ظلت الكتاتيب القرآنية تشكل الحصانة الروحية والدعامة الأساسية للحفاظ على الهوية المغربية وثوابتها الدينية حيث لازال هذا الموروث القرآني يؤدي دوره الريادي في تحفيظ وتلقين كتاب الله العزيز للناشئة وفق المنهج العملي الذي تميز به المغاربة منذ القدم في تحفيظ القرآن الكريم وروايته وضبطه ورسمه.
فعملا بحديث رسول الله (ص) "" خيركم من تعلم القرآن وعلمه"", اعتنى المغاربة منذ القدم بالقرآن الكريم, حفظا وترتيلا وتفسيرا وتجويدا. فأنشئت مدارس لهذا الغرض منذ السنوات الأولى للفتح الإسلامي, حيث اعتبر المؤرخون بعض المدارس القرآنية بمنطقة سوس من أقدم المدارس القرآنية في العالم الإسلامي.
كما حظي أهل القرآن بالمكانة المرموقة لدى كل السلاطين المغاربة, الذين حرصوا قديما وحديثا, على افتتاح مجالسهم بالقرآن الكريم, وعلى تشجيع القراءة بالمساجد حتى أصبحت قراءة الحزب الراتب صباحا ومساء, سنة تجذرت في عمق الشخصية المغربية.
وقد أنتجت هذه العناية شخصيات مغربية خلدت أسماؤها في سجل المهتمين بالقرآن الكريم وعلومه ورسمه, من أمثال الإمام الهبطي والفقيه الخراز , كما برز قراء مغاربة منذ القديم وإلى اليوم, يتوجون في أكثر من مسابقة دولية في حفظ وترتيل وتجويد القرآن الكريم.
واستمرت العناية بالقرآن الكريم وكتاتيبه في عهد الدولة المغربية الحديثة, فأحدثت جائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية للتأكيد على قيمتها الحضارية التي لها أثر في التاريخ والثقافة المغربية, ولها صدى عميق في ذاكرة الشعب المغربي المسلم.
وأحدثت أيضا جائزة محمد السادس الوطنية في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده, التي تقام بمناسبة شهر رمضان المبارك لتشجيع المغاربة على التمسك بكتاب الله وكذلك جائزة محمد السادس الدولية في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده, لمد جسور التواصل مع قراء العالم الإسلامي, ويسلم جوائزها أمير المؤمنين في الحفل الديني الذي يقام في ذكرى ميلاد خير البرية.
وزيادة في الحرص على العناية بالقرآن الكريم, تم التأكيد على الاهتمام به في النصوص القانونية المنظمة لأنشطة المجالس العلمية المحلية, فأنشأ كل مجلس حلقات للتحفيظ وأمسيات قرآنية ومسابقات تضم الذكور والإناث على السواء .
ومن ذلك أيضا ما حرصت عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من إدراج حصص تحفيظ القرآن الكريم والتوعية الدينية ضمن مناهج إعادة تأهيل نزلاء المؤسسات السجنية بالمملكة .
وخدمة لكتاب الله عز وجل, وتعميما لروحه, تم توظيف الجانب الإعلامي لذلك, فأنشئت إذاعة محمد السادس للقرآن الكريم منذ رمضان1425 هـ وكذلك قناة محمد السادس للقرآن الكريم "" السادسة "" في رمضان1426 والتي تبث على الأقمار الاصطناعية إضافة إلى البث الأرضي حيث تنقل صلاة التراويح طيلة شهر رمضان وتقدم برامج قرآنية بمختلف اللغات واللهجات, تعنى بالتفسير وتعليم التجويد والقراءات, إضافة إلى مواد إعلامية توجيهية تمس الجوانب الروحية والاجتماعية .
ومن مظاهر الاهتمام بالقرآن الكريم تنظيم ليلة القرآن كل شهر رمضان, يتم من خلالها تكريم بعض الشخصيات التي عرفت بخدمة كتاب الله عز وجل , وتعرض فيها ربورتاجات خاصة عن علاقة المغاربة بالقرآن الكريم حيث تم هذه السنة عرض شريط "" مصحف من نسخ سلطان"" والذي عرف بالمصحف المخطوط بيد السلطان أبي حسن المريني .
ولم تقف خدمة المصحف الشريف عند هذا الحد, بل تمت العناية أيضا بطبعه ونشره, ومن ذلك ما كان من مجهودات سابقة على رأسها المصحف الحسني بأحجامه المختلفة .
وفي هذا الاتجاه تم تأسيس مؤسسة محمد السادس لطبع المصحف الشريف ونشره وتوزيعه والتي تشرف على طبع ما يناهز مليون نسخة سنويا .