوائل للمغرب ويعرفون "بالأمازيغ". ينقسمون إلى ثلاث مجموعات تتوافق مناطق تموضعهم إجمالا مع مجالات جغرافية، عرفت حدودها الحقيقية تقلبات على مدار التاريخ. يتحدث بعضهم تاشلحيت (سوس) وآخرون تمازيغت (الأطلس المتوسط) أو تاريفيت (منطقة الريف). كوَّن بعضهم قبل ظهور الإسلام إمارات خاضعة لتنظيمات سياسية وعسكرية واجتماعية خاصة. وتمكنوا عموما من المحافظة على استقلالهم والدفاع عن أراضيهم أمام الغزاة الأجانب .بل أكثر من ذلك نجحوا في جعل الوجود الروماني يقتصر فقط على منطقة ضيقة بالشمال الغربي للبلاد، فيما كان يعرف بموريطانيا الطنجية. وكان الرومان يحمونها بجهاز دفاعي يسمى الليمس، يفصل بين مناطق الامتداد الروماني والعالم الأمازيغي المستقل عن الهيمنة الرومانية. وكانت شالة أقصى نقطة في جنوب الليمس.
لم يكن الليمس ( limes ) قادرا على ضمان الأمن للوجود الروماني في الشمال الغربي للبلاد، وخاصة أمن المضيق وممتلكاتهم في شبه الجزيرة الإيبيرية. فاضطروا إلى توقيع معاهدات سلام وهدنة مع القبائل. وقد وجدت في وليلي نقيشة تشير إلى معاهدة وقعت مع إحدى القبائل في المغرب القديم.
بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية وتخلي الرومان عن موريطانيا الطنجية في عهد الإمبراطور ديوليكتيان ( 284-305 م) ،ما لبثت المناطق الشمالية أن تعرضت من جديد للاحتلال الوندالي ( 429 م) والبيزنطي ( 534 م). ولم تعد تتعدى مناطق الوجود البيزنطي شريطا ضيقا بين مدينتي طنجة وسبتة.
في هذا الظرف، وصل الفتح الإسلامي للمغرب الأقصى تحت قيادة عقبة بن نافع ( 681-682 ). وخلال زحفه على المغرب الأقصى، انطلاقا من طنجة، دخل في طاعته الأمير الغماري جليان. ثم اتجه نحو وليلي إلى مكان قريب من موقع بناء فاس فيما بعد. ثم انطلق في اتجاه الجنوب نحو درعة حيث دخلت قبائل صنهاجة الإسلام دون حرب. ثم حاصر مدينتي أغمات ونفيس قبل أن يتجه نحو وادي سوس، ثم رجع إلى وادي أم الربيع وتابع طريقه نحو المغرب الأوسط. وتمكن موسى بن نصير ( 705-714 ) من توسيع الفتوحات عبر أقصى سوس وتافيلالت، والمزيد من نشر الإسلام بين القبائل. وفي عهده فتحت الأندلس على يد طارق بن زياد( 710 ).
تعتبر صنهاجة ومصمودة وزناتة أهم المجموعات الأمازيغية بالمغرب، بحكم ما قامت به من أدوار في تاريخ المغرب وتأسيسها لدول تحولت إلى إمبراطوريات واسعة.
- صنهاجة : كانوا يعيشون على الترحال (الصحراء) أو الانتجاع (الأطلس المتوسط) أو نمط الاستقرار (في منطقة الريف). تمكنت إحدى مجموعاتهم (لمتونة) من تأسيس الدولة المرابطية في القرن الحادي عشر بفضل يوسف بن تاشفين مؤسس مدينة مراكش ( 1070 م ). وقد أشار المؤرخ البكري إلى بعض عاداتهم المتمثلة في استعمال اللثام وأسلوبهم في التغذية( اللحم المجفف واستهلاك الحليب)، بجانب الاعتماد على الإبل في التنقل.
- مصمودة : كانوا مستقرين في البداية بالأطلس الصغير. نجحوا بدورهم كذلك بفضل محمد بن تومرت- مؤسس حركة سياسية ودينية وعسكرية (توفي 1130 م) - في تكوين دولة الموحدين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر وتحويلها إلى إمبراطورية واسعة.
- زناتة : كانوا رعاة ماشية ورحل في السهول العليا وهضاب المغرب الشرقي، وكانوا مشهورين بفروسيتهم. اندفعوا بدورهم للاستيلاء على السلطة. فتمكنوا من تأسيس دولة المرينيين بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. وهم الذين شيدوا مدينة فاس الجديدة ( 1276 ) واعتبروها عاصمة لهم.
- العرب : سبق دخول الاسلام منذ القرن السابع الميلادي ومشاركة المغاربة في غزو شبه الجزيرة الإيبيرية في ( 711 م ) ،تعريب المغاربة: فالسكان العرب لم يستقروا بالمغرب بأعداد مهمة إلا منذ سنة 1187 م، بعد الترحيل الإجباري الذي قام به الموحدون للقبائل الهلالية من إفريقية (تونس الحالية)، التي استقرت بالخصوص في السهول الأطلنتية ومنطقة الغرب. تلاهم قدوم مجموعات عربية أخرى- فيما بعد - كقبائل بني معقل، التي حلت من الشرق العربي نحو المناطق الجنوبية للمغرب.
- الأندلسيون : قدِموا من الأندلس بعد سقوط غرناطة ( 1492 )، والتجأوا في أغلبهم إلى المغرب، حيث استقروا بالخصوص بمدينة فاس. واشتهرت من بينهم أسرة الحسن الوزان المعروف بليون الإفريقي.
- الموريسكيون : هم من مسلمي الأندلس، كانوا قد قبلوا بعد سنة 1492 - بهدف الاستمرار في العيش بالأندلس - ارتدادا مقنعا عن الإسلام واعتناقا غير حقيقي للمسيحية. لكن نتيجة صدور قرار طردهم في سنة 1609 بسبب اكتشاف اعتناقهم السري للإسلام والخطر الذي كانوا يشكلونه في نظر المسيحيين الإسبان في حالة قيام حرب مع المغرب أو الإمبراطورية العثمانية، اضطروا إلى الهجرة بالخصوص نحو تطوان والرباط وسلا.
- البلديون : تعود أصولهم إلى يهود فاس الذين اعتنقوا الإسلام. فمن بينهم انبثق قسم هام من النخبة التجارية الفاسية التي تعاطت للتجارة البعيدة المدى. وكذلك بعض العلماء الكبار الذين ساهموا في إشعاع جامعة القرويين من أمثال عبد السلام جسوس وأحمد ميارة.
- السود : ارتبط استقرارهم التدريجي بالمغرب بقدم العلاقات التي كانت تربط البلاد مع إفريقيا ما وراء الصحراء، وتسلل سكان "السودان" (حاليا مالي وغينيا) نحو توات وواحات أخرى بالجنوب وتافيلالت ووادي درعة ووادي سوس. تزايد حضورهم في عهد السعديين (حملات السلطان أحمد المنصور الذهبي، توفي سنة 1603 )، وظهرت من بينهم فئة الحراطين. برز دورهم خلال عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل الذي حاول أن يجعلهم المكون الأساسي للجيش والقوة الضاربة لدولته المركزية القوية.
- اليهود التوشابيم : (Les Toshavim) يعتبرون أنفسهم من السكان المحليين (البلديين).هم أحفاد يهود الشتات بعد قيام الإمبراطور تيتوس( Tutus ) بهدم هيكل سليمان في القدس سنة 70 م. لكن هناك عدة افتراضات تشير إلى أن حلول اليهود بالمغرب يعود إلى تاريخ أقدم، هو القرن الخامس قبل الميلاد.
- الميغوراشيم : (Les Meghorashim) هم الذين طردهم الملوك الكاتوليكيون من شبه الجزيرة الايبيرية بعد سنة 1492 . استقروا في عدة مدن (مثل فاس ومكناس ومراكش) وبَوادي (وادي تودغة).
- المرانيون : ( ( Les Marranes : أعدادهم أقل بكثير من الميغوراشيم، قدموا بدورهم من إسبانيا والبرتغال. كان مصيرهم حسب بعض التقديرات مشابها لحالة الموريسكيين: فهم من اليهود الذين قبلوا اعتناقا سطحيا للمسيحية للحفاظ على ديانة أجدادهم. لكن خوفا من محاكم التفتيش اضطر بعضهم إلى الفرار من أجل ممارسة الديانة اليهودية بكل حرية.
فمن وجهة النظر الشرعية ورغم الغموض الذي يلف أصولهم، كان اليهود كلهم خاضعين لقانون الذمة المعترف به لأهل الكتاب في دار الإسلام، الذي يضمن لهم حرية ممارسة شعارئهم واستقلالية محاكمهم الدينية، مقابل تأدية ضريبة الجزية.
- العلوج : هم من أصول المسيحيين الذين أسرهم قراصنة البحر في تطوان وسلا والذين اعتنقوا الاسلام. وتنطبق نفس الحالة على الهاربين من الثكنات العسكرية الإسبانية في سبتة ومليلية ومن جيش إفريقيا واللفيف الأجنبي المستقر بالجزائر.
محمد كنبيب