ومنذ ذلك التاريخ انطلق المغاربة في تنافس غير مسبوق من أجل بناء المدارس والمراكز العلمية إلى جانب ما أقاموه من بيوت العبادة والذكر، وانفقوا عليها بسخاء من صميم أموالهم يوفرون لها بانتظام المؤونة الكافية عن كل واحد ويهيؤون بيوتا لإيواء الطلبة يجعل فيها كل منهم ما يكون معه من المتاع والكتب في أمن تام، وبذلك أصبحت إقامة هذه المدارس وعمارتها بطلبة المعارف ميدان فخر واعتزاز.
وهكذا بدأت هذه المدراس تنتشر في مختلف المناطق، وبانتشارها حافظ المغرب على إجادة حفظ كتاب الله العزيز بمختلف الروايات واستحضار الأحكام الشرعية عبادة ومعاملة حتى أصبح العالم والفقيه عبارة عن مكتبة متنقلة يفقه الناس في أمور الدين.
فتضاعف الإقبال وازدهرت العلوم والمعارف العربية والإسلامية في كل من تافيلالت وسوس التي كانت دائما في مقدمة أطراف المغرب تصلها شعلة من الأضواء المرسلة من الخليفة عمر بن عبد العزيز لبث الدين في افريقية سنة 100هـ كما ازدهرت العلوم أيضا بالريف وجبالة، وفي سبتة التي كانت تضاهي فاس والأطلس الكبير، وفي تادلة والعدوتين وأمثالها من المناطق التي كانت مقياس الشعور بالحضارة في المغرب.
فتخرج منها علماء أفذاذ ومفكرون أعلام كانوا ولا يزالون مفخرة الأمة الإسلامية، وأثروا بعبقريتهم رصيد الإنسانية الفكري والحضاري أمثال: القاضي عياض السبتي، وابن غازي المكناسي وابن مرزوق التلمساني والشيخ أحمد زروق وأبو موسى الجزولي، وأبو يحيى الكرسيفي وابن سليمان الروداني وسواهم ممن لا يحيط بهم الإحصاء.
وامتد هذا العطاء الشخصي على مسار ثلاثة عشر قرنا من الزمن كانت حصيلة تلك الثروة الفذة من المخطوطات التي تزخر بها خزاناتها الخاصة والعامة.
وحين ولى صدر القرن 13 هـ دب الفتور إلى هذه المدارس فتضاءل عددها وضعفت الهمم من جراء الاحتلال الأجنبي فلم يكد يحل العام الهجري 1345هـ موافق 1925م حتى قلت المدارس وتأثرت مجالس الدراسة بأطوار الحياة أيما تأثر، وكاد دور هذه المدارس التي كانت في مجملها روافد للمعاهد والكليات أن يندثر بفعل الاستعمار الذي كان من جملة أغراضه القضاء على كل مظهر من مظاهر الحضارة الإسلامية والحركة الفكرية.
الغايات والأهداف من إحياء وإحداث هذه المراكز
تبرز الغاية من مشروعية إحياء هذه المراكز في تحفيظ كتاب الله العزيز وفي تنشئة طلبة العلم وتفقيههم في أمور دينهم وتبصيرهم بالأحكام الشرعية على نحو يتمكن فيه الطالب من الإلمام التام بالعلوم العربية والفقهية باعتبارها إحدى دعائم المعرفة لما تشتمل عليه من معلومات وفوائد دينية قيمة.
ولذلك فإن هذه الوزارة تسهر على أن يحيط كل طالب من طلبة هذه المدارس بعلوم ومعارف عصره في مختلف أبواب العبادات والمعاملات على مقتضى مذهب مالك إمام دار الهجرة، حفاظا على كل ما من شأنه تزويد البلد بأجيال تتوفر على حسن الفهم لمبادئ الدين وتوظيفها في بناء الوطن وازدهاره وحماية الهوية الإسلامية من التيارات المعادية وكذلك حفاظا على ما من شأنه تلبية حاجيات البلاد في ميدان القيمين الدينيين والوعاظ والمرشدين والخطباء والمدرسين.
وقد عملت الوزارة بالإضافة إلى إحياء هذه المدارس على فتح وإحداث مراكز جديدة، وقامت بتنظيم مناهجها وبرامجها وتزويدها بمختلف الأدوات والوسائل اللازمة لأداء دورها التربوي والتثقيفي على أحسن وجه، فصرفت لأستاذتها مكافآت ولطلابها منحا دراسية، لتمكينهم من التفرغ لتعليم الناشئة في الحواضر والبوادي مختلف العلوم لكونها جزءا أساسيا من تراثنا الثقافي الإسلامي معتمدة في ذلك على برامج ومقررات دراسية تشرف على إعدادها الوزارة بنفسها انطلاقا من قيم الإسلام التربوية الأصيلة.
اقرأ ايضا:
دور المدارس القرآنية في التربية
التربية والتعليم في المدارس العتيقة والمعاهد الدينيةÂ والكتاتيب القرآنية
التعليم العتيق في سوس ودوره في نشر العلم والدين والتزامه ببيعة أمراء المؤمنين
المدارس العلمية العتيقة في اشتوكة أيت باها: بين إشعاع الأمس وتحدي الغد
من مآثرنا التاريخية تاريخ المدرسة المرينية بطالعة سلاÂ
مدرسة سيد الزوين