Date de publication
Catégorie

لقد أكرم الله المغرب عبر تاريخه الإسلامي وإلى يومنا هذا، بحضور متميز لمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) حضور شرعي وسياسي وروحي وعاطفي وعلمي وخلقي وجمالي، حضور لا تحصى تجلياته، نذكر من هذه التجليات بعضا مما يتصل بالحرية والتحرر:
- أولا: التحرر من عسف ولاة الخلافة المشرقية واستبدادهم، لأن الدين في الإسلام لا يمكن أن يكون مبررا للظلم والاستبداد، تحرر المغاربة لما استقبل عن طواعية ورضا إدريس بن عبد الله حفيد النبي، لتبدأ به دولتهم المستقلة على أيدي الشرفاء من عِترة المصطفى؛
- ثانيا: التحرر منذ ذلك الوقت بمحبة التشرع من محبة التشيع؛
- ثالثا: التحرر من الانفصال الواقع عند غيرهم بين الشريعة والحقيقة، عندما كتب القاضي عياض وهو الفقيه الكبير كتابه في الشمائل "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى"؛
- رابعا: التحرر من التدين المتزمت في بعض صيغه الحضرية، لما انتشر التصوف في صفوف البسطاء الفطريين من أهل البوادي انتشارا واسعا مليئا بمشاعر المحبة الفياضة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتداء من القرن الخامس الهجري؛
- خامسا: التحرر بإغناء النسب القبلي بالنسب الروحي، عندما صار كبار المبجلين المعترف لهم بالصلاح، يُلحقون بالنسب النبوي، من أمثال الأمغاريين أهل رباط تيط، وأبي شعيب السارية صاحب أزمور، وأبي يعزى، وكل من أضيف إليهم لقب "مولاي" المختص في المغرب بالشرفاء ، وهم في الحقيقة من أقحاح الأمازيغ، وهذا الإلحاق إلحاق بالنسب الروحي على مثال قوله صلى عليه وسلم " سلمان (الفارسي) أنت منا أهل البيت: وحتى الشيخ عبد السلام بن مشيش الذي يُذكر له نسب مرفوع، نجده يقول في صلاته الشهيرة: "اللهم ألحقني بنسبه"؛
- سادسا: التحرر من أوحال التوحيد، كما طلب الشيخ المذكور في صلاته، وقد قضى الله بالاستجابة لدعوته في التحقق بالمقام المحمدي في السلوك، استجابة ظهرت في ما تميز به المنبع الشاذلي المنطلق من المغرب من المراعاة التامة للشريعة المحمدية، وبذلك تميز تصوف المغاربة بسمات التحقق والوجدانية وخدمة الناس، سليما في معظمه من الشطح ومن غلو التعبير في الإشراقية المشرقية؛
- سابعا: التحرر من عُقدة المغزو، ذلك ما تدل عليه القصة التي تذكر، ابتداء من القرن السابع الهجري، أن جماعة من أمازيغ قبيلة من كبريات قبائل المغرب وهي قبيلة ركراكة، لم ينتظروا الغزو والفتوح، وإنما سمعوا ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فسافروا للقائه، وقالوا إنه صلى الله عليه وسلم لقي هؤلاء المغاربة الأمازيغ، ورحب بهم وكلمهم بلغتهم وأسلموا على يديه، وعادوا بكتاب من عنده؛ بقطع النظر عمن رجح الوقوع الفعلي للحادثة أو من قال إنها مجرد تعبير عن استبطان لإرادة تحرر نفسي متأخر، فإن القصة تريد أن تقول إن المغاربة لا دالة لأحد عليهم في إسلامهم إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛
- ثامنا: التحرر من المشروع الاستعماري التنصيري الأول الذي أعده الإيبيريون للمغرب عند خروجهم لغزو العالم، وكان المغرب حينذاك في ضعف سياسي، ولكن صوفية المغرب عبأوا الناس وحققوا التحرير لعدد كبير من المدن في الشواطئ، كان شعار التعبئة لهذا التحرير ووقودها العاطفي هو كتاب الإمام الجزولي دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في الصلاة على النبي المختار؛
- تاسعا: التحرر من سياسة الباب السياسي المسدود، عندما تعذر الاستمرار في تناوب القبائل الأمازيغية على الحكم على غرار ما جرى عليه الأمر لمدة سبعة قرون (عهود المغراويين والزيريين والصنهاجيين والمصامدة والزناتيين والوطاسيين)، لاسيما وقد أصبح للقبائل العربية حضور بشري وسياسي وعسكري قوي، تحقق هذا التحرر عندما أدت محبة الرسول بالأمازيغ إلى إسلام القيادة السياسية والإمامة الدينية للأشراف من نسب النبي ليتولوا حكم المغرب والتحكيم بين مكوناته الاجتماعية (في العهدين السعدي والعلوي)، الأمر الذي دام خمسة قرون وإلى حد هذه الساعة؛
- عاشرا: التحرر بالوجدان من إكراه المسافات المكانية، وأوضح مثال على ذلك تأليف الشيخ المعطى بن الصالح الشرقاوي الذي عنوانه "ذخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج"، وهو أوسع كتاب ألفه المسلمون في الصلاة على النبي وفي ذكر شمائله صلى الله عليه وسلم، في ستين جزءا، مع أن الرجل لم يسبق له أن قام بالرحلة إلى الحجاز؛
- حادي عشر: التحرر، عموما، من جذبة الرواحين ومس الشياطين بأحوال محمدية نورانية منضبطة، قلما يخلع فيها العذار، وذلك عبر وجد يعيشه الذاكرون من الرجال والنساء، بقطع النظر عن انتماءاتهم الاجتماعية؛
- ثاني عشر: التحرر من غوائل التجسيم بصرامة الترسيم، ولاسيما من خلال التفنن في الخط عند كتابة نصوص الصلوات والمدائح، وقد سبق للوزارة إخراج نموذج من هذه النصوص المديحية المتفنن في تخطيطها، وذلك على الأصل المحفوظ في خزانة جامع ابن يوسف في مراكش، وفي ثنايا هذه النصوص المديحية نجد بعض الرسوم، ولاسيما رسوم النعال النبوية؛
- ثالث عشر: التحرر من أسى الغمة وتقلب الأحوال بالتأسي بالاحتفال، الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من تجليات الاستحضار والحضور، ونرى أن هذا التأسي شاع على الخصوص مقترنا بظاهرتين، ظاهرة الحضور المتسع للطرق الصوفية وتغلغلها في الفئات الشعبية، وظاهرة اختلال التوازن بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، ولاسيما على صعيد رجحان كفة الضفة الشمالية للبحر المتوسط بسلسلة من التغلبات ووجوه التفوق على الضفة الجنوبية، وليس أمر هذا الاحتفال راجعا إلى مجرد تقليد نصارى الأندلس في الاحتفال بمولد المسيح، كما ذهب إلى ذلك العزفي السبتي في الذر المنظم، فإظهار هذا التعلق على سمت الاحتفال بالمولد في هذا الوقت أخذ يترسم في جهات متعددة من بلاد المسلمين وليس في سبتة وحدها، ونجد في ذخيرة الشيخ المعطى رسما يختزل هذا الشعور بالغمة عند المسلمين، سماه "دائرة الفزع إلى محمد النبي"، صلى الله عليه وسلم. حري بالمسلمين أن يستحضروا الرسول بعقولهم وأفكارهم، وأحرى بهم أن يفزعوا إليه بمهجهم.
- رابع عشر: التحرر من التشويه والتزوير بصرامة العلم والتمحيص، ذلك هو مغزى الأمر الذي أشرف على إطلاقه أمير المؤمنين حفظه في شأن توعية الناس بمسائل الحديث وما شاب متونه من تدخل الجاهلين والمنتحلين والمتطرفين، وهذه العناية الشريفة بحديث جده من لدن أمير المؤمنين، هي من أعظم تجليات حضور الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته هذه الأمة، ولا يخفى ما في هذا التمحيص وهذه التوعية من خدمة للدين والحق والعقل والأخلاق؛
- خامس عشر: التحرر من فرحة اللهو المباح بغمرة فنون المديح الصداح، مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحضوره الزخم الباذخ في هذه المملكة، في أوساط الحضر والبدو على السواء، وقد سبق لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية أن سجلت من ألوان تعابيره باقة بعنوان " أنفاس المغاربة في مدح رسول الله صلى عليه وسلم" (...).