Passer au contenu principal
مواقيت الصلاة
  • Fajr--:--
  • Chourouq--:--
  • Dohr--:--
  • Asr--:--
  • Maghrib--:--
  • Ichaa--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

Soumis par admin le
Date de publication
Catégorie

(بحث وتأصيل في المشروعية والتاريخ)
بقلم: د. عبد الهادي حميتو
تمثل القراءة الجماعية للقرآن الكريم في المغرب بمفهومه التاريخي والراهن، كما يمثل الحزب الراتب الذي يجري أداؤه صباحا ومساء بهذه الوسيلة، إحدى أهم السمات البارزة التي تعكس جانبا من جوانب الهوية المغربية الراسخة، والثوابت الوطنية الباذخة، التي تجسد معالم الشخصية الحضارية للمغرب عبر العصور الإسلامية، وتحفظ عليه طرازه المتميز، وطابعه العام، وخصوصيته التي تحول دون ذوبانه في غيره، بما يرتبط بهما من تنمية روح الجماعة، وتوحيد للقراءة، ودوام التعاهد للقرآن، وعمارة بيوت الله به، وهي بيوت ذكر ربنا من شأنها في سورة النور أنها كما قال جل جلاله: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)، وإنما ترفع بعمارتها والقيام برعايتها ويذكر فيها اسمه بتلاوة كتابه العزيز فيها وفي قوله سبحانه: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) تنبيه على هذه الوظيفة الدينية للمساجد، وتنويه بالقائمين بها، وفي إفراد ذكر الله عن إقامة الصلاة وتقديمه في الذكر عليه تنبيه آخر على أنه أمر زائد على أداء الشعائر، فتدخل تلاوة القرآن في ذكر الله في المساجد دخولا أوليا، باعتبار القرآن الكريم هو المراد بالذكركما قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) وكقوله: (وهذا ذكر مبرك أنزلنه) وقال سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحفظون) وقال: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصرهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعلمين).

وعمارة المساجد بالقرآن قراءة وتلاوة وتعلما وتعليما هي إحدى السمات التاريخية المبكرة للساكنة المغربية في هذه الديار الإسلامية كما لاحظها عبقري علم العمران البشري العلامة ابن خلدون وهو يتحدث عن شمائل أهل المغرب حيث يقول في تاريخه (6/105):

"وأما إقامتهم لمراسم الشريعة، وأخذهم بأحكام الملة، ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين لكتاب الله لصبيانهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم ... ما يدل على رسوخ إيمانهم، وصحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم، التي كانت ملاكا لعزهم، ومقادا إلى سلطانهم وملكهم".

ونوه في مقدمة تاريخه بعناية المغاربة بالقرآن الكريم والتبكير بتحفيظه لولدانهم، وجعله أصل التعليم ومدار أمره عليه، فقال مبرزا لهذه الخصوصية عندهم:

إعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض فنون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات" ثم قال:

فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان، الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله، واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم في الجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم، إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة، وكذا مذهبهم في الكبير إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره".

ثم يستخلص ابن خلدون من هذه الخاصية في إفراد القرآن الكريم عند أهل المغرب بهذه العناية، والتبكير بأخذ الولدان له في ميعة الصبا قوله: "فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم" (مقدمة ابن خلدون ص 538).

وما تزال هذه الخاصية في أكثر جهات مغربنا الحاضر امتدادا لهذه النظرة واستمرارا لها، مما ظل القارئ المغربي معه وافر الأداة، كامل العدة في مجال الحفظ للقرآن الكريم، متميزا فيه عن غيره، ضابطا لرسمه ونقطه ووقفه وابتدائه، مملوء الوفاض من المتون والنصوص والمنظومات التي تشكل ثقافته القرآنية، الموازية لحفظ ألفاظ التلاوة، والمقومة لأصول الأداء وقواعد التجويد، والمرسخة للأحكام، بحيث يتسلح برصيد هائل من الشواهد والأدلة التي تعصم المستحضر لها من الخطأ أو دخول الشبهة عليه في شيء من القرآن رسما وضبطا وقراءة وأداء ونصا وتلاوة.

ولقد شاعت بين الناظرين في خصائص الشعوب مقولة تنطلق من نظر حصيف يستند إلى شهادة الواقع تقول:

"نزل القرآن بلغة العرب، ففسره الفرس، وكتبه الترك، وقرأه المصريون، وحفظه المغاربة" وفيها إشارة إلى مزية زيادة الحفظ لوفرة العناية بتنمية هذه الملكة، وهكذا وافقت المقولة ما ذهب إليه العلامة ابن خلدون عن أهل المغرب في قوله: "فهم لذلك أقوم على رسم القرآن وحفظه من سواهم"، فما هي أبرز العوامل التي ساعدت على هذا النبوغ المتميز عند المغاربة في الحفظ والتحصيل؟

إن الجواب عن السؤال يكمن في السمات الثلاث التي لاحظها ابن خلدون، ويمكن أن نشير إليها بنقط ثلاث وهي:

  1. جعل القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد الملكات
  2. التبكير بالقرآن بتعليمه للولدان في الصغر ليكون أرسخ في الوجدان وأبلغ في الرسوخ
  3. تدارس القرآن بين الأحياء في البوادي والأمصار آناء الليل والنهار.

ويتضمن العنصر الأخير القراءة الجماعية بقراءة اثنين فصاعدا بلسان واحد في تلاوة واحدة.

ويتمثل ذلك عمليا في عدة مظاهر، ومنها:

  • قراءة الأسوار للاستذكار والمراجعة، وهي للشداة المتعلمين لتمتين الحفظ بالمدارسة.
  • قراءة العرض على الشيخ لاختبار درجة التحصيل باشتراك أكثر من واحد في التلاوة.
  • قراءة الحزب الراتب اليومي لتعاهد القرآن صباحا ومساء، ومدارسته بصورة دائمة خوف الذهول عن شيء منه، أو نسيانه، مما يدخل ضمن حديث "الحال المرتحل" الذي جاء التنويه بخيريته في حديث الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ فقال: الحال المرتحل، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره، كلما حل ارتحل" (سنن الترمذي: كتاب القراءات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ص 659 حديث رقم 2948)

وهذه الصفة تنطبق على قراءة الحزب الراتب في جماعة أو قراءة القارئ منفردا، وهو أمر لا غبار عليه مرت على العمل به العصور، ووقع موقع القبول من علماء الأمة من غير نكير ممن يعتد به، وظهرت مزاياه، وثبت نفعه، وتأكدت جدواه في مجال التعليم والتحفيظ في قراءة "الأسوار" وجعله جزءا منها عند المتعلمين، وفي مجال التعاهد للقرآن خيفة النسيان بالنسبة لحفاظ القرآن، واحتياطا عليه من الهجر الذي وقع التشنيع به في قوله تعالى في سورة الفرقان: (وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)

فيقوم المواظبون على قراءة الحزب الراتب في المساجد بعمارتها بالقرآن طرفي النهار، قياما منهم بهذا الفرض الكفائي نيابة فيه عن الأمة، حتى لا تفرط في تلاوة كتاب ربها ودستور دينها، وامتثالا للأمر العام الذي هو وظيفة من وظائف المسجد في الإسلام على ما كان عليه الحال في كثير من بلدان الإسلام، وخاصة في مصر وإفريقية والقيروان والأندلس والمغرب الكبير.

ولقد غابت هذه الحقائق التي نبهنا عليها عن أذهان بعض الناشئين الذين فاتهم العلم بما كان عليه الحال في هذه البلدان طوال تاريخها الإسلامي، فتوجهت بألسنتها السليطة إلى أئمتنا وقرائنا وعمار مساجدنا ومشايخ التعليم وأئمة الصلوات فيها تنعي عليهم القراءة الجماعية والمحافظة على الحزب الراتب فيها، وتكيل لهم التهم الوضيعة بغير حساب، وترميهم بالابتداع ومخالفة السنة، بدعوى أن ما يفعلونه من القراءة الجماعية، والاجتماع على قراءة القرآن في الحزب الراتب أو غيره، هو في نظرهم من البدع المخالفة للسنة، ومن المحدثات في الدين التي لم تكن على عهد النبوة والعصور الفاضلة، ويدخلون ذلك في جملة منظومة محبوكة حبكا غريبا يكشف عما وراءه وعناصر هذه الأطروحة التي هي معيار الابتداع عندهم في هذه الخماسية التي تتمثل في الالتزامات التالية:

أـ الالتزام بفروع المذهب المالكي في الفقه دون الأخذ بفقه الحديث، وينعتون من يعمل بذلك أو يفتي به بالمقلد والمتعصب، وربما زادوا ألقابا أخرى كالبدعي وغيرها

ب ـ الالتزام بقراءة الإمام نافع من رواية ورش وطريق الأزرق، وهي في نظر كثير منهم رواية شاذة انفرد بها ورش، ولم يعد لها وجود في غير المغرب.

ج ـ الالتزام بالقراءة الجماعية للقرآن، وهي في نظرهم قراءة بدعية لم تكن على عهد السلف الصالح

د ـ الالتزام بقراءة الحزب الراتب في الصباح والمساء، وهو عندهم من المحدثات وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، فهي عندهم بدعة ضلالة

هـ الالتزام بوقف الهبطي، والسنة عندهم الوقف على رؤوس الآي دون غيرها.

وهم لكي يدعموا مواقفهم يلجأون إلى بعض النصوص الشرعية دون غيرها، لأنها تخدم هذا التوجه الذي يحاكمون إليه كل ما يخالفه، ويبنون أحكامهم عليه، وربما احتجوا ببعض ما جاء عن الإمام مالك والإمام الشاطبي صاحب كتاب "الاعتصام" من القول بكراهة الاجتماع على القراءة في الحزب الراتب أو غيره، وهم إنما يستدلون بالنقل عنهما لأن ظاهره يخدم توجههم، ويصب في هذا المسار من التحريم والمنع والتبديع للقراءة الجماعية، والطعن في مشروعية قراءة الحزب الراتب في المساجد خاصة.

ونحن مضطرون بسبب ضيق المجال إلى بيان شبهاتهم في نقط، مع الرد عليها وبيان تهافت ما تعلقوا به منها، والكشف عن ما استقر عليه الفقهاء الأئمة في مذهب مالك وصار العمل عليه مما يجعل تلك الأصوات الناعقة تغرد خارج السرب.

Assistant numérique Ministère des Habous et des Affaires Islamiques