إن مستويات مشيخة الإقراء في الكتاتيب والجوامع والمدارس متفاوتة من جهة إلى أخرى، ومن مسجد إلى آخر ومن طالب إلى غيره، ومن ثم فإن درجات الإتقان في الحفظ والرسم والضبط والعناية بالقواعد وحفظها واعتمادها في تصحيح الألواح وتحريرها، كلها متفاوتة تفاوتا كبيرا.
ومن الملاحظات المهمة أيضا أن كثيرا من مشايخ الإقراء أصبحوا يتساهلون مع تلاميذهم في شأن الخط المصحفي القرآني المعتمد عند المغاربة عبر التاريخ، وبسبب هذا التساهل دخل على ألواح الطلبة فساد وتخليط عظيم أمسى من العسير التخلص منه، ويتجلى هذا التساهل في سماحهم مثلا بكتابة الحاءات والخاءات والجيمات بالطريقة المدرسية في مثل "الحمد" فيكتبونها "الحمد" وفي "الجنة" و"الخيرات" فيكتبونها "الجنة" و"الخيرات". وكذلك يكتبون لام ألف ويضبطونها ضبطا مدرسيا، فيضعون الشكل والهمز في غير موضعهما الصحيح، أي: على يمين لام ألف، وإنما تكتب عند المغاربة في الخط المصحفي المغربي مضفورة هكذا "لاَ" فتكون اللام هي التي عليها الحركة على اليسار، والألف هي التي على اليمين، وعليها توضع الهمزة بحسب حركتها.
ويضاف إلى هذا التأثير المدرسي نقط الفاء من فوق، ونقاط القاف باثنتين في سائر القرآن، ونقط الحروف المتطرفة المعروفة بحروف "يُنفِق" وكتابة الياءات المردودة مثل "في" و"الذي" بياء موقوصة إلى اليسار على خلاف المعهود في خط المصحف المغربي. وقد تم تتبع ذلك وإصلاحه في الجملة.
ومن المعلوم أن الرمز للنظائر، ولأحكام التجويد، ولاختلاف الروايات، باستعمال المصطلحات المتعارف عليها، هو من خصائص المدرسة المغربية، ولا تعرف منه المدارس المشرقية إلا ما أخذ من قصيدة الإمام الشاطبي الذي استعمل الحروف الأبجدية للرمز للقراء السبعة والرواة عنهم كما سنبينه عن قريب.
أما المدرسة المغربية فقد استعملت الرموز لضبط العدد في الحطيات، واصطلح الشيوخ فيها على جملة من الأوضاع التي تدل على العدد، ككتابة جرة بعد نون معرقة للدلالة على اثنين، وكتابة سين مجبوذة للدلالة على ثلاثة، وكتابة عين مجبوذة للدلالة على أربعة إلى آخرها. ويمكن الرجوع إلى أمثلة ذلك في أكثر ألواح النصف ابتداء من رقم 241 إلى 290 كما رسمها عليها المصححون لها.
كما اعتمد المغاربة الرموز في علم القراءات لتحديد أسماء القراء والرواة عنهم اختصارا، ويمكن الرجوع إلى أمثلة ذلك في الستة الأحزاب الأخيرة من هذا المصحف، وعليها يعتمد أصحاب الروايات في عملية الجمع بين أكثر من قراءة في تلاوة واحدة، بحيث يكتب مصحح اللوحة رموز القراء والرواة فوق السطر المكتوب من القرآن مرتبة على اصطلاح خاص يعرفه القراء، فيكون الرمز بمنزلة القائد الذي يقود القارئ في تلاوته، فلا يقدم قراءة على أخرى، ولا مرتبة على غيرها مما يستحق التأخير، وإنما يسير على ترتيب أسماء القراء والرواة حسب ترتيبهم في الرمز كما توارث القراء عندنا ذلك خلفا عن سلف وألفوا فيه وفي تحديد قواعده وضوابطه كتبا ورمزيات لا حصر لها. انظر الأرقام من 212 إلى 324.