واستشرف الناس عدياً؛ سروراً بمقدمه، لما وقر في نفوسهم من ذكر النبي له بما ينبئ عن رفعة قدره عنده، ولما يرجو أن يكون قوة دفع للإسلام والمسلمين، وقد جاء مقدمه دون كتاب سبق، وبغير إذن طُلب، وربما - لحديث أخته معه عما شهدت، وعما توقعت له، وعما دعته إليه – كان واثقاً أن سيكون موضع تكريم الرسول ، وموئل حفاوة صحابته.
وصدق حدْسه؛ فها هم الصحابة يعبِّرون عن فرط غبطتهم بمقدمه، حين فوجئوا به، فتهادَوْا إليه وهم يردَّدون: عدي بن حاتم! عدي بن حاتم! عدي بن حاتم!
ويبدو أن الصحابة الذين صادف وجودهم مجيئه تحلقوا حوله؛ سروراً به، وهم يدْلفون به إلى النبي ويسجل عدي هذا المشهد التاريخي فيقول: "فلما دُفعت إليه أخذ بيدي وعلمت أنه قال قبل ذلك: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي". أي لصالح الإسلام والمسلمين.
ثم صارحه بما سبق أن قاله لأخته: يا عديّ بن حاتم! أنت الهارب من الله ورسوله؟! والحوار هنا مع عدي يبدأ بهذا الاستفهام الإنكاري التعجبي؛ لا تشنيعاً به، ولا إزراء عليه، وإنما ليستحفزه إلى السلوك الأليق به. فقد كان توصيفاً نبوياً موحياً؛ يتغيَّا في الوقت ذاته أن يبصُر عدي بما ينبغي من مثله أن يكون: أي كيف وأنت الملتزم بالتدين كما يبدو لك ولعارفيك؟ كيف تهرب من الله ورسوله؟ وأنت الحريص على أن يكون هروبك أو فرارك إلى الله لا منه؟!
ولم ينتظر الرسول جواباً، ففي الحوار ليس بلازم أن يتلقى المحاور لكل سؤال يطرحه جواباً؛ لقد كان سؤاله هنا ليستجمع عدي فكره، وليتهيأ للاستجابة لما سوف يطلبه الرسول منه، أو لقبول ما سيعرضه عليه.
ولهذا تجاوز جواب السؤال؛ ليطلب إلى عديّ أن يدخل الإسلام ليسلم من مخاطر الدنيا، وبوائق الآخرة، حيث قال له في موعظة بليغة: "أسلم تسلم"، وأجاب عدي: إن لي ديناً.
وأعاد قوله: أسلم تسلم حتى بَّلغها ثلاثاً، وردَّد عدي جوابه ذاك مؤكداً له ثلاثاً أيضاً، وإذا به يفاجئه بما لم يكن يتوقع: "أنا أعلم بدينك منك".
ويجيب عدي: أنت أعلم بديني مني؟! كيف؟! واستثمر هذا التوجه من عدي:
ففاجأه بالدليل: ألست ترأس قومك؟ قال عدي: بلى. قال: ألست رَكُوسًّيا؟ قال: بلى: (والركوسية: قوم لهم دين بين النصارى والصابئين، وقيل هو نعت للنصارى).
ثم أفصح عن قاصمة الظهر؛ حيث قال: ألست تأكل المرباع؟ والمرباع هو أخذ ربع الغنائم عنوة، وبدأ عديّ يرتاع! بيد أنه قال: بلى. وأراد أن يوافيه بالدليل أنه أعلم بدينه منه فقال: فإنه لا يحل لك في دينك؟! يقول: عدي: فلما كاشفني بها تزلزلت نفسي وتواضعت مني، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت؛ والتمست المخرج من هذا المضيق، وغشاني من الحيرة ما غشي؛ حتى ما أكاد أفيق!؟
وأثقل ما يكون على النفس أن يبصَّر المرءَ بخطئه الديني: من ليس على دينه؟!
ويستطرد عدي:
وكأنما قرأ هذا وذاك فيما ظهر على وجهي، وما أنبأَت عنه حيرتي، فأهمه أن يخرج بي من ثبَج الشك، إلى ثلَج اليقين؛ فقال لي: إنّي قد أرى مما يمنعك (من الدخول في الإسلام) خصاصة تراها بمن حولي، وأن الناس علينا إِلْبٌ واحد هل تعلم مكان الحيرة؟ قال عدي: قد سمعت بها ولم آتها. فقال : لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار (حماية) حتى تطوف بالبيت الحرام (آمنة مطمئنة) هذا من ناحية الأمن، أما من ناحية الرخاء فلتوشكنّ كنوز كسرى بن هرمز أن تفتح؟!
قال عدي – مستغرباً – كسرى بنُ هرمز؟! ثلاثاً وقال : كسرى بنُ هرمز... ثلاثاً أيضاً. ثم توج عليه السلام هذا وذاك بقوله: وليوشكن أن يبتغى المتصدق من يقبل منه ماله صدقة فلا يجد- وذلك حين يستغنى الناس.
يقول عدي: بعد ما أسلم وحسُن إسلامه: فلقد رأيت اثنتين: قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار ولا حماية حتى تطوف بالكعبة.
وكنت في الخيل التي أغارت على كسرى بن هرمز بالمدائن.
وأيم الله لتكونن الثالثة؟! إنه لحديث رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
***
ولقد كان من حواره صلى الله عليه وسلم مع عدي كذلك أنه قال له: "يا عدي بن حاتم! ما يُفرُّك أن تقول لا إله إلا الله؟ فهل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا، ثم تكلم ساعة، أي وتركني أفكر فيما سأل، وفيما أجبت به ثم قال: "إنما تفر أن تقول: الله أكبر فهل تعلم أن شيئاً أكبرُ من الله؟ قال قلت: لا ثم أفهمني أن الناس ثلاثة: قسم عرف الحق فاتبعه واهتدى إلى الصراط المستقيم فأسلم وجهه لله فرضى الله عنه، وقسم عرف الحق فاستكبر أن يتبعه فغضب الله عليه، وقسم ثالث لم يعرف الحق ولم يبحث عنه؛ فذلك هو الضال المضل، عندئذ قال عدي: فقلت إني جئت مسلماً؟ فرأيت وجهه تبسط فرحاً، ثم أمر بي، فأنزلت عند رجل من الأنصار، لكني كنت أغشى النبي طرفي النهار وزلفاً من الليل؛ لأتعلم الإسلام، وأتعرف السنة، أي نظرياً وتطبيقياً.
***
هذا وقد خطر لعدي بعد ما ذاق حلاوة الإيمان وعرف أنه من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما– خطر له أن يطمئن على والده الذي كان بعيد المدى، في الجود والندى، فحاور النبي في أدب جمّ، واحتشام بالغ وهو يقول: يا رسول الله! إن أبي كان يصل الرحم، ويقرى الضيف، ويفعل كذا وكذا... ثم لم يجرؤ أن يقول مثلاً فهل سيدخل الجنة؟ وإنما اكتفى بهذا الذي قاله، وأشار إليه، ومع أن السؤال كان مفاجئاً إلا أن النبي أجابه بحكمة بالغة: "إن أباك أراد أمراً فأدركه" أي أراد الذكر والشهرة فأدرك ما أراد، فلم يَعْدُ حقيقة، ولم يجرح شعوراً.
***
والرائع في هذا الحوار أن عدياً لم يعلق؛ وأنَّى له؟!
كما أنه لم يرجئ ما اعتزم أن يسأل النبي عنه، فعقب هذا قال عدي: قلت: إني أسألك عن طعام لا أدعه إلا تحرجاً() أي تجنباً للحرج؛ لأني كنت أشتهيه قبل أن أسلم، وأراد أن يبين له يسر الإسلام وسماحته، فقال: لا تدع شيئاً من طعام شابهت فيه النصارى، أي لأن ذلك يدخل فيما يشير إليه قوله تعالى﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (المائدة: ٥)