
يعالج الأستاذ المصطفى مالكي (1) في مقاله هذا من "مجلة دعوة الحق" (2) مفهوم "الوقف العِلمي" بصفته فرعاً حيوياً من الوقف العام، باعتباره تحبيس للمال وتسبيل لمنفعته في خدمة العلم ونشره، مبرزاً أصالته في الفقه الإسلامي ومقاصده التنموية المعاصرة.
حيث يخلص الكاتب في مستهل مقاله إلى تعريف جامع للوقف العِلمي يتجاوز القصور في التعريفات التقليدية، ليجعله : تحبيساً للمال (سواء كان عقاراً، أو منقولاً، أو حقاً معنوياً) وتسبيلاً لمنفعته في خدمة العلم ونشره، مع التأكيد على جواز الوقف المؤقت اتباعاً للمذهب المالكي، مما يمنحه مرونة كبرى في الاستجابة للاحتياجات المعرفية المتجددة.
وتتجلى القيمة المركزية للمقال في ربط الوقف العلمي بـالمقاصد الضرورية للشريعة؛ ففي جانب "حفظ الدين"، يظهر الوقف كظهير أساسي لبناء المساجد والكتاتيب القرآنية وطباعة المصاحف، مما يضمن استمرارية الهوية الإسلامية. وفي "حفظ العقل"، يسهم في رعاية الموهوبين وإنشاء مراكز البحث العلمي والمكتبات المتخصصة للقضاء على الأمية المعرفية. كما يمتد أثره لـ"حفظ النفس" عبر تمويل الكليات الطبية والمستشفيات، و"حفظ النسل" من خلال إنشاء مؤسسات لتأهيل المقبلين على الزواج، وصولاً إلى "حفظ المال" بتوظيفه الرشيد في مشاريع تعليمية إنتاجية توفر فرص الشغل وتحقق الأمن المجتمعي.
وفي الختام، يفرق الكاتب بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف، مؤكداً أن القصد الأصلي للواقف يجب أن وجه الله، بينما يظل القصد التبعي (كنفع الأقارب أو طلبة العلم) مكملاً وخادماً للأول.
إن هذا التوصيف يجعل من الوقف العلمي آلية حضارية تضمن استدامة المعرفة وحمايتها من الاندثار، وتوفر للمجتمع استقلالاً فكرياً ومادياً يجعل من التنمية المعرفية صمام أمان للأمن والثقافي والاجتماعي، وهو ما يستوجب تفعيل حوكمة قانونية وتنظيمية لإعادة هذا الوقف إلى ريادته في النهضة الإسلامية المعاصرة.
(1) . الأستاذ المصطفى مالكي..عضو المجلس العلمي المحلي لوجدة
(2) . دعوة الحق، السنة الثامنة والستون، العدد 452، محرم 1447هـ/يونيو 2025م