ليس من المستغرب أن يتخلق الفقهاء من أتباع مالك بخلق إمامهم الذي لم يكن يقبل إلا على ما هو نافع من العلم، مع شدة الشفقة على عامة الناس من الفتنة بالجدال. ففقهاء العهد المرابطي لم يكونوا قاصرين في الجدال المتعلق بالتوحيد والأصول، حتى يقال إن ابن تومرت أفحمهم في مناظرته بمراكش، فقد دخلت علوم الاعتقاد إلى المغرب مع الحضرمي المعروف بالمرادي الذي توفي قاضيا في أطار بشنقيط، وعنه أخذ الكلبي الضرير، المتوفى بمراكش عام 520 هـ، أي قبل وفاة ابن تومرت بأربع سنوات، أما اعتقادات ابن تومرت في رسائله، فهي مزيج من الأشعرية وغيرها، وهو على الخصوص ليس أشعريا خالصا بالنسبة لأخطر قضية عقدية سياسية، وهي قضية مرتكب الكبيرة، حيث يقول بتكفيره في بعض الحالات، وليس الأمر مستغربا، لأن ابن تومرت كان صاحب مشروع سياسي، وحجر العثرة أمام مشروعه هم الفقهاء المالكية الذين لا تقول عقيدتهم بالثورة على المتولي. وقد استعمل ابن تومرت كتاب الموطأ، لا للدعوة إلى المذهب، بل ليحرض العامة ضد شروح الفقهاء في الدين، وهذه وسيلة ما تزال ترى مستعملة من قبل تيارات تتشوف إلى السلطة من خلال إغراء عامة الناس بالقفز إلى الأصول. ومن علماء الاعتقاد أيضا عثمان السلالجي الذي مات بمراكش عام 564 هـ، ويقال إن كتابه البرهانية في هذا الفن قد ألفه لإحدى تلميذاته بفاس، وكان فيه أشعريا خالصا بعدم تكفير مرتكب الكبيرة.
ومع عودة السلطة للمذهب وفقهائه في العهد المريني، عاد التوحيد يدرس للعامة على الأساس الأشعري، وتوالى حضور النظار العارفين بقضايا أصول الدين مع توالي العصور، إلى أن جاء ابن عاشر في نهاية القرن التاسع، وقال في بداية منظومته الشهيرة: وبعد فالعون من الله المجيد في نظم أبيات للأمي تفيد
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
فقد تحدث عن الثوابت كمنظومة مترابطة، ولم يذكر الإمامة العظمى، لأن نظمه وضع للمبتدئين، ومبحث الإمامة اختصت به كتب أصول الدين الموضوعة للمتقدمين.