Passer au contenu principal
مواقيت الصلاة
  • Fajr--:--
  • Chourouq--:--
  • Dohr--:--
  • Asr--:--
  • Maghrib--:--
  • Ichaa--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

تقوية القدرة على الاستجابة لوازع القرآن ... الفصل 54

Soumis par loubna le
Date de publication

 تقوية القدرة على الاستجابة لوازع القرآن ... الفصل 54

فإن المؤمن (1) إذا آمن بربه ووحَّده والتزم بمضمون ما في الشهادة، وإذا استوعب مكونات ذلك المضمون وتمثلها في بناء شخصيته المتميزة بالإيمان الذي هو مرجعيته، وإذا استمد منها المعنى لحياته، وتحرر بها من الأغيار البشرية ومن الأغيار المادية، فإن أثر كل ما ذكر يظهر في قوة إرادته وقدرته على الاستجابة لما يبلغه من كلام الله تعالى ومن حديث رسوله صلى الله عليه وسلم، فبالإيمان الراسخ الصادق تدخل الهداية إلى نفس الإنسان وتخف العبادة على أعضائه، ومن ثمة قال الإمام البوصيري في همزيته:

وإذا حلت الهداية قلبا        نشطت للعبادة الأعضاء؛

وكل ما ذكرناه عن الإيمان بمقتضياته في الحياة يصحح فهمنا له لنكف عن النظر إليه على أنه معنى مجرد يلفه الغموض، بل ينبغي أن نأخذه على أنه أمر عقلي يشبه في صرامته الحساب، بمعنى أن ينظر  الإنسان إلى حياته، هل يحتاج إلى أن يعرف لها معنى أم يعيشها بلا معنى؟ ولا معنى لها إلا إذا أقر بوجود خالق لم يتركه ضالا، بل أرسل إليه خطاب الهداية، وبعد ذلك يتحقق أن كل ما أراده منه من عبادة إنما هو في الحقيقة لترقيته فوق الحيوان وإيقاظه من نوم غفلته، ورفعه فوق حالات الضعف والخبال والشقاء، فيدرك بذكاء أن مصلحته في أن يستجيب لما يحييه حياة طيبة. فالمؤمن إذا تمثل معاني الإيمان اكتسب شخصية واعية بحقيقة الوجود، واكتسب معها حرية لا تُنال إلا من هذه السبيل. وكل حرية غير هذه قد تحرر الإنسان من أمور كثيرة، ولكنها لا تحرره من النفس التي يمكن أن توبق صاحبها وهو لا يشعر بمصلحته الكبرى في الخلاص.

عن أبي شريح الخزاعي، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أبشروا وأبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأني
رسول الله؟ " قالوا: نعم، قال: "فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تضلوا، ولن تهلكوا بعده أبدا" (2) .

موعظة:

المستفاد من كل ما ورد في الخطب والمواعظ حول الإيمان يدور حول العلاقة بين فهم مضمون الإيمان وإدراك مقتضيات الالتزام به في الحياة. لأن الإيمان كما ذكرنا وأعدنا ليس لمجرد العلم والاعتقاد به، بل جاء لذلك وجاء لتغيير المؤمن من الحالة التي كان عليها وهو غائب عن العلم به أو عن التحلي بمقتضياته في حياته الشخصية والجماعية،  ولكي لا يغفل الإنسان عن الحقيقة التي يدركها من خلال الإيمان لابد من أن يعيش حالة دائمة من اقتران الإيمان بلزوم الذكر وما يصاحبه من اليقظة والحضور ، قال تعالى: " سنقرؤك فلا تنسى " (3)، فالذكر غذاء محاسبة النفس، ومحاسبة النفس هي العلامة الكبرى للتزكية، أي التطهر من خُلُق الأنانية.

إن السر في القدرة على الاستجابة هو في بناء ما سميناه بحساب الإيمان الذي لا يتعارض مع حساب المصلحة المشروعة،  سر كامن في نوع علاقة الإنسان بالنفس التي بين جنبيه، وهي قدرة نزوعه إلى الأمور نزوعا يسمى شهوة أو لذة، والحياة التي ارتضاها الله للإنسان لا يمكن أن تكون حرمانا من اللذات الطيبات، لأن الله هو الذي خلقها، وابتلاؤه الإنسان بها هو ابتلاء ليرى هل تدفعه إلى الشكر أم تؤدي به إلى اللهو والنسيان، فأمر الدين يدور على الذكر ، أي استحضار الحقيقة التي توجه السلوك، قال الله تعالى: " واذكر ربك إذا نسيت " (4)، وقال: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا " (5). وقال: "واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار " (6). فالذكر يكون باللسان مع استحضار معناه، ولا يزال المؤمن يذكر بلسانه حتى يمتلئ شعوره (قلبه) بمعاني الأسماء التي يذكرها  ويعمل بمقتضى تلك المعاني.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم " قال: "فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا" قال: " فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك " قال: " فيقول: هل رأوني؟ " قال: " فيقولون: لا والله ما رأوك؟ " قال: " فيقول: وكيف لو رأوني؟ " قال: " يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدا وتحميدا، وأكثر لك تسبيحا " قال: " يقول: فما يسألوني؟ قال: " يسألونك الجنة "قال: " يقول: وهل رأوها؟ " قال: " يقولون: لا » والله يا رب ما رأوها " قال: " يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ " قال: " يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ " قال: " يقولون: من النار " قال: " يقول: وهل رأوها؟ " قال: " يقولون: لا والله يا رب ما رأوها " قال: " يقول: فكيف لو رأوها؟ " قال: " يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد لها مخافة " قال: " فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم " قال: " يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" (7) .

فالإنسان طيلة يومه يفكر ويقرر ويعمل، والصواب في ذلك أن يصدر عن استحضار (ذكر) دائم للحقيقة، أي لمقتضيات إيمانه، فلا يضل ولا يشقى، لأن ذلك الذكر يهديه للتي هي أقوم في تفكيره وقراراته وعمله. فالذكر باللسان عبادة، وما يصدر عنه من العمل هو ثمرة هذه العبادة.  ولذلك كان الذكر تعبئة مستمرة لهذه القوة الإيمانية التي توجه النفس وتأمرها بحضور مرجع الدين وحضور عقلنة المصلحة من منظور الدين، وهذه المحاسبة المستمرة تسمى " تزكية "، وقد ورد في القرآن الكريم ذكر التزكية على أنها تطهير النفس وعلى أنها مفتاح الفلاح، ومرض النفس هو البخل، قال تعالى: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون "(8). وقال: " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها "(9)، فبذل الجهد من أجل التزكية مسئولية كل واحد في كل وقت، على أساس اليقظة والانتباه لكل ميل أو فعل في حياة الإنسان.

عن زيد بن أرقم، قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها " (10)

 موعظة:

ورد في كتاب " التشوف إلى رجال التصوف " لابن الزيات، أن رجلا كان يسمع كل مساء وكأن جاره، وهو نجار، يضرب امرأته وهي تصرخ، وكانت زوجة الرجل حاملا، وكان هو وزوجته ينكران صنيع النجار واتفقا على أن يرحلا من ذلك الجوار عندما تضع المرأة حملها. ولما كانت في المخاض تعسر عليها الوضع فذهب الرجل مضطرا يدق دار النجار ويسأله أن تأتي زوجته لتعين امرأته، لأن النساء أعرف بأحوال النساء، فقال النجار: أنا وحدي وليست لي زوجة، فقال الرجل: اتق الله فنحن نسمعك تضربها كل مساء وزدت الآن بأن كذبت، قال النجار: ما هي حاجتك؟ قال الرجل امرأتي تعسر عليها وضع ما في بطنها، قال النجار : خذ سقط النجارة هذا وأحرقه لتشم دخانه فعسى أن يتيسر وضعها، ففعل الرجل، مضطرا، ما قيل له فوضعت زوجته في الحين، فذهب يشكر الجار النجار ويطلب منه أن يخبره بحقيقة ما يجري عنده كل ليلة، فقال النجار: أنا لست متزوجا وإنما أُخرج نفسي من جوفي إلى أمامي كل ليلة وأحاسبها على أفعالها في النهار بخصوص ما يرجع لإتقان الشغل الذي أحمله إلى السوق، وبخصوص الإخلاص في التعامل مع الزبناء، وكلما تشككتُ في شيء  من الغش ضربتُها فتصرخ باكية. 

  • (1) يوميات الإرشاد
  • (2) رواه ابن حبان في صحيحه، باب نفي الضلال عن الأخذ بالقرآن.
  • (3) الأعلى: 6.
  • (4) الكهف: 24. 
  • (5) الأحزاب 41.
  • (6) آل عمران 41.
  • (7) رواه البخاري في صحيحه، باب فضل ذكر الله عز وجل.
  • (8) الحشر 9.
  • (9) الحشر 9 - 10.
  • (10) رواه مسلم في صحيحه، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل.
Assistant numérique Ministère des Habous et des Affaires Islamiques