
يتمحور العدد 454 من مجلة دعوة الحق حول مأسسة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن سياق "الدولة الحديثة"، منطلقاً من رؤية "خطة تسديد التبليغ" الهادفة إلى تجويد الخطاب الديني وترشيده؛ وفيما يلي افتتاحية هذ العدد؛
افتتاحية العدد
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فالحمد لله الذي منّ علينا بنعمة القرآن وجعله هدى ورحمة للأنام، وداعياً إلى المحبة والتناصح والسلام، وآمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر والآثام، حيث شرف الله به أمة محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، لقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
ومعلوم أن المعروف هو ما أقره الشرع ودعا إليه، والمنكر ما رده الشرع ونهى عنه، إلا أن الآيتين المذكورتين أعلاه صدرتا بلفظي (تأمرون)، و(يأمرون) بصيغة المضارع، فهل يدلان بإطلاق على الوجوب كما في عبارة الإمام النووي: "وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة"، وقبله ابن حزم الذي ورد عنه: "اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
إن المتفق عليه عند أهل العلم هو العمل بمبدأ "واجب الوقت" الذي بمقتضاه تتنزل الأحكام بتحقيق المناطات، والنظر في المآلات، والنأي عن التقول في شرع الله بدافع الأهواء والشهوات؛ لأن الشريعة إنما جاءت من أجل إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً، وهذا لا يتأتى إلا بوازعي القرآن والسلطان لتستقيم به قاعدة المعروف والنهي عن المنكر في سياق الدولة الحديثة.
وبإمعان النظر في كل ما ذكر، يتضح أن تعدد الهيئات الرسمية، والمديريات الجهوية، وكل أجهزة الدولة معنية بمناصرة المعروف ومناهضة المنكر عملاً بالمساطر القانونية الجاري بها العمل في مختلف الجهات الوطنية، لأن مدار قيامها بمهامها منوط بجلب المصالح للمواطنين ودرء المفاسد عنهم، وتوجيه النظر إلى قواعد تبليغ الدين، وترشيد التدين الرصين، القاضي بدرء الفتن عن المواطنين عملاً بتوجيهات مولانا أمير المومنين حفظه الله، القائمة على حماية الدين ورعاية مصالح المسلمين، وسد الذرائع في وجه المتطاولين الخائضين في شؤون المكلفين، عبر الخطب الدعوية والفتاوى الشرعية، دون إذن شرعي أو سند قانوني.
إنه نظام الدولة الحديثة الذي يستدعي مأسسة القطاعات، وهيكلة كل المؤسسات، للقيام بما نحن فيه تحت القيادة الرشيدة لمن ولاه الله تعالى أمر الشؤون الدينية والدنيوية، مولانا أمير المومنين نصره الله.