بعد أن جاء نصر الله والفتح، وطهر البيت الحرام، ودخل الناس في دين الله أفواجا كان لابد من تطهير شبه الجزيرة مما بقي فيها من مراكز الشرك والوثنية.
وفي ربيع الأول أو الآخر من السنة التاسعة من الهجرة وجه الرسول عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه في مائة وخمسين فارساً سرية إلى بلاد "طيىء" لهدم صنمها (فُلِس) سار إليه ودمره وأحرقه، فانتصر له عُبَّاده، ونازلوه في معركة شرسة فهزمهم شر هزيمة، وغنم نَعَمهم وشاءهم، وسبى منهم سفّانة أخت عديّ وبنت حاتم الطائي: الجواد المشهور، وعاد عليّ رضي الله عنه بما غنم وسبَى إلى المدينة، وقد بلغ رسولَ الله نبأ فرار عدي إلى الشام، وأخذِه أهله إلا أخته التي جعلت في حظيرة خاصة بباب المسجد كانت السبايا يحفظن فيها ريثما يصدر القرار النبوي بشأنهن، فمرّ رسول الله فقامت إليه سفّانة – وكانت امرأة جزلة : ذات فصاحة بليغة، تتمتع بشجاعة أدبية، يكتنفها حياء وقور – فقالت: يا رسول الله! هلك الوالد، وغاب الوافد()، فامْنُنْ عليّ؛ منّ الله عليك، قال: "ومَنْ وافدك؟" قالت: عدي بن حاتم، قال: "الفارّ من الله ورسوله؟!" ثم مضى رسول الله وتركها؛ لعَلّ ذلك لتفكر فيما نعت به رسول الله أخاها، وكيف تدعه يظل فاراًّ من الله ورسوله وهو عندها وعند نفسه ذو دين؟! وذو التزام بهذا الدين؟!.
وتستطرد "سفانة": حتى إذا كان الغد مرّ بي، وقد أيست، فأشار إلىّ رجل من خلفه؛ ربما يكون قد استشعر استعداده ليمنّ عليها، ولهذا قال لها: قومي فكلميه. تقول سفانة: فقمت، فأعدت عليه مقالتي تلك، وإذا به يقول: "قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك مَن يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك، ثم آذنيني".
وكادت تطير فرحاً وسروراً بعد أن غشاها من اليأس ما غشي!!.
وحادثت نفسها: أهكذا يكون تكريم الإسلام ونبيه وصحابته للمرأة؟ يمنّ عليها النبي بغير فداء، ثم لا يرضى أن تجوب الفيافى والقفار حتى تجد من قومها الرفقة التي تثق بها أن تبلغها مأمنها من بلادها؟!
حينئذ سألت عمن يكون الرجل الذي أشار عليها أن تكلمه أن يفرج عنها؟ وعرفت أنه عليّ بن أبي طالب، وأدركت أن سباءه لها لم يكن يعني إذلالها ولا استرقاقها ولا الطمع فيها ولا في مالها، فها هو يسعى أن تعود إلى بلادها معززة آمنة؟!
ولم يُضع المسلمون وقتاً؛ فقد كان شأنهم مع الأسرى أن يكرموهم، وأن يعرضوا عليهم الإسلام بمحاسنه، دون أن يفرضوه بتكاليفه وشعائره، وشرح الله صدر "سفانة" للإسلام فاعتنقته عن قناعة، بعد أن عرفت عن مبادئه ما رغبها فيه، وبعد أن كرمها رسول الله هو وصحابته بما لم تكن تتوقع، فأقامت مرفوعة القامة بين أخواتها المسلمات حتى قدم ركب من "بليّ" أو من "قضاعة" فأخبرت رسول الله بذلك وهي تقول: لقد قدم رهط من قومي فيهم ثقة وبلاغ، وتكْمِل: فلم يقف سخاؤه ونداه عند هذا الحد؛ لقد كساني وحملني (أهداني الراحلة التي سأسافر عليها، ثم أهداني قطعة من تبر(أي من ذهب) فيها عشرة مثاقيل()).
وخرجت معهم راحلة إلى الشام.