Passer au contenu principal
مواقيت الصلاة
  • Fajr--:--
  • Chourouq--:--
  • Dohr--:--
  • Asr--:--
  • Maghrib--:--
  • Ichaa--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

تزكية النفس بالبذل والإنفاق

Soumis par admin le
Date de publication
Catégorie

فكما أن الزكاة تطهير للنفس من البخل والشح فهي تزكية لها بالإنفاق والبذل، ولقد دعا القرآن الكريم في آيات شتى إلى الإنفاق، قال سبحانه وتعالى: «وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه»(17)، فالمال مال الله، وإنفاق الإنسان منه الذي استخلفه من جهة، وبآصرة الإنسانية من جهة أخرى، فوق ما فيه من تحرر شعوري من ربقة الحرص والشح. وهو في الوقت ذاته ضمانات اجتماعية لتكافل الأمة كلها وتعاونها، وبهذا تكون الزكاة ذات دلالات شتى في عالم الضمير وعالم الواقع، وهذا يقرر «أن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وأن الزائفة هي في الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق. فما المرء إلا ثمرة تنضج بموادها حتى إذ نضجت واحلولت كان مظهر كمالها ومنفعتها في الوجود أن تهب حلاوتها لغيرها، فإذا هي أمسكت الحلاوة على نفسها لم يكن إلا هذه الحلاوة بعينها سبب في عفنها وفسادها من بعد.

المال مثل الحصى في يدنا

                     فليس ينفع إلا حين ينتقل

في عالمنا المادي يسير كل أمر بالسرعة والفاعلية التي تتيحها الوسائل المادية، فالاقتصاد يعني تجميع المال، والناس فريقان: فريق يجمعه بالشح المضاعف، شح انتظار الفائدة، وفريق يجمعه بالغصب والاحتيال، وفي الطريق الإسلامي يكون برهان الصدق وعلامة الإيمان البذل، قال عليه السلام: «الصدقة برهان»(18)، ونهوض الإسلام إلى أن يبلغ غايته في حمل الرسالة يريد تربية النفوس على البذل والعطاء حتى تتخلق بأخلاق الله، فكلما اعتاد الإنسان البذل والعطاء ارتقى من حضيض الشح الإنساني إلى أفق الكمال الرباني، فإن من صفات الحق سبحانه إفاضة الخير والرحمة على عباده دون نفع يعود عليه. والسعي في تحصيل هذه الصفات بقدر الطاقة البشرية تخلق بأخلاق الله(19)، قال الإمام الرازي: إن النفس الناطقة يعني تلك التي صار بها الإنسان إنسانا، لها قوتان، نظرية، وعملية، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنا إلى الخلق، ساعيا في إيصال الخيرات إليهم رافعا للآفات عنهم، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم:

 «لا تختلقوا بأخلاق الله»(20)، وهو تخلق أيضا بأخلاق النبي عليه السلام قال صلى الله عليه وسلم: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم»(21).


وفي البذل وإيتاء الزكاة شكر لنعمة الله عز وجل، يقول الكساني «ودفع جزء من المال إلى الفقير من باب شكر النعمة، وإقدار العاجز، وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس من الشح ومن الذنوب، وتزكيتها بالبذل والإنفاق، وكل ذلك لازم عقلا وشرعا».(22) ويقول الغزالي: «إن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله، فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال، وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق، وأحوج إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه»(23) قال عليه السلام: «الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر»(24)، والزكاة بكونها شكرا لنعمة الله كانت نصف الإيمان.

وإيتاء الزكاة فوق أنها شكر لله هي ابتلاء أيضا، قال تعالى: «وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون وكان ربك بصيرا»(25)، أي أتصبرون على شهود الحقيقة التي هي لب الثروة والبهجة، أو تجاذبكم سطحية النظر، وحسية الذوق، وخضوع إلى أنانية البشر، فلا يذكر الغني إلا امتيازه على سواء، ولا يذكر الفقير إلا لوعة الحسد في تمني القائلين: (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون)(26) ، ولهذا كان من صفات المؤمنين أنهم ينفقون ابتغاء وجه الله «وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله»(27).


إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله خالصا مجردا، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته، ويطمئن لبركة الله في ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه جزاء الإحسان لعباده، ويرتفع ويتطهر ويزكى بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل»(28)


والمراد بالإنفاق أن يبذل المرء ضمن حدود وسائله الاقتصادية لا أن تبذر أمواله ليصبح عالة على غيره، ولهذا كانت الزكاة هي أخذ قسط من المال للفقير على وجه لا يصير به الغني فقيرا، قال تعالى: «يسألونك ماذا ينفقون قل العفو»(29)، أي ما زاد عن الحاجات الأصلية. ولعمري أن من ضحى في سبيل الفقراء بدريهمات كفيل بأن يضحي في سبيل أمته بنفسه في وقت تئن فيه الأمة تحت وطأة الفقر وشدة أضراره. يقول مصطفى صادق الرافعي مخاطبا المسلمين: «لقد كان أسلافكم أيها المسلمون يفتحون الممالك فافتحوا أنتم أيديكم، كانوا يرمون بأنفسهم في سبيل الله، فارموا أنتم في سبيل الحق بالدنانير والدراهيم، ولنعلم جميعا أن كل قرش يبذله المسلم لأخيه المسلم يتكلم يوم الحساب، يقول أنا إيمان فلان»(30)

 

Assistant numérique Ministère des Habous et des Affaires Islamiques