
نظم المجلس العلمي الأعلى يوم الأحد 28 جمادى الأولى 1446هـ الموافق لـ 1 ديسمبر 2024م، ندوة علمية في موضوع:" العلماء ورسالة الإصلاح في المغرب الحديث؛
وقد شارك في هذه الندوة الأستاذ سعيد شبار (الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى) تحت عنوان: "خطة تسديد التبليغ.. المحيط الشريك والمتعاون"، وفيما يلي ملخص هذه المداخلة؛
ملخص مداخلة الأستاذ سعيد شبار تحت عنوان: خطة تسديد التبليغ.. المحيط الشريك والمتعاون
لا يخفى أن دين الإسلام الذي حبا الله تعالى به هذه الأمة، دين شامل في قيمه ومعانيه وأحكامه التي يحوط بها أحوال الناس ووجودهم في هذه الحياة الدنيا، وفي ترتيب الجزاء والثواب عليها في الحياة الأخرى، يهدي في كل ذلك للتي هي أقوم، ويُرشد إلى مواطن الصلاح والخير والمعروف، وينهى عن أضدادها.
وهذا المنظور من شمول الدين واستيعابه لكافة مناحي الحياة، كان همّاً من هموم التبليغ والإصلاح الذي اطلع به الأنبياء أولا، والعلماء والمصلحون بعدهم ثانيا، وهو ما يستوجب استئناف هذه الرسالة والمسؤولية داخل هذه المؤسسة العلمية في سياق تجديد النظر في "خطة تسديد التبليغ" من أجل إيصال قيم وأخلاق الدين إلى كل القطاعات الحيوية في المجتمع؛
إذ يمكن في هذا السياق التمثيل بإمكان تفعيل عناية الدين بالضروريات الخمس - على الأقل -، التي استخلصها علماؤنا في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وهي ضروريات دنيوية كذلك، تشتغل مؤسسات مدنية على خدمتها ماديا، حيث يتوجب التعاون معها، ودعمها معنويا من جهة القيم التخليقية التي يزخر بها الدين في هذه المجالات.
فلو أخذنا كلية أو ضرورة "النفس" التي تعنى وزارة الصحة مثلا بخدمتها، لوجدنا أن مساحة الدعم من جهة الدين بإمكانها أن ترفع من وتيرة العناية بهذا المقصد الكلي، لأن "الحفظ" في الدين كما فصل في ذلك علماؤنا والشاطبي على رأسهم في هذا الباب، يتجه إلى حفظٍ من جهة الوجود وذلك بالأمر والندب والإباحة لكل ما يقيم النفس ويحفظها، وإلى حفظ من جهة العدم وذلك بالتحريم والنهي والكراهة لكل ما يضر بها أو يفسدها ولو بوجه من الوجوه.
وكثير من أحكام الدين التفصيلية في تجنب التهلكة والإضرار بالنفس، وفي المطعومات والمشروبات، ورفع العَنَت والمشقّة، هي خادمة لهذا الأصل الكلّيّ الضروريّ.
ومثل ذلك لو أخذنا ضرورة "العقل" حفظاً من الجانبين معاً، بالإعمال والصون لهذه النعمة التي كرم الله تعالى بها الإنسان، وبمنع الممنوعات المفسدة لها أو المخلة بوظيفتها؛ وليست الممنوعات هنا تعاطي المخدرات والإدمان فحسب، بل يدخل في ذلك الأفكار المشوشة النازعة إلى الغلوّ والتطرف، والخارجة عن حفظ النظام والأمن والاستقرار في الأمة.
وتشترك في حفظ هذه الضرورة مؤسسات عدة: الدينية من جهة الإرشاد إلى القيم والأخلاق الموجهة؛ والصحية من جهة العناية الحسية والنفسية، والتربوية من جهة التأهيل والتكوين؛ والأمنية من جهة حفظ النظام والأمن، حيث ينبغي لهذه الشراكة أن تتعزز ميدانيا من خلال البرامج والأنشطة المختلفة.
ثم لو أخذنا ضرورة "العرض" أو "النسل" لوجدنا في الدين خطابا وتشريعا يحوطهما بالعناية والحفظ من الجانبين كذلك، وجوداً وعدماً، بما يحفظ استمرار النسل واستقرار الأسر، وبالتالي استقرار المجتمع وأمنه. وإذا كانت وزارة العدل وقضاء الأسرة، والمؤسسات والجمعيات التي تعنى بالأسرة أو المرأة والطفولة أو الصلح، تعنى بجوانب معينة في خدمة هذه الضرورة، فإن ما يوفره الدين يبقى أشمل وأكثر استيعابا في العناية بتلك القطاعات كلها، مما يستوجب حضور المؤسسة العلمية وتدخلها بالإرشاد إلى القيم والأحكام الخادمة لها دعما للجهود الإيجابية المبذولة في هذا الاتجاه وتعاونا مع المؤسسات المشرفة عليها.
ومثل الضرورات السابقة ضرورة "المال" الذي هو عصب الحياة وقوامها، وهو الاقتصاد عموما في اصطلاحنا المعاصر، حيث نجد للدين منظورا أكثر شمولا واستيعابا كذلك؛ من جهة الكسب والتحصيل، ومن جهة البذل والإنفاق، ومن جهة الحقوق المتعلقة به، تحقيقا للعدالة وللتكافل الاجتماعي الذي هو أحد الدعامات الأساسية للأمن والاستقرار. وهذا أيضا مجال للتدخل الإرشادي إلى قيم الدين وأخلاقه الخادمة له بما يحقق تلكم المقاصد.
نخلص مما تقدم إلى أن للمؤسسة العلمية شركاء متعاونين، يخدمون نفس المقاصد والكليات الدينية التي تخدمها؛ وهذه المؤسسات الشريكة والمتعاونة هي في حاجة ماسة إلى دعم وإسناد المؤسسة العلمية التي لخطابها نفاذ وتأثير في الناس، خصوصا حين تجعل التعاون معها في حفظ تلك الضروريات، تعبدا في ساحات العمل المختلفة لا يقل في أجره وثوابه عن التعبد في المساجد؛ وتجعل من المخالفة لها في هتك قدسية الأنفس، أو نظام العقول، أو تدنيس الأعراض، أو الإخلال بحرمة المال خاصّاً كان أو عامّاً، معاصي وآثام لا تقل عن المحرمات المنصوص عليها في الدين.
ولو نهضت المؤسسة بهذا الواجب لكانت خادمة لأمتها في قطاعات التنمية والازدهار والأمن والاستقرار، ولأسهمت في خفض كُلْفتها، وفي التقليل من العبء المادي الذي يثقل كاهلها، بسبب الآفات والانحرافات التي تجتاح كثيرا من الناس في تلك القطاعات.