يؤرخ مقال الأستاذ يزيد الراضي -المنشور بمجلة دعوة الحق (1)- للجذور التاريخية الأولى للتعليم العتيق في المملكة المغربية، ويربط نشأته بالفاتحين العرب الذين وازنوا بين نشر الدين الإسلامي وتبليغ علوم الشريعة واللغة العربية.
ويوضح المقال كيف أقبل المغاربة على هذا التعليم بنهم شديد، لتتطور مؤسساته تدريجياً عبر العصور؛ فانطلقت من مساجد العبادة ورُبُطِ الجهاد التي كانت فيها حراسة الثغور وحماية حياض الوطن وظيفةً أصلية ومكملةً لدور المسجد التعليمي والروحي، ثم تعززت هذه المنظومة في القرن الخامس الهجري بظهور الزوايا والمدارس كـ"مدرسة الصابرين" بفاس، والتي أسهم السلاطين والأعيان في تشييدها.
وينتهي هذا التأصيل بتصنيف المدارس العتيقة قديماً إلى ثلاثة أنواع رئيسية: مدارس قرآنية للتحفيظ، ومدارس علمية لتدريس العلوم الشرعية واللغوية، ومدارس مختلطة تجمع بينهما.
وينتنقل النص ليتناول البنية التنظيمية والتربوية داخل هذه المؤسسات، مسلطاً الضوء على "مركزية الفقيه" ونظام "المشارطة" كعقد يربطه بالقبيلة لإمامة المسجد وتدريس الطلاب.
ويسرد الكاتب الشروط المتطلبة في هذا الفقيه، والمتمثلة في أربع كفاءات أساسية لضمان أهليته: علمية، ودينية، وخلقية، وتربوية.
كما يفصِّل المقال، في البرنامج الدراسي اليومي الصارم الذي يستغرق النهار وجزءاً من الليل، مقسماً الطلاب إلى ثلاث فئات (مبتدئين، ومتوسطين، وشادين) تدرُس متوناً تتناسب مع مستوياتها العلمية, معتمدين على اللوح الخشبي والقلم القصبي لتحصيلٍ يستغرق عشرين مادة دراسية تشمل القراءات والفقه والنحو والفلك وغيرها.
ويختم الأستاذ الراضي باستعراض الخصائص الفريدة والرسالة السامية لهذا التعليم؛ حيث يتميز بانطلاقه من الحفظ المتقن للقرآن، والجمع بين الحفظ والفهم، وبناء رابطة روحية وأبوية متينة بين الفقيه وطلابه.
ويبرز المقال الدور الأخلاقي والتزكوي العميق لهذه المؤسسات التعليمية، بواسطة توجيه تربوي، من ثمراته إشعار الإنسان بضعفه وحاجته الدائمة إلى خالقه، مما يسهم في كسر شوكة الكبر والغرور لديه، ويعود به إلى رشده ووعيه وتواضعه الإنساني.
كما يجلي المقال على الأهمية الاستراتيجية للتعليم العتيق في تزويد الأمة بالأطر الدينية المؤهلة، وترسيخ ثوابت الهوية المغربية واختياراتها بما يحمي الوحدة الوطنية ويحقق الأمن والاستقرار.
ويخلص إلى أن هذا النظام قد أدى رسالته بكفاءة عالية على مستويات متعددة، مؤكداً حاجة المغرب المستمرة إليه، مع ضرورة تحديثه وتطويره لمسايرة مستجدات الحياة المعاصرة.
مقال الأستاذ اليزيد الراضي من مجلة دعوة الحق حول التعليم العتيق في المملكة المغربية قديماً
(1) . دعوة الحق السنة السابعة والستون، العدد 449، ربيع الأول 1446هـ/سبتمبر 2024م