Passer au contenu principal
مواقيت الصلاة
  • Fajr--:--
  • Chourouq--:--
  • Dohr--:--
  • Asr--:--
  • Maghrib--:--
  • Ichaa--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

خطبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بوازع السلطان... الخطبة 86

Soumis par loubna le
Date de publication

 خطبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بوازع السلطان... الخطبة 86

هذا أمر عظيم (1) آخر من أمور العمل الصالح، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"(2). فالخطاب موجه إلى الأمة، ويفترض أن تقيم الأمة التراتيب التي يتأتى بها الأمران، الأمر والنهي، وهما مما لا تنصاع له النفوس في كل حال عن اقتناع وطواعية، والأمة تحتاج إلى هذه التراتيب وتتوقف عليها، والمنطق يفترض أن الأمر داخلي يهم الجميع، ولصالح الجميع، فالمرجع في ما هو معروف وما هو منكر هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن قيام الأمة بترتيب كيفية التنزيل يتوقف على ما نسميه اليوم بالقوانين والمؤسسات والسلطات، لأن مقتضيات القوانين من جهة المصلحة تلتقي بأحكام الشريعة.

كان معروفا من الساهرين على هذه التراتيب في الماضي الحكام والولاة والقضاة و المحتسبون والشرطة وغيرهم من القائمين بالتعزير ، أما اليوم وقد تشعبت أمور الحياة، ذلك أن نفس الهدف، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تُرصد له نفس الآليات والوسائل البشرية بالعدد والقدر المطلوبين، وهي الحكام في مختلف المستويات والقضاة وغيرهم من المتدخلين، غير أن الذي وقع في تاريخ المسلمين هو أن قلة الاستقرار السياسي وضعف وسائل الحكم وكثرة الجماعات المعترضة على الحكام وعدد من الساخطين الذين لا يرضون بحال، كل هؤلاء، وإلى عصرنا، يظنون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شأن المتصدرين له من الأشخاص الأفراد.

غير أن العلماء المجتهدين الذين هم المراجع في الدين كانوا دائما يدافعون عن القول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من اختصاص الإمامة العظمى ومن ترتبه لتلك الأمانة العظمى. فهو مدار الحكم كله، ولو وقع إبطاله لذهب الدين، ولو تُرك للأفراد والجماعات المنتمية للأهواء لذهب الدين ولاختل أمر الدنيا بوقوع الفتنة.

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتحقق في حياة المسلمين اليوم  بإقامة القوانين التي هي تفصيل بلغة الوقت لمقاصد الشرع ومصالحه، ومن ثمة يكون العمل بالقانون والالتزام به من باب التعبد لله تعالى.

إن ما جاء في القرآن الكريم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آيات تضع أساس النظام العام في الجماعة كما يتصوره الإسلام، التمييز بين ما ينبغي أن يكون، فوجب على الأمة أن تأمر  وتأتمر به، وبين ما يبغي أن يتم تجنبه فيُمنع أن يكون، فإذا همَّ به بعضهم نهاهم الآخرون بما يناسب من الأساليب، ولربما كان النهي عن المنكر أهم من الأمر بالمعروف لأن المنكر يترتب عنه الفساد، ولذلك شجب القرآن الكريم صنيع قوم لا يقومون بهذا الأمر فقال: " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " (3)، والناس في هذا العصر يحرصون على إقامة آليات النظام في كل التفاصيل كما يحرصون على مستوى الأمة على قيام المعارضة السياسية المشروعة، لأن تدافع الآراء هو الضمان ضد فساد أمر الناس والضمانة لإمضاء قواعد صلاحهم، وهو كما هو واضح متوقف على أمور منها: العلم بالأمرين، المعروف والمنكر، علما بالفطرة السليمة وعلما مستقى من بيان الحق في كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو متوقف كذلك على معرفة الكتاب والحكمة بتعليم العلماء، لأن هذا الأمر وهذا النهي قد يكتنفه التباس، كما يتوقف على التعاون، تعاون جمهور الناس لحمل الآخرين على الانصياع للحق في اتباع المعروف والانتهاء عن المنكر، لأن بعض الناس قد تدفعهم أهواؤهم إلى ما هو منكر وتأبى نفوسهم الانقياد للمعروف. وهو أمر جماعي، وكل ما هو أمر جماعي، كما رأينا، فالتنظيم فيه والتحكيم من شأن إمامة الجماعة، لأن أمر الشخص نفسه بالمعروف ونهيها عن المنكر أمر يبني شخصيته كمؤمن ويقوي الجماعة، ولكن الجماعة لا تنجو من الفتنة وتتيسر لها حياة الدنيا وخلاص الآخرة إلا إذا كانت على هدى من الله ورسوله في تنظيم هذا الأمر، وكما هو واضح بالمنطق السليم فهذا الأمر يتوقف على تعاون وجهاد دائبين لأن النفوس ميالة إلى أنواع النزوع الضار، ولقد ظن بعض الناس أن ما جاء في القرآن الكريم في شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين يتصدى له كل واحد، وهو أمر لا يقبله السياق كما لا يقبله النقل والمنطق، وحتى الجماعات التي تجعل هذا الفهم منطلقها في التشويش وفي نقد الحكام هي على ضلال، لأن هذا الشأن شأن الجمهور أي الأغلبية التي تبايع الإمامة.

ويتجلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وقتنا هذا في القوانين التي تضعها البلدان الراشدة في مختلف جوانب الحياة، وفي مختلف مستوياتها، وبها يتعامل الناس وإليها يحتكمون ويجددون النظر فيها حسب التجارب، وهي إما قوانين تجيز أفعالا أو تأمر بها أو قوانين تنهى عن أفعال وتمنعها وتعاقب على إتيانها، وحيث إن هذه القوانين كلها في موضوع جلب المصالح ودرء المفاسد، فهي ذات مقاصد شرعية سيما في سياق بلدنا حيث التزام إمارة المؤمنين بحماية المصالح وإصدار القوانين التي لا تخالف الدين ولا تمس بأي حكم شرعي قطعي في الدين.

إن عدم استيعاب هذه الحقيقة مصدر التباس كبير في أذهان بعض المسلمين ممن يطالبون في بعض البلدان بحكم يطبق الشريعة.

والذي يتوجب على المسلمين الحرص عليه في وقتنا هو تقوية هذا النظام القائم على التفاوض والتشاور في المصالح المنضبطة بالقوانين وعلى رأسها الأمن والاستقرار والأخذ بالعمل الجماعي المتخصص المسمى اليوم بمؤسسات المتابعة والمحاسبة والتحكيم على أنها تدخل في التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهو نظام يتضمن موضوعيا إقامة مستويات الشورى، وهذا المنهج وحده هو الكفيل، لاسيما في وقتنا هذا، بدفع أنواع الفتنة ونبذ التطرف والغلو والعنف. فسياسة القرآن تدور على وجوب تعاون الجماعة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتناصح والتشاور، لأن الاجتهاد الجماعي وحده يوصل إلى الحق، وقد بين لنا التاريخ الذي تصرف تحت ملك الله تعالى منذ تبليغ هذه الرسالة ما هي السنن التي أظهرها الله في هذا الشأن عند الأمم، والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها.

على أن القوانين بأوامرها ونواهيها لا تكفي، بل ينبغي بناء الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر على أساس تربية أخلاقية ربانية ينشأ عليها الأفراد في كنف أهلهم من جهة، وفي ظل أنظمة مجتمعهم المتواصي بالحق من جهة أخرى، لأن التربية داخل البيت والتربية داخل المجتمع إن لم تتكاملا تفسد إحداهما الأخرى، فالتربية الأساسية هي التي يمكن أن تمهد لهذا السلوك وتضمن سريانه حتى يصبح طبيعة ثانية للأفراد وبالتالي للجماعات. وقد شدد الله النكير على من يعيش بلا نظام ولا قانون في حياة تشبه حياة الغاب. وقد نص القرآن على أهمية التنشئة على هذا الأمر فقال على لسان نبيه لقمان:" يا بني أقم الصلاة وامر بالمعروف وانه عن المنكر". (4).

وعلما منه سبحانه وتعالى بأسباب النجاة في هذه السبيل وجهنا إلى ما يقوي عزيمتنا على تجنب المنكر وبالتالي الإقبال على المعروف فقال: "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر" (5).

عن ابن عباس رض ي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من لم يوقر الكبير، ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر" (6) .

وهذه سبيل الانضباط الذاتي الذي يوفر على المؤمنين كثيرا من تكاليف الترتيب والتعزير.

(1) يوميات الإرشاد

(2) آل عمران: 104.

(3) المائدة 81.

(4) لقمان: 16.

(5) العنكبوت: 45.

(6) رواه أحمد في المسند (مسند عبد الله بن عباس)، وابن حبان في صحيحه، باب ذكر الزجر عن ترك توقير الكبير.

Assistant numérique Ministère des Habous et des Affaires Islamiques