
تُعد بلاد الأندلس منارةً سامقة في تاريخ الحضارة الإسلامية، حيث شهدت خلال القرن الخامس الهجري حراكاً علمياً استثنائياً، جعل من مدينة "قرطبة" كعبةً للمحدِّثين ومستقراً للأسانيد العالية.
وفي هذا السياق، يأتي كتاب "حركة الحديث بقرطبة خلال القرن الخامس الهجري" للباحث الأستاذ خالد الصمدي، ليسلط الضوء على هذه الحقبة الزاهرة، متخذاً من شخصية الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن عتاب نموذجاً للشموخ المعرفي.
انطلق هذا البحث من خطة استشرافية، رصدت كيف استطاع علماء قرطبة الحفاظ على توهج السُّنة النبوية رغم الاضطرابات السياسية التي عصفت بالأندلس في عصر الطوائف؛ حيث ظل البحث الحديثي صمام أمان للهوية، ووسيلةً لحفظ الرواية الحديثية من عوادي الزمن وتغير الأحوال، مما جعل من "الرحلة في طلب الحديث" جسراً يربط قرطبة بحواضر المشرق والمغرب.
والتأليف الذي بين أيدينا، يبرز الخصوصية المنهجية لمدرسة الحديث بقرطبة، التي لم تكن تكتفي بمجرد الرواية، بل زاوجت بين النقد الحديثي والفقه المالكي.وقد برز الحافظ "ابن عتاب" كشخصية محورية جسدت هذا التوجه، حيث كان بمثابة "الحلقة الذهبية" في سلسلة الإسناد الأندلسي، جامعاً بين الورع في النقل والدقة في الضبط، وهو ما أعطى للدرس الحديثي بقرطبة هيبته العلمية ومكانته المرموقة بين الأمصار.
إن الجهد العلمي الذي اضطلع به الباحث الأستاذ خالد الصمدي من خلال هذا البحث، يتجلى في استقصائه الدقيق للبيئة العلمية، وتحليله لشبكة الشيوخ والتلاميذ الذين أحاطوا بابن عتاب، مع توثيقٍ شامل لبرامجه ومروياته. فجاء عمله هذا في قالب دراسة بيبليوغرافية وتاريخية رصينة، تؤكد أن حركة الحديث في قرطبة لم تكن مجرد نشاط عابر، بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً.
إن هذا الإصدار، الذي رعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية فجعلته ضمن منشوراتها لسنة 1415هـ/1995م، ليمثل دعوةً متجددة للاعتزاز بالذخائر العلمية للمملكة المغربية وامتداداتها الأندلسية، وصيانةً لإرثٍ علمي لا يزال يفيض بالنور على طلبة العلم والباحثين.