تغير وجه الغرب الإسلامي بمجيء المرابطين المنتمين لقبائل صنهاجة الصحراء. فحلت الوحدة السياسية والدينية التامة محل التمزق السياسي الذي كانت تشكله الممالك الصغيرة منذ انهيار الخلافة الأموية في الغرب الإسلامي وانتقال الفاطميين إلى الشرق.
فقد نجح المرابطون (نسبة إلى الرباط الذي تلقوا فيه التربية والتدريب استعدادا لتأسيس الدولة) في المغرب أولا ثم بعده في الأندلس، في توحيد ضفتي المتوسط ابتداء من عام 1090م. وبهذا التوحيد تعمقت الروابط المختلفة بين المنطقتين، وبدأت الحضارة الأندلسية المغربية تبرز وتتعمق شيئأ فشيئأ.
وكان من أقل سمات هذه الحضارة أنها مزجت بين العناصر الأمازيغية والعناصر الأندلسية مزجا خلاقا ومنسجما. ومن المؤكد كذلك أن مجيء المرابطين قد وطد المذهب المالكي بالغرب الإسلامي تحت تأثير علماء القيروان وقرطبة، بعد معاناة عسيرة مع الخلافة الشيعية للدولة الفاطمية.
وقد قام عبد الله بن ياسين، المنتدب من وجاج بن زلو اللمطي بتوصية من الفاسي، بإخضاع السكان إلى تكوين ديني وعسكري صارم. وبعد مدة قصيرة توصل بدعوة من شيخه
وجَّاج لفتح سجلماسة على إثر فتحه لهذا المركز التجاري الصحراوي سنة 446هـ الموافق لـ 1055م، وكان قد فتح قبل ذلك مركز أودغشت، انفتحت أبواب المغرب الأقصى أمام قوة المرابطين. فقد أخضعوا على التوالي، درعة، وماسة، وأغمات التي اتخذوها عاصمة أولى لهم سنة 450هـ موافق 1058م.
وإذا كان المرابطون قد سيطروا بسهولة على الجنوب، فإنهم واجهوا صعوبات كبيرة في السيطرة على الشمال. فقد كانت التنظيمات السياسية في الشمال أكثر إحكاما من قبل البرغواطيين الذين فقد القائد عبد الله بن ياسين حياته في إحدى المواجهات معهم.
ولما بقي أبو بكر بن عمر وحده في أعلى الهرم لتسيير أمور الحركة، أصبح يفوض الشؤون العسكرية شيئأ فشيئأ لابن عمه يوسف بن تاشفين. وقد تمكن هذا الأخير من فرض سيطرة المرابطين على البلاد الواسعة التي تمتد إلى طنجة في الشمال وإلى الجزائر في الشرق. وكان نجاح هذه الحملات العسكرية وكذلك السمعة الطيبة التي أصبح يتمتع بها النظام الجديد عند علماء الأندلس وعند ملوك الطوائف المهددة بضغط المسيحيين، المهماز الحقيقي الذي جعل هؤلاء يطلبون مساعدة المرابطين. ويعتبر الانتصار الكبير في معركة الزلاقة سنة 479هـ موافق 1086م و بداية تدخل المرابطين في الشؤون الأندلسية.
وبعد رحيل يوسف بن تاشفين سنة 1106م، ترك لابنه علي إمبراطورية آمنة واقتصادا غنيا بفضل التجارة الصحراوية، وعملة قوية، حتى إنها كانت مطلوبة في مجموع نطاق البحر المتوسط، بل وخارجه كذلك. ولما كان الأمير الجديد علي من أبناء الأندلس، فقد شجح المبادلات الفنية من كل نوع مع الضفة الشمالية.
ولا شك أن العلاقات مع الأندلس كانت قد وصلت إلى أوجها في عهده. غير أن هذا الاستقرار قد تزعزع تدريجيا منذ العقد الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي، في المغرب أولا، مع مجيء الحركة الموحدية التي عبأ فيها ابن تومرت، وبعده عبد المومن بن علي، قبائل مصمودة الجبال ليخوض حرب استنزاف قضت على السلطة المرابطية بعد أن تمكنت من فتح مراكش سنة 1117م.
كما أن الصعوبات العسكرية التي واجهها المرابطون أمام المسيحيين في الأندلس كشفت عجزهم عن ضمان أمن هذه البلاد. وعلاوة على ذلك، فقد بدأ الأندلسيون والمغاربيون يشكون في قدرة علماء المرابطين المالكية على تجديد فهمهم للدين إذ كانوا على نوع من الفهم الحرفي.