
بعد هذه الخطبة والموعظة التي جاءت في موضوعها أوعزتُ للأئمة(1) الثلاثة بأن نقوم بتعبئة بعض أفراد جماعة المسجد للقيام بمبادرات يتحقق بها بعض الإصلاح الذي نتناوله، ومنه: محاربة الزنا بالتشجيع على الزواج.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه وسلم: "ثلاثة حق على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف" (2)
تحدثت مع السيدة المرشدة في الموضوع ووجدت لديها عزما على التأكيد على النساء في ضرورة الحرص على مقوماتهن في الإغراء المعنوي والمادي وإظهار مهارتهن في ذلك، ووجدت عندها وعيا بمخاطبة النساء في أمور منها: الدفع لتخفيف شروط الزواج والتشجيع عليه، ومنها ما يصلح للزوجة احتسابا لله وحرصا على العلاقة الزوجية وإنقاذها من مغبات الأخطاء المضرة بالعشرة، ولاسيما الحض على صم الأذن عن النميمة من جهة وتجنب الوسواس في العلاقة الزوجية .
عدت إلى المذاكرة في الموضوع مع الأئمة فوجدتهم على علم بأحوال القرية في الموضوع الذي يهمنا وهو التشجيع على الزواج، وبحالات بعينها تمكن معالجتها مع المعنيين بكل ما يلزم من العفة والكتمان، ولكن الظاهرة العامة هي:
- أ) . العزوف عن الزواج بحيث توجد بالقرية ما يقرب من أربعين عازبة سنهن يتجاوز بكثير السنة المعتادة للزواج في القرية، وهو أمر غير مريح للعائلات إذا قورن بالحال في الماضي، أي قبل خمسين عاما، حيث كانت تتزوج كل فتيات القرية في سن لا تتعدى عشرين عاما؛
- ب) . عجز الأُسر في بعض الأحيان عن إقناع البنات بعدم الخروج والسفر إلى الأسواق أو المدينة لقضاء أغراض خاصة؛
- ج) . استعمال البنات للهواتف المحمولة في جميع أنواع الاتصال التي لا يخلو بعضها من الضرر.
تطوع ثلاثة من أفراد جماعة المسجد لنشر فكرة التشجيع على الزواج في القرية، ونجحنا، أنا والأئمة، على أن يكون هؤلاء المتطوعون من الشباب المتعلمين المتزوجين، وذلك بعدد من العمليات:
- 1) الترويج للفكرة التي جاءت في خطبة الخطيب، وشرحتها في موعظتي، وهي زواج الشباب مع بقائهم في كنف الأسرتين لعدة سنين استعدادا لتكوين بيت مستقل؛
- 2) تصور حفل الزواج على شكل خطبة وكتابة عقد في وليمة جماعية؛
- 3) الإقناع بمهور وأجهزة بسيطة؛
- 4) قيام الجماعة بتقديم المهور والأجهزة للمحتاجين؛
- 5) التدخل لدى الأسر ولدى شبان وشابات معينين ليكونوا نماذج للانخراط في المشروع دون الشعور بمركب نقص؛
- 6) إقامة مناسبة جماعية لهذه الزيجات مرتين في العام: مرة في بداية الربيع ومرة في نهاية الصيف.
صار هذا الموضوع حديث القرية، وتشكك البعض في إمكان نجاح هذا المسعى.
ومن بركة النوايا الحسنة أن القرية استطاعت بعد ثلاثة أشهر أن تقيم حفلة وقع فيها عقد زواج ستة شبان وست شابات على ما سبقت الإشارة إليه من الشروط، وتسامع الناس بالحدث في آفاق خارج القرية، وانتشرت التعاليق في وسائل التواصل الاجتماعي.
حمدنا الله حمدا كثيرا على أن انتقلنا بهذا الحدث من الأقوال إلى الأفعال، وجاء هذا مؤشرا على أمور طيبة منها:
- فهم القرية أن مقاصد الأقوال هي الأفعال؛
- دور الأئمة المباركين في المرور إلى الأفعال؛
- استعداد بعض أفراد جماعة المسجد للقيام بالمبادرات الميدانية؛
- استجابة المعنيين بالرغم من أن الموضوع يتعلق بالزواج الذي تحيط به عوائد خانقة.
(2)رواه الترمذي في سننه، الجامع الكبير: باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب وعون الله إياهم.