
إن صلة أهل المغرب بالقرآن الكريم، حفظا وترتيلا وتجويدا، صلة قديمة قدم الإسلام في هذه الديار. وتِلاَوَتُهُمْ لَهُ أفرادا وجماعات آناء الليل وأطراف النهار، قياما وقعودا وعلى جُنوبِهم، فطرة فطروا عليها وجبلة جبلوا عليها. يستوي في ذلك خاصتهم وعامتهم، ذكورهم وإناثهم، صبيانهم وشبابهم، كهولهم وشيوخهم. حتى شاع من المقولات في باب حفظ المغاربة للقرآن وعنايتهم به قولهم: "إن القرآن نزل بلسان العرب، ففسره أهل فارس، وكتبه الأتراك، ورتله أهل مصر، وحفظه أهل المغرب". وهي مقولة لها حظ من النظر والواقع، وقد يزكيها ما أنجبه المغرب من أئمة القراء وشيوخ القراءة الذين كانوا ملء سمع الدنيا وبصرها من أمثال أبي محمد مكي بن أبي طالب القيرواني، وأبي العباس أحمد المهدوي، وأبي عمرو الداني الحافظ، وأبي داوود سليمان ابن نجاح، وابن شريح الاشبيلي، وأبي القاسم الشاطبي، صاحب "حرز الأماني" وهو غير أبي إسحاق الشاطبي صاحب "الموافقات"، وأبي الحسن الحصري، وابن بري التازي، وابن غازي المكناسي، وابن القاضي الفاسي، وإبراهيم السوسي، وابن حبيب اللمطي السجلماسي، وسوى هؤلاء من الرموز الذين صار المغرب بفضلهم دار قرآن.
وحفاظا على هذا الموروث الديني الأصيل الذي آل إلى علماء الأمة من سلفهم الصالح، أولت المجالس العلمية المحلية - التي تمثل مشيخة العلم في الفترة الراهنة - عناية فائقة بهذا الكتاب العزيز الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فجعلته في قلب اهتماماتها، وركزته في صلب مركزية اشتغالها، حفظا وقراءة وتدبرا وتجويدا، مستنيرة في خطة عملها بمقتضيات الظهائر الشريفة المنظمة لهذا الشأن، وبمحاور البرنامج السنوي لعمل المجالس العلمية المحلية الذي أعده المجلس العلمي الأعلى، مفردا بابا مستقلا للعناية بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والسيرة النبوية العطرة.
وخيار التركيز على إحاطة القرآن الكريم بسياج عظيم من الرعاية يليق بمقامه وقدسيته، مبني على اعتباره حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، والمصدر الأول والأساس في تثبيت الأمن الروحي وتوعية أهل الإيمان بما تنصلح به أمور دينهم ودنياهم، إذ لا تزيغ به الأهواء، ولا تلبس به الألسنة، ومن ثم فلا عجب إن رتب في صدارة الأولويات التي تحظى كل سنة بمزيد من العناية ضمن جهود المؤسسة العلمية، التي تجلت عملية تقريبه من الناس، ووصلهم به على مستويات مختلفة، أهمها:
* تكثيف الإجراءات المتخذة لإنجاح عمليات التحفيظ للرجال والنساء، والشباب والأطفال، وذلك على الصعيد المحلي بكل الأقاليم، تحت إشراف المجالس العلمية المحلية... الأمر الذي ساهم في ارتفاع نسبة تواصلها مع المواطنين، من جهة، وفي ربطهم بكتاب الله تعالى، من جهة أخرى. واتخذ هذا التواصل أشكالا عدة:
- العناية بالفئات ذات الأوضاع الخاصة كالسجناء في الإصلاحيات، والأيتام والمعوزين في الخيريات، وأبناء الجالية في العطل الصيفية، بالإضافة إلى التلاميذ في الإعداديات والثانويات؛
- التواصل والتنسيق مع الجهات التي تعنى بتحفيظ القرآن الكريم وسنة رسولنا الأمين صلى الله عليه وسلم؛
- العمل على إلزام الأئمة أن يقرؤوا برواية ورش عن نافع، كما هو دأب المغاربة وعادتهم.
* تنظيم حلقات لتعليم قواعد التلاوة والتجويد وطرق التحبير من أجل تحسين قراءة كتاب الله تعالى؛
* إنشاء مدارس خاصة لحفظ كتاب الله تعالى ومدارسته؛
* إلقاء دروس في تفسير بعض الآيات والسور من كتاب الله العزيز؛
* تنظيم ملتقيات قرآنية على الصعيد المحلي، أو الجهوي؛
* أمسيات قرآنية: أضحى تقليد تنظيم الأمسيات القرآنية لدى المجالس العلمية المحلية، من الوسائل المهمة في نشر ثقافة القرآن الكريم بين أفراد المجتمع، على مختلف فئاتهم العمرية ومستوياتهم العلمية، لذلك اعتُمدت كثيرا في باب العناية بالقرآن الكريم؛
* تعميم الدورات الصيفية الخاصة بتحفيظ القرآن الكريم لفائدة مختلف الأعمار، وخصوصا أبناء الجالية أثناء فصل الصيف حين دخولهم إلى المغرب على معظم عمالات المملكة وأقاليمها؛
* تنظيم مسابقات قرآنية محليا وجهويا، مفتوحة في وجه مختلف الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية، ذكورا وإناثا، في رحاب المساجد والمراكز الاجتماعية والمؤسسات التعليمية، بالإضافة إلى المسابقات التي تقام سنويا بتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أو بتنسيق مع الجمعيات التي تقوم بتنظيم مسابقات قرآنية بمدها بلجن التحكيم المشرفة عليها، أو بتعاون مع القناة الثانية أو مع قناة محمد السادس للقرآن الكريم؛
* تأهيل الناجحين في المسابقات المحلية للمشاركة في الجوائز الوطنية؛
* القيام بحفلات دينية يستدعى لها مقرؤون من مختلف المدن المغربية؛
* ومن تمام العناية بالقرآن الكريم العناية بمؤطري حلقات التحفيظ والتجويد ومؤطراتها، من خلال تنظيم دورات تكوينية ولقاءات شهرية للرفع من حجم عطاءاتهم، والرقي بمستوى تحفيظ القرآن الكريم في المناهج والمردودية والتنظيم والتسيير؛
* ابتكار وسائل ترفيهية للمستفيدين من حلقات التحفيظ عبر تنظيم خرجات ترفيهية وأمسيات للأطفال للتحفيز وتوفير مجال المنافسة؛
* في المجال الإعلامي، المشاركة في الحلقات الإذاعية والبرامج التلفزية التي تعنى بالقرآن الكريم وعلومه؛
* تكريم أهل القرآن:
من السنن الحميدة التي سنها أمير المؤمنين نصره الله في إطار حماية الملة والدين وتعظيم شأن الإسلام والمسلمين، ما رسخه من تقليد تكريم أهل القرآن والحديث كل سنة مما استلهمه العلماء في مجالسهم العلمية. فكان لأنشطة التكريم للشخصيات القرآنية المتميزة في الإقراء والتحفيظ حضور هام في أنشطة المجالس العلمية المحلية.
وكنتيجة لهذا الكم من الإجراءات والأنشطة التي كان وراءها جهود العلماء والعالمات بمختلف مناطق المملكة، يمكن تسجيل ملاحظتين أساستين:
- ارتفاع عدد المتخرجين الحاملين لكتاب الله والحاصلين على تزكيات الحفظ من قبل المجالس العلمية المحلية؛
- تزايد في عدد الفئات العمرية المتوافدة على مراكز التحفيظ وعلى مقرات المجالس العلمية من أجل التسجيل ضمن قوائم الراغبين في الاستفادة من الحصص الدراسية المخصصة لتعليم قواعد التجويد وأحكام التلاوة.
وإذا كانت هذه البرامج والأنشطة التي أطلقتها المجالس العلمية المحلية، في ربوع المملكة، بنجاح متزايد، لدى مختلف فئات أعمار المواطنين ومستوياتهم الدراسية، ولدى فئة الأميين منهم، فإن البرامج التي استهدفت الإناث في مختلف مستويات أعمارهن وتحصيلهن الدراسي، قد عرفت نجاحا أكيدا وتوسعا كبيرا، عاما إثر عام.