
يُعد كتاب "الأربعين حديثاً الطبية" المستخرجة من سنن ابن ماجه وشرحها للعلامة عبد اللطيف البغدادي، وبجهود تلميذه الحافظ محمد بن يوسف البرزالي، من الطرائف العلمية التي تمثل لوناً فريداً من ألوان الثقافة الإسلامية. وقد جاءت إعادة طبع هذا الأثر ضمن منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 1437هـ /2016م وذلك في إطار جهودها الدؤوبة لإحياء ونشر التراث الإسلامي وتيسير تداوله للعموم.
وفي سياق القيمة العلمية لهذا المتن، يوضح المحقق العلامة عبد الله كنون في مقدمته أن هذا الشرح يتميز بصفة "العلمية"؛ نظراً لكون مؤلفه البغدادي من العلماء المشهود لهم بطول الباع في العلوم العقلية والنقلية، وخصوصاً الطب الذي وضع فيه مؤلفات عديدة. ومن هذا المنطلق، عمد تلميذه البرزالي إلى تجريد هذه الأحاديث الأربعين من شرح البغدادي الكامل للسنن وإفرادها في كتاب مستقل، لتكون مرجعاً مركزاً في الطبابة وتدبير الصحة.
وعلى الرغم من أن هذه الأحاديث ليست جميعها من "أبواب الطب" عند ابن ماجه، إذ شملت أبواباً أخرى كالأطعمة والأشربة والصلاة، إلا أن اختيار البرزالي لها جاء بناءً على علاقتها الوثيقة بالصحة. كما يلاحظ كنون أن الشارح لم يلتزم بترتيب ابن ماجه، بل اعتمد ترتيباً خاصاً وتراجم تخالف أحياناً لفظ المصنف الأصلي، مما يرجح أن هذا التصرف كان من صنيع البرزالي لضمان تسلسل الموضوعات ومناسبتها.
علاوة على ذلك، يبرز المحقق قدرة البغدادي الفائقة على التوفيق بين ما ورد في السنة النبوية وما هو مقرر في الطب، حيث أفاض في تشخيص الأمراض وعلاجها بعبارات فنية ومصطلحات دقيقة جعلت كبار العلماء كالسندي والسيوطي يستشهدون بكلامه. ومن اللطائف التي أوردها البغدادي في شرحه، استخدامه المبكر للفظ "الإنسانية"، مما يدحض المزاعم التي تنسب هذا المصطلح للعصر الحديث، ويؤكد رسوخ قدمه في اللغة والأدب إلى جانب علوم الحكمة والطب.
وختاماً، يؤكد العلامة سيدي عبد الله كنون أنه على الرغم من أن فوائد هذه الكتب قد لا تساير الطب الحديث في فتوحاته المعاصرة، إلا أنها تظل ذات أهمية تاريخية عظيمة. فهي تبين القواعد الأصلية التي بنيت عليها الحضارة العربية والإسلامية، وقوة الدفع التي منحتها هذه الأمة لميدان المعرفة قبل عهد الترجمة والنقل، مما يجعل من هذا الشرح —رغم صغر حجمه— لبنة أساسية في صرح التراث العلمي الإسلامي ومنهاجاً أصيلاً في صيانة الأبدان.