1 - الزراعة وتربية الماشية: التقنيات والإنتاج
2 - الصناعة التقليدية والتجارة : الخصائص العامة
3 - عبء التقلبات المناخية
1 - الزراعة وتربية الماشية: التقنيات والانتاج
وبحكم أن كميات المياه-في المناطق الجافة بالخصوص- لم تكن متعادلة من سنة لأخرى، فقد تم الاعتماد على نظام الخطارات للتحكم فيها واستغلالها بشكل أفضل. وظلت منطقة الحوز-جنوب مراكش- تعطي أحسن مثال. وقد أثار هذا النظام انتباه الجغرافي الإدريسي، فاعتبره عاملا في تكاثر البساتين وتزايد السكان بمراكش التي اتخذت منظرا خلابا.
والملاحظ، أنه بموازاة تطور هذا النظام وتقنيات أخرى في السقي- خاصة في المناطق الجافة-تطورت زراعة قصب السكر واحتلت مكانة بارزة في عهد السعديين. وبالتالي شكلت تجارة السكر مادة أساسية في التصدير. وكانت هولندا وانجلترا من الدول الأكثر استيرادا لها مقابل ما تمد به المغرب من الأسلحة. لكن بعد وفاة المنصور، انهارت هذه الزراعة وتجارة السكر بعد وصول سكر جزر الانتيل إلى أوربا.
وقد أشار الفشتالي إلى أهمية صناعة السكر في عهد المنصور . وأضاف أن زراعة قصب السكر تطورت بشكل كبير جعلت السكر يباع بأثمان رخيصة.
وهكذا كان الإنتاج الزراعي الأكثر انتشارا المتمثل في الحبوب والفواكه والقطاني والأشجار المثمرة موجها في أغلبه للاكتفاء الذاتي. وظل السكان في المناطق المهددة بالجفاف يختزنون الفائض بصفة فردية أو جماعية في مطامير واكادير.
وإذا كان من الصعوبة تقدير كمية الإنتاج بصفة دقيقة في غياب معطيات إحصائية لدى الإخباريين المغاربة، فإنه ظل نسبيا متوفرا في السنوات المطيرة، ويلبي عموما الحاجيات الغذائية للعائلات. علما بأن جزءا منه يؤدى كضرائب شرعية أو يستعمل في مقايضة مواد أخرى (مثل السكر والشاي واللبن والأقمشة والشمع والأسلحة).
كما كانت تربية الماشية تحتل بدورها مكانة هامة في النشاط الفلاحي. فارتباطاًَ بالإكراهات المناخية والبحث عن أشكال التكامل مع زراعات متنوعة حسب المناطق، كان الاهتمام موجها نحو قطيع الغنم والبقر والماعز، الذي تعرض بدوره إلى آثار مواسم الجفاف واختفاء المراعي ومشكلة الجوارح الحيوانية ( (épizooties ) التي كانت تقضي أحيانا على أكثر من 70 % من القطيع. فالظهائر التي كانت تمنع ذبح الشياه والأبقار، لم تكن كافية لتعويض النقص الذي تحدثه هذه الكوارث.
وفي إطار هذه الأنشطة الرعوية، كان الفرس يتمتع بتفضيل كبير نظرا لقوته ورشاقته وسرعته. فتزايدت تربيته لعلاقته بالمؤهلات الدفاعية والهجومية للقبائل، وخاصة في حرس السلطان (منطقة الغرب والشاوية ودكالة والحوز). وبجانب الفرس كانت حيوانات الجر وحمل الأثقال مثل البغال تأتي في الرتبة الثانية، متقدمة عن الجمال رغم أنها الأكثر استعمالا لحمل المنتجات الثقيلة الوزن سواء في المناطق الجنوبية أو الشمالية.
2 - الصناعة التقليدية والتجارة : الخصائص العامة
يبدو من الصعوبة "تحديد زمن" بداية الأنشطة المتعلقة بالصناعة التقليدية والمبادلات، التي تعرضت منذ عهود طويلة لمختلف التحولات بفعل عوامل داخلية وخارجية.
قدم الجغرافيون والإخباريون والرحالة، عدة إشارات حول هذه الأنشطة والمبادلات التجارية سواء الداخلية أو الخارجية. وحول الأوزان والمكاييل والنقود والضرائب على اختلاف أنواعها وطرق أدائها. فضلا عن الاضطرابات التي كانت تتعرض إليها بسبب الكوارث الطبيعية والانتفاضات أو ظواهر اللصوصية أو تحول محاور التجارة البعيدة المدى.
فقد ذكر أبو أحمد الغرناطي (توفي 1169) بمكانة وأهمية تجارة القوافل والأدوار التي اضطلعت بها سواء مع إفريقيا والشرق العربي.
من جهة أخرى أشار ليون الإفريقي- بعد أربعة قرون- إلى سجلماسة بأنها كانت تضم حوالي 350 قصر (أهمها تانجوت وتابوعصامت والمامون)، وتسك فيها نقود من الفضة والذهب.
وكانت فاس إحدى المدن التي تحكمت في جزء كبير من تجارة القوافل، فقد ذكر الجغرافي الإدريسي غناها وإشعاعها في عهد الموحدين.
من ناحية ثانية، عرفت جهات أخرى أنشطة صناعية، كما هو حال سوس، التي كانت فيها تيدسي مثلا تضم أعدادا وافرة من العمال اليهود، وافران تتوفر على مكامن للمعادن كما ذكر ليون الإفريقي. وأشار إليه من جهته المؤرخ القزويني (توفي 1283) مسجلا تطور تقنية استخراج المعادن في عدة جهات من المغرب.
ظل الإنتاج الفلاحي والحرفي والمبادلات مع إفريقيا جنوب الصحراء ظل كل ذلك مندمجا في التبادلاتت التجارية التي كانت تربطه بالضفة الشمالية للبحر المتوسط. وبالتالي غدا المغرب في هذا الاتجاه على الأقل إلى حدود القرن الخامس عشر وقبل وصول البرتغال إلى خليج غانا وتحكمهم في تجارة الذهب وسيطا تجاريا مهما بين إفريقيا السوداء وأوربا.
وقد حاول بعض الأوربيين في العصور الوسطى بالخصوص – إقامة علاقات تجارية مع المغرب للاستفادة من هذه الإمكانيات. ومن أمثلة ذلك -المدن التي كانت تبعث بتجارتها للتفاوض مع السلطات القائمة والدول الحاكمة وتوقيع اتفاقيات أو معاهدات تحدد شروط إقامة مواطنيها. فكانت جنوة وبيزا والبندقية تتعامل تجاريا مع المغرب انطلاقا من مدينة سبتة خلال العصور الوسطى.
3 - عبء التقلبات المناخية
أثرت التقلبات المناخية والكوارث الطبيعية على مجمل الأنشطة الاقتصادية بفعل ما كان يصحبها من انهيار في الإنتاج واستنزاف للطاقة البشرية والحيوانية (مثل مجاعة دكالة في 1521).
وقد عبرت عدة كتابات مغربية وأجنبية على حجم الأضرار التي كانت تتسبب فيها هذه الكوارث. فاليهودي شاول دافييت سريرو وصف مجاعة فاس (1603-1604) ذاكرا .كما ذكر الزياني -بدوره- بعد قرن من الزمان، حول موجة أخرى من الجفاف لحقتها مجاعة
من جهة أخرى، كتب الضعيف الرباطي- صاحب كتاب التاريخ خلال حصاره في مدينة فاس عن الوباء الذي ضرب المدينة في سنة 1799، . وفي رسالة أخرى .
لقد طبعت دورة الجفاف- المجاعة- الأوبئة، والتي كانت تتقاطع نسبيا مع بعض السنوات ذات المحاصيل الجيدة، القرن التاسع عشر منذ بدايته. وتمثلت هذه الكوارث الطبيعية في وباء الطاعون القادم من الشرق العربي (بين سنتي 1798-1800) وغزو الجراد المخرب للمحاصيل (بين 1810-1812) وقحط متبوع بمجاعة منذ 1918 ومجاعة (سنة1826) والكوليرا (سنة 1835).
استمر حضور هذه الدورة قائما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ممثلا في كوارث إضافية في سنوات 1850 (مجاعة في الجنوب) وفي 1855 (الكوليرا) وفي سنوات (1856-1858) و (1865 -1866) (انهيار المحاصيل)، في سنتي (1868-1869) (غزو الجراد ومجاعة وكوليرا)، وفي سنة 1876 (جفاف في الجنوب) وخاصة بين 1878و 1884 (جفاف ومجاعة وأوبئة مثل : داء الجدري والكوليرا والحمى الصفراء). ثم في سنة 1888 ( الجدري ) وبين سنوات ( 1891-1892) (1894-1895) جفاف.
خلفت هذه الكوارث تراجعا كبيرا في عدد السكان ( المقدر بين 4 و 6 ملايين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر) وحصول هجرات في اتجاه المناطق المفترضة أنها أقل تضررا. كما تسببت في اضطراب نظام ملكية الأراضي وتقلبات في الأسعار. وبصفة عامة أفقرت المدن والبوادي.
محمد كنبيب