هل نعاديه؟ هل نتهجم عليه؟ هل نتجهم له؟ هل نغير من مشاعرنا بإزائه؟
أم تظل السماحة، ونبل السلوك، وعظمة الخلُق، هي شأنَ المحاور مع من يحاوره إذا عرض عليه الإسلام ودعاه إليه فلم يستجب؟
لقد وفد "التنوخي" سفير هرقل إلى النبي وهو بتبوك بردٍّ على رسالة وجهها إليه فتلقى الرسالة ثم سأل السفير: ممّن أنت؟ قال: من تنوخ() فقال : هل لك في الإسلام: الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟ فقال السفير: إني رسول قوم، وعلى دين قوم، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم()، فضحك رسول الله أو تبسم ثم قال: (صدق الله) ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: ٥٦)
ثم قال: يا أخا تنوخ! إن لك حقاً، وإنك رسول فلو وُجدت عندنا جائزة (هديّة) جوزناك بها؛ إنا سَفْر مُرْمِلون.
والمرمل هو من نفد زاده كأنه لصق بالرمل، كما يقال للفقير: التّرِب، أي الذي التصقت يده بالتراب، كناية عن الفقر والمسغبة،
فنادى عثمانُ قائلاً: يا رسول الله! أنا أجُوِّزه، ففتح رحله فإذا هو يأتي بحلة: كسوة كاملة، فأعطاها سفير قيصر، ثم قال رسول الله : أيكم ينزل هذا الرجل ضيفاً عنده هذه الليلة. ليستأنف عودته في الصباح؟ فقال فتى من الأنصار: أنا يا رسول الله! فقام الأنصاري، وقام السفير معه إلى منزله.
***
أي سماحة تلك التي قابل بها النبي اعتذار سفير هرقل عن قبول دعوته للدخول في الإسلام؟! سيما وقد كشف له أنه دين الحنيفية ملة أبيه إبراهيم؟! وفيه ما فيه من الإغراء للتنوخي أن يرجع عن دينه إلى الدين الخاتم وقد كان هذا هو جوهر هذا الحوار بل هذا هو ما ينبغي أن يكون جوهر كل حوار: أن تدرس الفكرة المطروحة وما له صلة بها ثم يكون الرجوع إلى الرأي أو عنه بالقناعة الكاملة، دون إلزام أو إجبار.
ولهذا لما قال الرجل: إني رسول قوم، وعلي دين قوم، لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم أي كما خرجت سفيراً لهم ولعقيدتهم ثم أنظر الأمر لم ير النبي في ذلك بأساً بل تبسم ضاحكاً، وبين أن المرء ما دام قد أدى ما عليه من الدعوة والبيان فإن خَلْق الهداية ووقتها إلى الله عز وجل ولذلك تلا قوله تعالى:﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
والرائع حقاً مع هذا – أن يعتذر النبي أن رسول قيصر له على المسلمين حق الإهداء، فلو وجدت هدية لأهداها له، وهنا يتبارى الأنصار والمهاجرون في إهداء ضيف رسول الله فأما المهاجرون فناب عنهم عثمان وفتح رحله وأهداه الحلة، وعندما قال أيكم يضيف هذا الرجل الليلة؟ نادى منادي الأنصار: أنا يا رسول الله! علىّ ضيافته.
أرأيتم يا أمير المؤمنين! إلى هذه المباراة الودية بين الأنصار والمهاجرين أيهم يسبق إلى إكرام ضيف رسول الله الذي اعتذر عن الدخول في الإسلام حتى يعود إلى قومه، ويدرس الأمر على رويّة؟
ماذا يكون السلوك الحضاري مع المسيحي أو اليهودي الذي لم نعرض عليه الإسلام من مثل الزميل في الدراسة، أو الجار في السكن أو الشريك في التجارة، أو الصاحب في السفر.. الخ، ألا ينبغي أن تكون المعاملة لهؤلاء مثل معاملة الرسول وصحابته لسفير قيصر من باب أولى؟ وألا تقل إن لم تكن تزيد؟
Date de publication