
اتفقتُ مع الخطيب (1) على أن يتحدث في خطبته إلى الناس عن الإنفاق عامة، فقال:
إن الله تعالى يتجلى على الناس باسمه " المعطي "، يريد منهم أن يكونوا يعطون على مثاله، ورأى بعض الحكماء أن الزكاة المفروضة هي دعوة إلى العطاء الذي لا يقف عند مقدارها، فالله تعالى يعطي للجميع من غير حساب ويبين للمنفقين أنهم مؤهلون لفضل الإنفاق وهو عظيم في حين أن لا ضياع لما ينفق المنفقون، فالله كتب أنه سيخلف للمنفقين كل ما أنفقوا، فقال تعالى: " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين " (سبأ 29).
وبيّن آداب الإنفاق ومنها أن لا يتبعه انتظار العرفان من الناس وهو المن فقال: " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" .(البقرة 262)
وبيّن سمة أخرى لعمل الإنفاق وهي أن يكون باعتدال، فقال: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما "(الفرقان 67). وأكد سبحانه أن الله الغني لا يحتاج إلى العبد أن ينفق، لأن المنفق إنما ينفع نفسه، فقال: " وما تنفقوا من خير فلأنفسكم (البقرة 272)
واشترط البِر وهو الفضل الكبير بالإنفاق، لأن المنفق يؤثر الله على المال وهو محب له، فقال: " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ( آل عمران 92).
وقال : "وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم" ( الأنفال 60).
واشترط أن يكون المال الذي يكون منه الإنفاق حلالا طيبا: فقال: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون(البقرة 267).
وحض خصوصا ذوي السعة على الإنفاق، فقال:" لينفق ذو سعة من سعته "(الطلاق 7). ولكن السنة حضت على الإنفاق من إقتار، أي من القليل، كذلك؛ وهو ما حث عليه القرآن في قوله تعالى: "ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله"( الطلاق 7).
وأكد على الإنفاق عامة، وأن يكون ذلك سرا لما فيه قصد وجه الله وعلانية ليتنافس الناس في الإنفاق، فقال تعالى: "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية" (إبراهيم 31).
وجعل الإنفاق ثمرة للإيمان وحسن إقامة الصلاة، فقال: " الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" ( البقرة 3).
ولبيان أن الإنفاق في سبيل الله لا يخضع لحساب التجارة بين الناس قال: " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل"( البقرة 261).
وأراد أن يتحرر المرء في الإنفاق من الأحوال والمكاره التي تضعفه فقال: " الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين "( آل عمران 134).
ووصف المؤمنين الفقراء وهم مدركون لمزايا الإنفاق وكيف يتحرقون على أنهم لا يستطيعون الإنفاق وهم ولاشك يعاملهم الله على قدر نواياهم فقال: " تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ألا يجدوا ما ينفقون( التوبة 92).
ولا شك أن الإنفاق لا يخص الأفراد وحدهم ، لأنه أمر ينبغي أن يأتي في عظيم اهتمامات الجماعة وأسبقياتها، وقد ورد في سورة الشورى بما يوحي أن الجماعة السياسية التي تقوم على الشورى حري بها أن تولي اهتمامها لتنظيم الإنفاق، فقال: " وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون "( الشورى 38).
ولعل ما يقوي المعنى السابق ما ورد من الوعيد الموجه لمن يسلكون سياسة الكنز المنافية للتداول والنماء الاقتصادي، فقال: "والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم "( التوبة 34).
وجاء تحذير في نفس التوجيه في قوله: "وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة 195).
وأصرح مما ذكر في باب الإنفاق كنظام اجتماعي قوله تعالى: " وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه "(يس 47).
وما التردد في الإنفاق إلا بسبب نسيان الحقيقة الكبرى وهي أن الإنسان وما يرزق ويكسب كله وما في الأرض إلا من باب الاستخلاف على أرزاق ليست له على الحقيقة، ولذلك قال سبحانه: " آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "(الحديد 7).
فالإنفاق قيمة روحانية وخلق رباني كالصبر والصدق والذكر والاستغفار، كما يفهم من قوله تعالى: "الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار(آل عمران 17).
لقد فرض الله الزكاة على الأموال وبين المقادير والأنصبة ووجوه الإنفاق، و هو سبحانه تعالى بهذا الفرض الإجباري إنما أراد ألا يكون بين الناس من لا يجدون ما ينفقون، ولذلك أمر بالإنفاق في سبل كثيرة غير الزكاة، واستنبط العلماء من التأكيد على ذلك أن في الأموال حقا لله غير الزكاة.
من يتدبر القرآن يجد أن الدين كله يدور على الإنفاق حتى إن الله تفضل بحبه على المنفقين؛
وسر الإنفاق بالنسبة للمنفق أن يكون له اليقين في قوله تعالى: " وما تنفقوا من شيء فهو يخلفه ".
والنص على "من شيء" يعني كل ما يملكه المؤمن، والمؤمن قد لا يملك المال ولكنه يملك أشياء كثيرة منها الكلمة الطيبة وبذل السلام للعالم والنصيحة الغالية والعلم النافع وبذل المعونة ومد يد المساعدة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، ومصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته" (2).
(2) رواه ابن ماجه في سننه، باب ثواب معلم الناس الخير ، وابن خزيمة في صحيحه (ح :2490)