
نظم المجلس العلمي الأعلى يوم الأحد 28 جمادى الأولى 1446هـ الموافق لـ 1 ديسمبر 2024م، ندوة علمية في موضوع:" العلماء ورسالة الإصلاح في المغرب الحديث؛
وقد شارك في هذه الندوة الأستاذ اليزيد الراضي (رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة سوس ماسة) بمداخلة تحت عنوان "إمارة المؤمنين والثوابت الدينية العرى الوثيقة لخصوصية الإصلاح المغربي وفرصه السانحة"،وفيما يلي ملخص هذه المداخلة؛
ملخص مداخلة الأستاذ اليزيد الراضي تحت عنوان "إمارة المؤمنين والثوابت الدينية العرى الوثيقة لخصوصية الإصلاح المغربي وفرصه السانحة
أدرك المغاربة منذ اعتنقوا الإسلام، أن الحياة البشرية تحتاج إلى من يتعهدها بالإصلاح، لأنها تتجدد وتتطور، وأحيانا تتقهقر وتتدهور، وإذا لم يواكبها الإصلاح ليُقَوِّم مُنْآدها، ويَرْأَب صَدْعها، ويَجْبر كسرها، ويردّ القطيع الشارد إلى الحمى الآمن، فإنها ستفسد، ويتسع خرقها على الراقع، ويستعصي داؤها على الشفاء.
وأدرك المغاربة إلى جانب ذلك، أن الدين نفسه، وإن كان ثابتا لا يتغير في ثوابته وكلياته، وقضاياه الأساسية، فإنه يتجدد ويتطور في وسائل تطبيقه، وآليات تنزيله، مصداقا للحديث الشريف: "إن الله يبعثُ لهذه الأمة على رأْسِ كل مائة سنة من يجدِّد لها دينَها".
ووعي المغاربة بأهمية تعهد الحياة بالإصلاح، جعلهم -عبر تاريخهم الإسلامي- يـهتمون بالإصلاح، ويقبلون عليه، ولهم في الإصلاح خصوصية تميز إصلاحهم، وتحميه من الشرود والتيه، ومن إعطاء النتائج العكسية، ومن أن يتحول إلى جعجعة بدون طحن.
وتتجلى خصوصية الإصلاح المغربي، في كونه:
- 1. ـ إصلاحا هادئا رفيقا، يتحاشى العنف والضجيج، ويتوخى الحفاظ على الوحدة الدينية والوطنية، ويتوقى إحداث الشرخ والتصدع في بناء الأمة.
- 2. ـ يتزعمه أولو الأمر، من الملوك والعلماء والصلحاء، الذين يتبينون مواقع خطاهم، وينظرون إلى المآلات والعواقب، ويتحاشون أسباب الفتن والمحن.
- 3. ـ يستهدف تحقيق المصلحة العامة الحقيقية، ويتوخى نفع الأمة كلها، ولا يدس السم في الدسم، ولا يسر الحسو في الارتغاء.
- 4. ـ يتقيد بالضوابط الشرعية، ويتوقى الاصطدام بالنصوص الدينية والمقاصد الشرعية.
- 5. ـ يـتميز القائمون به بالصدق والإخلاص، وتَوخِّي التقرب الى الله، والفوز برضاه، وعندما يطفو على سطح الإصلاح من ليسوا كذلك، ينبذهم المغاربة ويمقتونهم، ويتبرأون منهم.
- 6. ـ يسبقه تفكير وترو وتخطيط، ولا يكون وليد الاندفاع والارتجال.
- 7. ـ يملك خارطة طريق تسدد وجهته، وتُرشِّد مسيرته، وتحميه من الزيغ والتيه، وتجنبه المزالق والمضايق، وهذه الخارطة تتمثل في الثوابت الدينية والوطنية للملكة المغربية، وهي:
- إمارة المؤمنين
- العقيدة الأشعرية
- المذهب المالكي
- التصوف السني
فهذه الثوابت، بمثابة العرى الوثيقة للمصلحين المغاربة، من احترمها، وتمسك بها، وسار على نهجها، واستضاء بنورها، ووقف عند حدودها، يأمن من التيه، وينجح في إصلاحه، وينفع دينه وأمته ووطنه، ومن أعرض عنها، ولم يسر على هديها، وجهل - أو تجاهل - أهميتها، يُمنَى في إصلاحه المزعوم بالفشل الذريع.
إمارة المؤمنين
سأقتصر في هذه الخلاصة المركزة على ثابت إمارة المؤمنين، باعتباره عروة وثقى للإصلاح المغربي.
إن إمارة المؤمنين بما لها من سلطة شرعية دينية ودنيوية، وبما لها من بعد نظر وفراسة وألمعية، تحمي بحزم وعزم سيادة الأمة، وترسخ وحدتها الدينية والوطنية، وتبعد عنها كل ما يهددها داخليا وخارجيا، وتقف بالمرصاد - بكفاءة عالية - لكل حركة مشبوهة تهدد الأمن والاستقرار، وإن تسترت وراء لافتة الإصلاح.
وفيما يخص علاقة إمارة المؤمنين بالإصلاح، نلاحظ ــ أول ما نلاحظ ــ أن لدى إمارة المؤمنين، الرغبة الصادقة في الإصلاح الديني والدنيوي، وهذه الإرادة السياسية عملةٌ صعبةٌ نادرة في عالم اليوم، والمغرب أكرمه الله بها، كما أكرمه ــ وله الحمد والمنة ــ بأياد كثيرة، ونعم وفيرة.
ونظرا لصدق هذه الإرادة السياسية، نجد إمارة المؤمنين:
- أولا: تتزعم الإصلاح، وتفتح أوراشه، وتتخذ المبادرات النافعة الرائدة؛ وما المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومؤسسة محمد الخامس للتضامن، وتنظيم المؤسسة العلمية، وإعادة هيكلة الحقل الديني، وخطة تسديد التبليغ، إلا نماذج رائعة في هذا الصدد.
- ثانيا: تشجع المصلحين الحقيقيين الصادقين المخلصين، وتمد إليهم يد العون، وتبارك أعمالهم الإصلاحية، وتوفر لهم الجو المناسب المريح، الذي تعطره أشذاء الأمن والاستقرار، وتلطفه أنسام الانسجام والوئام.
- ثالثا: تراقب وتُرْشِد وتوجه، وتثبت الخطا على طريق الإصلاح القاصد الآمن.
- رابعا: تحمي أوراش الإصلاح من الطفيليين، الذين يضمرون ما لا يظهرون، ويقولون ما لا يفعلون، ويسرون الحسو في الارتغاء.
- خامسا: تُمَيِّزُ بذكاء خارق، بين المصلحين الحقيقيين، والأدعياء المراوغين، وتسحب بذلك البساط من تحت أرجل عشاق الفوضى والاضطراب، وتقطع دابر الفتنة.
- سادسا: تحمي الإصلاح من أن يتحول إلى إفساد، والبناء من أن يتحول إلى هدم.
وساعد إمارة المؤمنين على الاضطلاع بهذه المهمة الدينية والوطنية النبيلة، أمور منها:
- 1. أن أمراء المؤمنين في المغرب، ولاسيما في عهد الدولة العلوية الشريفة، علماء أجلاء، وفقهاء نبهاء، يعرفون ما ناط الله بهم من المسؤوليات، وما طوق به أعناقهم من الواجبات، فهم أولو الأمر بامتياز، لأنهم أمراء وعلماء في الآن نفسه.
- 2. أنهم ربانيون صلحاء، وأتقياء نصحاء، يربأون بأنفسهم، من أن يحلوا حراما، أو يحرموا حلالا، ويحرصون على امتثال أوامر الدين، واجتناب نواهيه، ويحبون أن يراهم الله حيث أمرهم، وأن يفقدهم حيث نهاهم.
- 3. أنهم محبون حبا جما لبلدهم المغرب، وناصحون مخلصون لأمتهم، يبذلون قصارى جهودهم لترقية المغرب والمغاربة، وتبويئهما المكان اللائق بهما بين البلدان والشعوب.
- 4. أنهم يملكون من نور الحكمة، وصدق الفراسة، وبعد النظر، ووضوح الرؤية، ومن الحنكة السياسية والخبرة العالية في تدبير الشؤون العامة الداخلية والخارجية، ما يلهمهم السداد والصواب، والرشاد وفصل الخطاب.
- 5.أنهم يملكون من الشجاعة، والثقة بالنفس وبالله، والتوكل عليه عز وجل، ما جعلهم يعبرون عما يعتقدون صوابه، بكل صراحة ووضوح، ويقفون المواقف الجريئة المتبصرة الحكيمة، غير وجلين ولا مترددين، ولا مرتبكين ولا حائرين، إيمانا منهم بأن الذي اصطفاهم لمهمتهم الشريفة، لن يتخلى عنهم ولن يخذلهم ولن يسلمهم.
- 6 . أنهم يُقَرِّبون منهم العلماء والصلحاء والفضلاء، ويستشيرونهم ويستضيئون بآرائهم، وينتفعون بمشورتهم.
وتشكل بقية الثوابت الدينية، عرى أخرى وثيقة للإصلاح المغربي، ومعالم واضحة في طريق المصلحين، ترشدهم إلى الخير، وتساعدهم على حماية الوحدة الدينية والوطنية للأمة المغربية.
والله الموفق والهادي إلبى سواء السبيل.