وحين نلحظ سياق بعض الآيات الكريمة في التجادل والتحاور ندرك أن الجدال يأتي بمعنى الحوار، وأن الحوار يأتي بمعنى الجدال.
وذلك ما يستبين في أولى آيات سورة المجادلة، وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: ١)
تفسير المجادلة بالمحاورة:
ومعنى تجادلك في زوجها، تراجعك الكلام، وقرئ (تحاورك) أي تسائلك. وهي قراءة عبد الله بن مسعود (قد سمع الله قول التي تحاورك في زوجها). ففي هذه القراءة تفسير المجادلة بالمحاورة، والقراءة المشهورة تؤكد ذلك؛ حيث جاء في آخر الآية سماع الله للتحاور، وهو ما جاء في أولها بمضمون التجادل.
***
وما دام الحوار يقوم على المراجعة فالشأن في المحاوِر أن يراجع قلبه وعقله قبل أن يطرح ما يريد أن يطرحه، أو قبل أن يَحكم على طرح محاوِره، كما أن الشأن في المحاوِر أن يراجع ذاكرته العلمية أثناء الحوار، ولهذا ينبغي أن يُدَقَّق فيمن يختار للحوار بحيث يكون موائماً لما يفوض في الحوار فيه كالمعلم والفقيه والمفتي والقاضي والسفير والمفاوض وغيرهم.
والحواريون في اللغة هم الذين أُخلصوا ونُقّوا من كل عيب، قال أبو منصور: وتأويله في الناس: الذي قد روجع في اختياره مرة بعد مرة فوجد نقياً من العيوب.