
ألقى الأستاذ أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية محاضرة علمية، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط تحت عنوان: "الدراسات الإسلامية إلى أين؟" مقترحا تعديلات في برنامج الدرسات الإسلامية ومبرزا أهمية إدراج درس البيعة في تاريخ المغرب ضمن البرنامج الدراسي.
نص المحاضرة العلمية الدراسات الإسلامية إلى أين؟ التي ألقاها السيد أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية:
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الأكرمين
أشكر السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية على دعوته لي لهذا اللقاء، وربما صادفت دعوته هوى في نفسي لأزور هذا المنزل الذي ترددت عليه باستمرار، طالبا ومدرسا، وترسمت في نفسي به ذكريات غنية لمدة ربع قرن من حياتي، والحنين إلى المنازل تعلمناه مما كنا نحفظه من شعر العرب كقول القائل:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسِقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراةِ لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمأَل
والواقع أن لي في اقتراح هذا الموضوع غاية أخرى تتعدى الوقوف على الديار والحنين إلى المنازل، غاية تتصل بهمومي في مشاغلي الحالية، ذلك أنه، وكما هو طبيعي، لا يمكن لمن له علاقة بتدبير شأن الحياة الدينية لعموم الناس ألا يسأل عن مواقع منابر تدريس الدين ومحلها من إعراب جمل هذا الشأن، أفعالها ومصادرها ونعوتها والفاعلين فيها والمفعول بهم في صفوفها. لأن هذه المواقع لا مُقام لها في خير الحياد، فإما أنها معينة على ذلك المرام، وإما أنها عائقة له على مراداته ومطامحه، وإما أنها مواسية لهمومه مسعفة لأوهامه.
كانت هذه الكلية كلية آداب وعلوم إنسانية منذ أن حلت محل معهد الدراسات المغربية العليا بعد الاستقلال، وفي عام 1964 قُدر لي أن أدخل إليها طالبا في شعبة التاريخ، كنت معلما رسميا، وكان علي، لكي أحافظ على مرتبي مدة الدراسة، أن أتعاقد مع المدرسة العليا للأساتذة لأدرِّس في التعليم الثانوي ثماني سنوات بعد التخرج، وكان في المدرسة العليا أستاذ يقرر في التوجيه، وطلبت أنا وصديقي المرحوم علي صدقي أزايكو تخصص الفلسفة في الرتبة الأولى ثم التاريخ والجغرافيا في الدرجة الثانية والأدب العربي في الدرجة الثالثة، وقد تم توجيهنا إلى التخصص في الاختيار الثاني أي التاريخ والجغرافيا، وعلمنا في ما بعد أن اختيار الفلسفة لم يُعط للطلبة غير المعروفين من أمثالنا، وإنما تم تخصيصه لبعض الطلبة الذين كانوا في الثانوي مؤطرين في انتماء نضالي معروف. لا يستطيع طلبة هذه الأيام في الدراسات الإسلامية أن يتصوروا السياق الذي أتحدث عنه، ولكنهم يستطيعون أن يتأكدوا أن الحميّات التي تُبعد بعض الطلبة عن الاعتدال، ستُوَّلي كما توَّلت حميات أعوام الستين والسبعين من القرن العشرين.
كان عميد الكلية عندما التحقت بها هو الفيلسوف المرحوم محمد عزيز الحبابي، وعندما غادر العمادة في أواخر أعوام الستين أخذ ينظم سلسلة محاضرات بمدرج الشريف الإدريسي حول مستقبل مختلف العلوم، بهذه العناوين: علم الاجتماع، إلى أين؟ الفلسفة، إلى أين؟ الطب، إلى أين؟ إلخ. وكانت المحاضرات باللغة الفرنسية وعناوينها من قبيل: Où va la géographie ? Où va la sociologie ? Où va la médecine ? ،الخ.
وكان المنظم نفسه يمزح ويسمي سلسلة محاضراته الأُوفاوات. وحتى لا أتيح لأحد هنا أن يتهمني بالابتداع، أذكر أنني لم أفعل غير أن نسجت على مثال عميدنا المرحوم عندما أعنون هذا الحديث: الدراسات الإسلامية، إلى أين؟
وقبل أن أبين دواعي هذا التساؤل أقول إن الدراسات الإسلامية، إذا كان المقصد، منها تعلم الدين وتعليمه، فإن الدوافع إليها تختلف بين الذين يريدون تعليم هذا الدين وتعليمه من أجل التدين، وبين الذين يريدون تعلمه وتعليمه لأغراض غير التدين.
ومهما يكن فالمقصود بالدراسات الإسلامية في هذا الحديث هو التعليم والبحث في شعب الدراسات الإسلامية بكليات الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعات المغربية، والكليات الأخرى التي انحدرت إلى هذه الجامعات من جامعة القرويين الأصلية، وهي كلية الشريعة وكلية أصول الدين وكلية اللغة العربية، ومؤسسات جامعة القرويين الحالية، وبعض المعاهد العليا للتعليم العتيق. فموضوع الاختصاص في هذه الشعب كما هو معروف هو علوم الدين الإسلامي.
قبل إنشاء الجامعات العصرية كانت هذه العلوم تدرس بجامع القرويين بفاس وجامع ابن يوسف بمراكش وفي بعض المدارس في الشمال والجنوب. وكان الذين يلجون جامع القرويين وجامع ابن يوسف هم الطلبة الذين حفظوا القرآن الكريم في المساجد في المدن وفي البوادي على الخصوص أو زادوا عليه بعض المتون ومبادئ العلوم الشرعية، وكانت الدراسة في الجامعين هي المنتهى، وتستغرق في الغالب سنتين في الابتدائي، وست سنوات في الثانوي، وسنتين أو ثلاث في العالي الذي يسمى بالنهائي، وفي هذه المدة تدور الدراسة حول القرآن الكريم والحديث النبوي وما يستنبط من الأصلين من فقه وعقيدة ثم آلات هذا الفهم والاستنباط وهي اللغة العربية وعلومها والأدب وشيء من المنطق والتاريخ والتوقيت. وإذا أتم الطالب المسار فهو يتخرج حاملا لشهادة العالمية، وبها يبدأ مساره كعالم في الشريعة، وقد يغلب عليه ميل إلى فن من الفنون.
يشتغل هؤلاء المتخرجون من النظام القديم مدرّسين أو قضاة أو محتسبين أو عاملين في بعض الخطط العمومية، وهم على العموم مرجع الناس في أمور الدين بالوعظ والفتوى والخطابة في المساجد، وتمثل قمة هرمهم المرجعية فيما كان يسمى ب"مشيخة الجماعة"، وهي مركزية بالحضرة إلى جانب السلطان، وإما على مستوى المدن والجهات، تقوم إما عن تنصيب أو اعتراف من الأقران ومن الجمهور بالتبعية، وذلك عن استحقاق يقوم بالضرورة على شرطي العلم والورع والهيبة التي يراعيها العلماء ويتبعهم الجمهور. والعلماء في هذا النسق الذي درج عليه المغاربة في تاريخهم هم الذي كانوا يكتبون بيعة السلطان ويوقعونها قبل غيرهم. وقد كانت نسبة كبيرة من الطلبة لا تنتهي إلى العالمية بل تغادر اضطرارا في مستوى من المستويات، ومن هؤلاء كان العدول والكتاب في الدواوين وبجانب الولاة على اختلاف درجاتهم، كما كان منهم بعض المعلمين في مدارس القبائل والزوايا.
ويتميز تأطير هؤلاء العلماء للناس في حياتهم الدينية بأنه كان يجري وفق ثوابت الأمة في العقيدة والمذهب، وهو واقع لم يسبق على امتداد القرون أن وُضع موضع تساؤل، كما يتميز جل العلماء بأنهم أصحاب انتماء لطريقة من طرق التصوف. ولم يكن هذا التأطير من جهة العلماء وفق الثوابت ينفي معرفة بعضهم بالمذاهب الأخرى وتناولهم لمسائل الاجتهاد والمقابلة على مقتضى ما يسمونه بالخلاف العالي.
أما في العهد القريب منا فلا يخفى أن العلماء قد تميزوا بقيادتهم للحركة الوطنية، وبتأسيس بعض الأحزاب السياسة بغاية المطالبة بالاستقلال، ثم بغاية الإسهام في الحياة السياسية بعد الاستقلال، وبالرغم من معرفتهم للحركات القائمة ببلاد المشرق وتجاوبهم مع حركات المسلمين في المحن والنضال وفي الفكر الإصلاحي، فإنهم ظلوا على اعتزاز كبير بما أسهم به الاجتهاد المغربي في علوم الشريعة وفي الحضارة الإسلامية، وهذا لا ينفي ميلا إلى المشرق راجعا إلى مشاعرهم الطيبة النابعة من ورعهم الديني ومحبتهم في منابع الدين المكانية ومنازله. هذه هي صورة التعليم الديني قبل الاستقلال وفي العقد الموالي له.
غير أنه طرأت في العقدين الأولين بعد الاستقلال وقائع وتطورات تهم ما نحن بصدد الحديث عنه من شأن الدراسات الإسلامية، وهي وقائع تدخلت فيها عوامل داخلية وعوامل خارجية، فمن العوامل الداخلية توسيع التعليم وتمدرس العدد الكبير من التلاميذ في سن الطفولة، وانتشار الأفكار المسماة بالعصرية أو التقدمية، وارتباط التعليم بالشغل في مجالات كثيرة غير معروفة من قبل. أما العوامل الخارجية التي لها تأثير في الداخل فهي التوجهات اليسارية العالمية والشيوعية من جهة أولى، والأفكار القومية الآتية من الشرق الأوسط من جهة ثانية، وسعي بعض التيارات إلى أن يكون لها نفوذ ثقافي وسياسي باسم الدين داخل المغرب، إما بكيفية مباشرة أو بواسطة بعض الخريجين من معاهد أجنبية، من جهة ثالثة.
حدثت في أعوام الستين من القرن العشرين أمور جديرة بالذكر بالنسبة للدين وبالنظر إلى التوجه السائد في تلك الظروف، وهذه الأمور صادرة عن الإمامة العظمى من زاوية الحفاظ على الثوابت وحماية الدين، ومنها تجديد مراسم البيعة في اليوم الثاني لعيد العرش، ومنها إدخال صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله ولي عهده الأمير سيدي محمد الكتّاب القرآني، وما جرى تبعا لذلك من افتتاح مئات الكتاتيب القرآنية في ربوع البلاد، وقد كان عددها من قبل في تراجع، ومنها تنظيم الدروس الحسنية وإذاعتها بواسطة الإذاعة والتليفزيون، ومنها تأسيسه رحمه الله لدار الحديث الحسنية، نظرا لما للحديث الشريف من مكانة في نفوس المغاربة ومن علاقة بصيانة ثوابتهم الدينية.
لابد من التذكير هنا بأن الحركة الوطنية بالمغرب كانت رافعة شعار السلفية، سلفية لا أحد كان يرى فيها ما يزاحم الثوابت التي تديَّن بها المغاربة عبر القرون، إلا ما كان من مواقف سلبية لبعض أعلام هذه الحركة من "التصوف" بسبب نُسب إلى بعض أدعيائه، وكانت لهذه المواقف عواقب في الضمير العام لأنه ظهرت معممة للظاهرة الصوفية من حيث هي، ولعل الأستاذ علال الفاسي، وهو نفسه سليل زاوية صوفية تاريخية قد شعر بذلك الأثر الاجتماعي والفكري وأراد أن يصلح ذلك الميزان بالمحاضرات التي ألقاها عن تصوف الأخلاق بمقر وزارة الثقافة في أوائل أعوام السبعين.
شهدت هذه الحركة الوطنية السلفية التي كان الأستاذ علال الفاسي من أساطينها، شهدت في أوائل أعوام الستين انشقاقا على مستوى التنظيم السياسي أسفر عن تياسر عدد من الشخصيات التي ولدت سياسيا في رحم حزب الأستاذ علال رحمه الله، وكانت الحركة الاحتجاجية النقابية والطلابية التي عرفتها كلية الآداب، ولاسيما بين 1965 وعام 1973 بقيادة التيار المنشق عن الحزب. ومعلوم أن اليسار المتطرف في ذلك العهد كان يرى في الدين على صعيد العالم مظهرا لما كان يسمى بالرجعية، ويرى أن الدين آيل إلى الانقراض بمعاول حركة التقدم التي لا رجعة فيها.
ولعل هذا المنظور هو ما جعل التيار اليساري في المغرب وهو المتمثلة قيادته في بعض المثقفين العصريين وفي جماهير من المنضوين في نقابة ذلك الوقت، وما جعل، إلى حد ما، التيار الليبيرالي المتمثلة نخبته في ثلة قارئة من أبناء البورجوازية الحضرية في الغالب، في موقف مشترك يتجلى في ما كان يبدو عليهما من عدم إيلاء وزن للدين في حياة المجتمع كخميرة سياسية أو قوة قابلة للتبلور بقدر ازدياد المتخرجين من المدارس العمومية من أبناء الطبقات الدنيا والمتوسطة، وهذا التقدير الخاطئ هو الذي بدأ يخلق المفاجآت للتيارين معا ابتداء من أعوام السبعين من القرن العشرين.
في سياق أعوام الستين وأعوام السبعين كانت كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس منخرطة بمعظم أساتذتها وبثلة جد نشيطة من طلبتها في جو من الأدلجة السياسية المستوحية من اليسار العالمي، وكانت هذه الكلية قاطرة حركة الإضرابات في الجامعة، وفيها كانت القيادة النقابية للمدرسين والطلاب في معظم الأحيان، وبسبب نشاط وصل بالجرأة إلى مواجهة الدولة عام 1973وقعت نكبة في كلية الآداب، وتمثلت في نقل عدد من الأساتذة إلى معاهد أخرى وتعيين عمادة ملتزمة بتطبيق سياسة الدولة.
في هذا السياق الجديد الذي انحسر به نشاط اليسار في الجامعة وفي كلية الآداب على الخصوص تهيأت الظروف للتيار السلفي الوطني للسعي لإنشاء شعبة لتعليم الدين بكلية الآداب والعلوم الإنسانية باسم " شعبة الدراسات الإسلامية "، وإن كان التأسيس قد تأخر بضع سنوات. وبالرجوع إلى صحافة ذلك التاريخ يمكن الاطلاع على المناوشات الإيديولوجية التي دارت بهذا الصدد.
هذا لأقول إن شعبة الدراسات الإسلامية في هذه الكلية نشأت في مخاض سياسي وإيديولوجي عسير، وبقطع النظر عن كل خلفيات المتدخلين في ذلك الحراك، يمكن القول بأن هذه الكلية كانت من باب الإنصاف المحض بحاجة إلى شعبة لتعليم ديني إلى جانب العلوم الإنسانية والآداب، فأقل ما يقال هو أن إنشاءها هو ضرب من تعديل كفة مائلة.
كنت شخصيا شاهدا على كل هذه التفاعلات طالبا وأستاذا، وأتذكر أنه طلب مني تدريس مادة التاريخ بهذه الشعبة أول إنشائها، وتحرجت نظرا لشحنة الانفعالات المحيطة بالمشروع، ولكنني قمت سنوات فيما بعد بهذا التدريس. وكلما تذكرت هذه الوقائع أزداد اقتناعا ببعض الأمور منها أن أزمة النشوء ظلت على ما يبدو مسيطرة على الشعبة في كونها لم تدخل في كنفها بعض العلوم الإنسانية التي يتم تدريسها عند الجيران، ومنها أن الجيران لم يشعروا بالحاجة إلى إدماج بعض المواد التي تدرس بشعبة الدراسات الإسلامية، ومنها الخطر المحتمل من ضياع ذاكرة الميلاد التي يكون استحضارها مبعث يقظة كاملة للوقاية من الإسهام في أي نوع من أنواع التطرف، والحالة أن الشعبة قد وجدت لتعديل ذلك الميزان.
كانت التسمية التي ولدت بها الشعبة هي " الدراسات الإسلامية "، وهي تسمية مترجمة مما درجت الجامعات الغربية على تسميته ب "Islamic Studies والتسمية هنالك تصدق على البحث أكثر ما تنطبق على برامج التعليم. والمهم هو أن مضمون البرامج في هذه الشعبة هو تعليم الدين كما كان يعلم من قبل على وجه التقريب، القرآن والحديث وما يستنبط منهما وما يعين من الآلة على هذا الاستنباط. غير أن الذي يختلف هو أن تعليم الدين في بلد مسلم كالمغرب هو كما سبق أن ألمحنا هو بقصد الاستجابة لحاجة المتدينين في التأطير الديني، وهي حاجة أساسية وماسة، وتوفير الاستجابة لهذه الحاجة من التزامات الإمامة العظمي ومن واجباتها، فما هو أصل هذه الحاجة وما هو المرجع في هذا الواجب؟ هذا ما سنحاول أن نجيب عنه أولا، أي أننا قبل أن نتساءل: "الدراسات الإسلامية إلى أين؟" علينا أن نتساءل: الدراسات الإسلامية، من أين؟ إن التوجيه لهذه الحاجة أمر مركزي في القرآن الكريم وفي كل ما جاء فيه حول واجب الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام فيما يتعلق بالتبليغ، ومنه قوله تعالى في سورة الجمعة:
"هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، وآخرين منهم لما يلحقوا بهم..
إن لهذا التأصيل مقتضيات مركزية تهم الدراسات الإسلامية في السياق الإسلامي،
والتذكير بهذا التأصيل في معرض كلامنا هنا منطقي بحكم أن رواد الدراسات الإسلامية اليوم هم مقبلون بالأساس على تخصص اطرد عند المسلمين أن يتخرج به العلماء، وحيث إن العلماء هم ورثة الأنبياء فإن هذه الوراثة هي وراثة في التبليغ، وموضوع التبليغ هو المبّين في الآية المذكورة والعين بأربع مهمات هي تلاوة الآيات والتزكية وتعليم الكتاب وتعليم الحكمة.
لا نجد عند المفسرين واسع اجتهاد في شرح هذه الآية، فغاية ما ورد عندهم أن الأميين المبعوث فيه هم العرب الذين ليس لهم كتاب يقرؤونه، وقال بعضهم: الأميون العرب من كتب ومن لم يكتب، أي أن الله بعث رجلا أميا في قوم أميين، ولكن الرازي على عادته أكبر غورا حيث قال: الأميون الذين هم على ما خلقوا عليه، يقصد الفطرة، ووصف الرسول بأنه "منهم" هو وصف للقرب وفيه ما يُبعد من توهم الاستعانة فيما أتى به بالكتابة، وقال القرطبي: مشاكلة حاله لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم، وقال ابن كثير: تخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم.
وقالوا في قوله تعالى "يتلو عليهم آياته": هي آيات القرآن يقرؤها عليهم، والآيات هي التي تظهر منها الأحكام الشرعية ويتميز بها الحق من الباطل.
أما في قوله تعالى "ويزكيهم " فقد قالوا: يطهرهم من دنس الكفر والشرك وخبائث الجاهلية وينمي فيهم الخير ويصلحهم ويدعوهم إلى ما يصيرون به أزكياء أتقياء، والمقصود تزكية النفوس.
وقالوا في قوله: " ويعلمهم الكتاب ": يعلمهم كتاب الله وما فيه من أمر ونهي وشرائع.
وقالوا في الحكمة: السنة، وقال بعضهم هي الفرائض.
الذي يقتضيه هذا التأصيل أن الطالب في الدراسات الإسلامية يتأهل بدراسته ليكون عالما وارثا للنبي في تبليغه رسالته، في مهماتها الأربع المعينة: تلاوة الآيات والتزكية وتعليم الكتاب وتعليم الحكمة. وحيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت للعرب وحدهم فتفسير الأميين بأنهم العرب لا يستغرق كل أبعاد القصد، والذي يقارب ملامسة هذا القصد هو الرازي الذي قال إنهم الذين هم على ما خلقوا عليه، ونفهم منها أنهم على الفطرة، وحيث إن الغاية من الآية هي بيان شيء عظيم وهو تفصيل المهمات الأربع للرسالة : تلاوة الآيات والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة، فإن هذا البيان لا يوازنه ما اشتغل به المفسرون من التنصيص على المعجزة وإبرازها في أن يعلم أمي أميين، فالفهم الذي ينبغي أن ننصرف إليه في هذا العصر هو جوهر القضية وهي ما يستنتج من كون يبلغ لأميين واضحا مبينا للجميع، لا يحتاج معه الذي يتلقاه إلى علم سابق يؤهله لفهمه، وكذلك كان الأمر حيث فهمه من بلغ إليهم وعملوا به. والذي ينبغي التركيز عليه بهذا الصدد هو أن المبلغ فيما بعد، وهو وارث الرسول، يفترض فيه أن يبين الدين لجميع الناس دون اشتراط مؤهلات فيهم ما عدا ما يقتضيه التكليف من العقل والإدراك السليم. ولكن الذي يحتاج إلى التأهيل هو القائم بالتبليغ إذ هو لا يمكن أن يكون أميا يؤهل لأنه ليس رسولا، وإنما هو وارث لعلم الرسول الذي لا تفهم معه الأمية على أنها ضرب من عدم العلم. فيقتضي المنطق أن يتساءل مبلغ اليوم ما هي الحكمة من النص في الكتاب على أن الرسول عليه الصلاة والسلام نبي أمي مبعوث في أميين، فلو كان الأمر مجرد الإعلام بعدم القراءة أو الكتابة لما احتيج إلى إخبار بواقع ينطبق على الجل ولا ينطبق على الكل، كما لا يجوز أن يُفهم أنه إخبار بالنقص، فالحكمة هي أن الأمية في حق النبي هي حالة الاستغناء عن تعليم البشر بالقلم، أما في حالة المبلغ إليهم ثم في حالة المذكورين في ما بعد بقوله تعالى: " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم " أي كل من بلغهم الإسلام من الأمم إلى يومنا هذا، فإن الحكمة تتعلق بمقتضى تبليغهم وهم في عداد العامة ولو كانوا متعلمين لعلوم ومهارات في ميادين أخرى. فحق هؤلاء على المبلغ التزام البيان وعدم التعقيد، لأن علم الدين قابل للتأويل وفي الحالات القصوى فالدين يزاحمه علم الفلسفة، فلا يقدر كل الناس أن يطيق التأويل مع الاطمئنان ولا يقدر إلا النادر منهم أن يجمع بين المعتقد الديني والنظر الفلسفي، بينما يستطيع الجمع بينهما خاصة الناس، لذلك ألف الغزالي كتابه " إلجام العوام عن علم الكلام"، وألف ابن رشد بالخصوص كتابه " فصل المقال"، وفيه النص على موجبات الرفق بعموم الناس من تبعات الخلاف.
كتب ابن رشد " كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" ليدافع عن حق الفلاسفة في تأويل الشرع على ضوء المنطق، شريطة ألا ينكروا أصلا من أصول الدين، فهو يقول إنه لا يمكن تكفير الفلاسفة إذا اجتهدوا، ولكنه يضيف القول إن الشرط في استخدام هذا الحق هو عدم التصريح بالتأويل لمن هو ليس من أهله، لأن من فعل ذلك فإنه يُدخل الشك في عقول العامة من الناس، والشك غالبا ما يؤدي إلى الكفر فيكون المصرح بالتأويل سببا في كفر الآخرين الذين لا يفهمونه، وحيث إن تأويل الفلاسفة يكون في ضوء المنطق.
وأتوقف عن إيراد فكرة ابن رشد لأقول بين قوسين: إن دراسة الفلسفة والمنطق شرط لطالب الدراسات الإسلامية في هذا العصر، والمنطق المطلوب دراسته اليوم من هذا الطالب لا يمكن أن يقتصر على المنطق الأرسطي الذي هو جيد لفهم بعض اشتغالات علماء المسلمين، ولكنه غير كاف لفهم كثير من القضايا الفكرية المستجدة في مناهج العلوم الدينية والإنسانية ولفهم بعض أسئلتها التي لم يفكر فيها من قبل.
أعود إلى ابن رشد حيث يذكر أن الكثيرين من الصدر الأول كانوا متفقين على أن للشرع ظاهرا وباطنا، وقد جاء الشرع متفقا مع الأغلبية التي تصدّق بالخطابة والجدل ولا تتطلب البرهان، لكن التصريح بالتأويلات أدى إلى انقسام المسلمين وتناحرهم والعهدة في ذلك على كل الذين جروهم إلى هذا الوبال. مع العلم بأن الصدر الأول في الإسلام صار إلى الفضيلة والتقوى بدون تأويلات، ومنهم من وقف على تأويل فهم فلم يصرح به، وذلك خلاف من أتى بعدهم، لذلك قل إيمان هذا الخلف وكثرت فرقهم. ولما كان التأويل يقوم على الحكمة، وهي المنطق، فالخطر يمكن أن يأتي ممن يسيء استخدام الحكمة فتنقلب الحكمة عدوة للشرع بدل أن تكون له صاحبة.
إن القصد من الاستشهاد بابن رشد في هذا السياق هو دعوة طلاب الدراسات الإسلامية إلى الوقوف على أمثال هذه النصوص ومعرفة تشريح الخلاف في تاريخ المسلمين السياسي ثم الفكري والعقدي، وإلا فمن الواجب التنبيه إلى أمرين: أولهما أنه لم يعد بالإمكان تحقيق ما طلبه ابن رشد، وهو السكوت عن التأويل أو الاحتفاظ به أو إخفاؤه، وإنما المطلوب هو التكوين المتين لأفواج من علماء الدين الخريجين من الدراسات الإسلامية حتى يتوفروا على عُدة ملؤها العلم والعزم والنباهة والحكمة ينيرون بها طريق عموم الناس، وذلك بعد اكتساب المصداقية التي تجعل العامة ينصتون إليهم، وهي مصداقية لا يمكن اكتسابها بالخروج عن الثوابت، لأن العامة لا تحب الفتنة وإن كانت ضعيفة أمام الأساليب الخطابية التي تدعو إلى المخالفة، وما أكثرها اليوم في منابر الدعاية لأنواع المتزعمين، وثاني الأمرين هو أن المواجهة اليوم لم تعد مع حكماء الفلاسفة الذين ناقشهم ابن رشد من نظار المعتزلة أو فحول الأشاعرة أو الحكماء من أمثال أبي حامد الغزالي، بل صارت المواجهة مع الجهل والانتحال والتطرف.
وأود بعد ابن رشد أن أستشهد بمفكر آخر يتحدث عن الموضوع ذاته وهو الرفق بعامة الناس في التبليغ، ويسميهم هو أيضا ب" الأميين "، وإن كانت الترجمة الفرنسية للمصطلح الذي استعمله يمكن أن تكون هي " الجهال" Ignorants، إنه الفيلسوف الهولندي الشهير باروخ سبينوزا المتوفى عام 1677م. توقف عند الموضوع خاصة في كتابه "الجامع في اللاهوت والسياسة" Traité Théologico-politique »، وفيه يقول في عبارة مماثلة لعبارة ابن رشد، وقد يكون سبينوزا، في رأي الأستاذ على بنمخلوف، قد اطلع على فلسفة ابن رشد من خلال كتابات ابن ميمون ، يقول سبينوزا : الأميون من لا وصول لهم إلى الحكمة العقلانية أولا ثم الحدسية ثانيا والذين يعيشون على الخيال. وغالبية الجنس البشري من العاجزين عن الحكم العقلي مستبعدون من النجاة. ثم يقول لا يكفي أن يقال إن الدين سائر إلى الاضمحلال بسبب تقدم العلوم العقلية، بل لابد من التوقف عند الدين لتفسير أصله وكيفية اشتغاله ونموه وضرورته التاريخية التي يمكن بها أن يصبح قابلا عقلانيا للتفسير. فالانفصال بين الشريعة والفلسفة انفصال جذري، وليس هناك لا حكمة ولا معرفة سببية يمكنها أن تقول بنجاة الأميين حتى جاء بها المسيح الذي قال بنجاتهم بالطاعة. وهكذا يمكن تبرير الدين بضرورة سلوك عادل، فهناك ركنان يمكن أن يقوم عليهما نظام اجتماعي حيث يمكن للأخلاق السياسية أن تستمر في ظل ما يتيحه الدين والسياسة من استقرار، فكلاهما يعتمد العقل، ولكنه يشتغل وفق سجل خاص، فالدين والسياسة ينبغي أن يعضد أحدهما الآخر وأن يتشكل أحدهما وفق الآخر من أجل الوصول إلى جو اجتماعي غير عنيف يمكن أن يكون فيه العلم والفلسفة جذابين.
وهكذا ففكر سبينوزا في هذه المسألة يدور حول تقديس السياسة وتسييس المقدس من أجل توازن اجتماعي هدفه تحييد الآثار الانفعالية والتخفيف من آثار الطاعة العمياء. وتعقيبا على ما فكرة سبينوزا بخصوص النجاة أو الخلاص مقابل الطاعة في المسيحية نشير إلى أن القرآن الكريم يخبرنا بأن النجاة مقترنة بمحبة متبادلة بين العابد والله عبر اتباع الرسول في قوله تعالى: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".
تتصل هذه الاستشهادات من سبينوزا بمشكل عويص في ذهن المسلمين يتعلق بعلاقة الدين بالسياسة، مشكل له علاقة بالتبليغ ودور العالم والواعظ، وهو إشكال لا شك بأنه سيتوارى عندما يصبح الأميون في المجتمع أقل من عشرة بالمائة، ويكون المتعلمون على درجة عالية من الثقافة، لأن الأمي الفطري الخالص، إن كان موجودا، فإنه لا يعاني انفصاما في ضميره بين الدين والسياسة لأنه يدرك بفطرته حاجته في العيش إلى سياسة نافعة، أما المتعلم الرديء فهو خائف قابل للاستلاب. فليست بعثة الأمي في الأميين على سبيل الاشتراك في الفطرة وحدها وإلا فحكم الرسول هو المبين في آيات الذكر الحكيم ومنها قوله تعالى في سورة التوبة: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم..."
أتينا بالاستشهاد من " كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" لأنه سائر في اتجاه الرحمة بالأميين الفطريين الذين نزل فيهم الإسلام وجاء الآخرون الذين لحقوا بهم، الأميون الذين هم ما يزالون بيننا وهم كل من ليس متخصصا في الدين، أي كل من عهدته على الخريجين مما نسميه اليوم بالدراسات الإسلامية. ثم أتينا بالاستشهاد من سبينوزا لأنه يتناول دور الدين في الاستقرار السياسي، ويكون الأمرين ممكنين مع المبلغ الفطن والسياسي العارف بالمصالح التي تتوقف عليها السياسة.
بعد الحديث عن مقتضيات تدبر البعثة للأميين بالنسبة لطالب الدراسات الإسلامية، وبيان أنها قبل كل شيء مسئولية إرشاد الأميين بصدق وأمانة وشفقة، نمر إلى المهمة النبوية الثانية وهي التزكية، ولعلها بيت القصيد في المهمات الأربع، إذ بها يتم التأهيل للعمل بالآيات، ومنها التأهيل لتعلم الكتاب وللرقي في مدارج الحكمة. فهذه معادلة تظهر فيها خصوصية نبوته صلى الله عليه وسلم، وقلما توقف عندها المهتمون بالدراسات الإسلامية، فالذي يتبادر إلى منطقنا العادي هو أن الترتيب يكون هكذا: تلاوة الآيات ثم تعليم الكتاب ثم تعليم الحكمة ثم التزكية، ثمرة للمهام الثلاث السابقة، ولكن هذه الحكمة النبوية البانية لدينامية التغيير في الإنسان قد قدمت التزكية، فما هي التزكية يا ترى؟ إن مدار تفسيرها عند أهل الفن هو التطهير من الشرك، فإن أُخذ هذا التفسير على ظاهره يجعلنا نظن هذه المهمة انتهت بانتهاء عهد النبوة، لأن كل من ولد من أبوين مسلمين واتبعهما هو موحد لا يحتاج إلى التزكية من الشرك بالله. والواقع أن من قرأ السيرة وحياة النبي وبعثه ونقله الذين اتبعوه مما وُصف في القرآن بالضلال المبين، يدرك بالوقائع أن الأمر يتعلق بثمرة هذا العمل المسمى بالتزكية والمتجلي في خلق إنسان جديد، فالتزكية هي التأهيل إلى هذا الفلاح الذي جعل له القرآن شرطا هو الوقاية من شح النفس، في قوله تعالى "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"، فتكون التزكية هي انفعال بالوازع وتحول بتأثير وجاذبيته وعنصره محبة تنقل من الذات إلى الموضوع، من الهوى إلى الإيثار ، إيثار الأخرى على الأولى، محبة الله ورسوله أكثر من سواهما، وهذا التغيير هو الذي بهت له المعرضون المعارضون حيث قالوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنه ساحر. فيقتضي المنطق أن يتعلم ورثة التبليغ من أهل الدراسات الإسلامية شيئا من أسلوب هذا السحر، بالصدق والأسوة والمحبة قبل الخطابة، وحتى لا يبقى فهم التطهير من الشرك حسب ما فسرت به التزكية أمرا غامضا أو غير مطلوب فينا نحن الذين نولد ونسلم مقلدين فالمبلغ قادر على أن يأتي للناس ببيان عملي يوضح التزكية متجليا في أمرين اثنين أساسيين هما محاسبة النفس والإقبال على العطاء، قال تعالى: فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى.
لم ينطل هذا البيان على المسلمين حتى ندعي اكتشافه اليوم، فمنذ عهد الصحابة إلى وقت التابعين إلى يومنا هذا عرف المسلمون تيارات تكرست للتحقق بالأمرين ثم تحقيقهما وهما المحاسبة والتعبد بالنفع والعطاء، فالسالكون على هذا النهج هم أهل الورع والزهد، أُلصق ببعضهم نعت "التصوف"، وأثار هذا الوصف ما أثار من الجدل والمحن والنكران، ولكن حقيقته كطريقة لليقظة إزاء تسلل الشيطان من هوى النفس وقيامه على ضرورة لزوم الذكر خشية مغبة النسيان وجعل غاية الذكر هي استحضار الأصل في خلق الله وأمره وعبادته في نفع خلقه، هذه الحقائق لم ينكرها أحد، وهي حاضرة حتى في "كتاب التصوف" للشيخ تقي الدين ابن تيمية، ولا غرو في أن يشتهر عن هذا الشيخ انتقاداته لكثير من المظاهر التي صاحبت الأفراد والجماعات المنتمية إلى التصوف، لأن هذا الأمر تصاحبه الأحوال، وهي بالنسبة للظاهر ليست كلها مما يمكن فهمه أو العفو أو السكوت عنه.
دعيت، ولم أتمكن من الحضور عام 1998، لندوة عالمية بجامعة أوتريخت نظمها فريديريك دو جونك وبيرندت رادتكي وكان موضوعها:
" معارضة التصوف الإسلامي "، وقد نُشرت أعمالها في مجلد ضخم عند بريل عام 1999 تحت عنوان Islamic Mysticism Contested، ومن قراءتها يتبين أن أسباب الزوابع في تاريخ الإسلام حول التصوف أمور منها على الخصوص أربعة: 1) أن العامة انخرطوا فيه ولم يكن تأطيرهم على ما ينبغي في جميع الأحوال، 2) أن بعض المحتسبين من الفقهاء لخوفهم أو ضيق وسعهم لم يعترفوا لهؤلاء العامة بحقهم في تدين فيه جانب من التعبد المصحوب بالانفعال والخيال مع صدق النوايا، ويعرف في الكتابات الغربية ب"التدين الشعبي" 3) أن بعض المنتقدين من العلماء لم يميزوا في الصوفية بين العرفانيين النظريين وبين التربويين العمليين القائمين على التزكية؛ 4) أن بعض العرفانيين نشروا في الناس بضاعتهم المستغلقة القابلة للانفجار، وأن مجرد الخوف على العواقب قد يبرر التحامل ولو كن الفهم العالي لا يقبله، وهذا النموذج هو ما نجده في أطروحة سيريل شودكييفيتش، وهي عمل رائع في تحليل قراءات الشيخ ابن تيمية لمفاهيم محي الدين ابن عربي، وعنوانها Les premières polémiques autour d’Ibn ‘Arabi : Ibn Taymiyya.
أولا نظن أن هذه الأطروحة القيمة قد وجدت طريقه إلى النشر. فما هي مقتضيات ما ذكرناه على الدراسات الإسلامية؟ نرى لذلك خمسة مظاهر:
أولها: ضرورة تخصيص حيز من التكوين للتزكية باعتبارها من الإرث النبوي عند المبلغين وإعطاؤها موقعها المركزي لأنها السبيل إلى التغيير؛
ثانيا: إدارة أمر التزكية فهما وعملا على محاسبة النفس وترجمتها بالعبارة المفهومة في هذا العصر وهي التحرر من الأنانية؛
ثالثا: تدريس التصوف في برامج الدراسات الإسلامية، الجنيدي في المستويات العادية، والعرفاني في المستويات العليا؛
رابعا: تدريس السلوك الصوفي في تاريخ المغرب، في أبعاده الروحية والاجتماعية؛
خامسا: تخصيص حصص في الأعمال التطبيقية لمحاسبة النفس وفق بيداغوجية تضعها جماعة من العلماء؛
سادسا: تخصيص خمس مدة التكوين في الدراسات الإسلامية للعمل الميداني على مستوى الإجازة، للخروج زرافات ووحدانا إلى الميدان لنفع الناس في المدن والبوادي نفعا مقرونا بوازع القرآن والسنة، نفعهم في أعمال تتمثل في أداء الحقوق وتنمية خصال العطاء إما بإتيانها أو التحريض عليها.
بعد أن رأينا بعض مقتضيات التأصيل نذكر بعض مقتضيات التنزيل، التنزيل في سياق زماني هو الحاضر والمستقبل وسياق مكاني هو المملكة المغربية ومحيطها الإسلامي والعالمي، وجوانب هذا السياق ستة هي:
- السياق الأول وهو السياق السياسي/الديني، ويتعلق بالإمامة العظمى التي هي حامية الملة والدين، فيفترض في الدراسات الإسلامية منطقيا أن تكون جزءا من هذا النسيج ودرعا من دروع هذه الحماية، وأول ما يستوجب هذا الارتباط أن تكون الإمامة العظمى موضوع درس في تكوين الدراسات الإسلامية، اعتمادا على بعض مصنفات المغاربة في "الإمامة العظمى"، كما يقتضي هذا المنطق أن يكون في برنامج الدراسات الإسلامية درس يتناول البيعة في تاريخ الإسلام وفي تاريخ المغرب على الخصوص حيث بقي المغرب البلد الذي يحتفظ بنظامها سواء من جهة كونها تكتب من طرف العلماء الذين يوقعون عليها أو من جهة كونها تعاقدا مكتوبا على أساس التزام المبايع بالكليات الشرعية شرطا لقيام مشروعيته أو من جهة تجديدها من فوق منابر الجمعة أو تجديدها كل عام بحضور ممثلي الأمة. فليس من الإنصاف حرمان طلبة الدراسات الإسلامية من هذا الصنيع السياسي الغني ذي المضمون الكوني الذي يستند إلى الدين والحالة أن أهل الحضارات الأخرى ما فتئوا ينظرون إلينا ويعاملوننا كبدائيين في أخلاق العلاقات السياسية.
إن الإمامة العظمى قمة هرم بقية المؤسسات الدستورية التي لا يجوز أن يغيب علمها عن الدراسات الإسلامية، فالذي يُفترض فيه أن يعالج جسدا لابد أن يعرف مكوناته وكيفية اشتغاله وكيفية فهم حركاته والإنصات إلى آلامه، وإلا كان تدخله في جسم خيالي أو جثة ماتت منذ غابر العصور. ومخاطر علاج النفوس أعظم من مخاطر علاج الأبدان، ومن ثمة يتعين أن يكون مما ينبغي أن يفقهه طلبة الدراسات الإسلامية وقائع التاريخ التي جعلت طوائف من المسلمين تنفر من السياسة ومن الحكام منذ حركة الخوارج، بالرغم من أن صلحاء الأمة من العلماء المؤسسين لهذا العلم المستنبط ما تصوروا الجماعة إلا بإمام ترجع إليه سياستها. وما زال عندنا بعض الكارهين للدين وعلمائه يلمزون العلماء بنسبتهم إلى "المخزن" أي الدولة، وما زال في الضفة الأخرى بعض المدخولين بالفكرة الخارجية يبدي ما يشبه موقف أولئك، ولعل لأبي حامد الغزالي نصيبا في هذا الميل لما تكلم عن علماء السوء، ولكن كل كلام لابد أن يفهم في سياقه الخاص ودواعيه.
ومن المؤسسات الدستورية مؤسسة العلماء، وفي كنفها المعنوي والفعلي يُتصور منطقيا أن ينضوي العلماء المؤطرين للدراسات الإسلامية والمتعلمين فيها انضواء ورع وتبجيل واستمداد، ولا يتصور أن يؤطر في الدراسات الإسلامية في علوم الدين غير علماء الدين المتشبعين بثوابت الأمة، ومشروعيتهم في النهي عن المنكر في مجال الدين مؤصلة في الحديث الشريف الذي جاء فيه: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ". وبالرغم من تحسين البعض لهذا الحديث وتردد البعض فيه، فإننا نراه صادقا مطابقا لما عانى منه المسلمون من التشويش على الدين في التاريخ وصادق على وقتنا على الخصوص، إذ أن الأصناف التي ينبغي أن ينفى تأثيرهم عن الدين وعلمه، حماية للعامة على الخصوص، هي هذه الأصناف الثلاثة: الغالون أي المتطرفون والمبطلون ومنهم من نسميهم بالعدميين والجاهلون.
والتوقف ضروري في هذا الحديث على وصف العلماء المنتظر منهم هذا الدور ب "العدول" أي الذين لا يميلون مع الأهواء والتحزبات، فسياستهم هي سياسة الأمة لا سياسة الاجتهادات داخل المجتمع. ولذلك فإن شعار "مشيخة العلماء" في المملكة المغربية، وهي المتمثلة في المجلس العلمي الأعلى، هو شعار " عالم الأمة "، ومعناه في أدبيات اليسار المناضل، مثلما عند كرامشي، هو مفهوم " المثقف العضوي"، ولا نحتاج لهذه المماثلة مع ما في ثراتنا من أوصاف طبقات العلماء الخادمين للأمة المضحين من أجلها، ومثال عالم الأمة الخطيب الذي ينصت إليه الناس يوم الجمعة، يحضر إليه الناس من عشرات الاجتهادات في تصور المشاكل والحلول الاجتماعية ولكنه لا يحدثهم إلا بالمشترك الجامع فيما ينفعهم جميعا من أمور الصلاح والتقوى. والعلماء مرتبطون ارتباطا عضويا بالإمامة العظمى، وكذلك يفترض أن يكون المنوط بهم تعليم الدين الذي هو لخدمة الأمة في مستوى الأمة بمؤسساتها، وعلى هذا الأساس يصعب فهم الفقرة الواردة في ورقة منسقي شعب الدراسات الإسلامية المجتمعين في الجديدة عام 2018 حيث جاءت جوابا عما سمته بسؤال الهوية أي هوية الدراسات الإسلامية هكذا: " على هذا المستوى ترسخت اقتناعات ترى ضرورة التمييز بين ما تؤطره إمارة المؤمنين عبر المؤسسة العلمية وغيرها من المؤسسات المرتبطة بوزارة الأوقاف والتي لها الاختصاص وحدها في تحديد الاختيارات الدينية الكبرى للمملكة وأجوبة الدين المتعلقة بالمذهب وما إلى ذلك، وبين المؤسسات الجامعية والمراكز البحثية والتكوينات وضمنها الدراسات الإسلامية التي تناقش الأديان وتفاعلها مع الفكر والمجتمع".
- السياق الثاني وهو السياق العقدي، وهو إطار الثوابت التي اختارها المغاربة باجتهادهم وتوارثوا العمل بها، وهي مبنية على الاعتدال، فإذا وقف أمام طلبة الدراسات الإسلامية مدرس يتكلم عن "الأشعرية" بخصوص أمور تتعلق بعلم الكلام وما دار حولها بين المتكلمين، فلابد أن يعلم ذلك المدرس أن تلك الأمور الكلامية لا تهم عامة الناس، وإثارتها أو ترويجها مبعث الضرر بالأميين، وإنما الذي يهم المغاربة من الأشعرية في هذا الوقت على الخصوص هو براءتها من الجراءة على التكفير واتهام الناس بعضهم بعضا بالكفر.
- السياق الثالث وهو سياق الحرية، وتأصيلها في القرآن قوله تعالى: "ألا إكراه في الدين"، فعلى مستوى الفرد يضع المبلغ نصب عينيه أن يحقق كل شخص حريته الحق بالتوحيد، وأن يعفي بذلك الجماعة والمجتمع من كل أضرار العبودية للنفس، أي اتخاذ الهوى إلها وهي عبودية يترتب عنها الظلم بأنواعه، ولكن تحقق الحرية بالتوحيد ليس هو الغالب في أحوال الناس، لذلك فهم بحاجة إلى العدل لتصح عبادتهم كما أنهم بحاجة إلى الحرية ليتحقق العدل بينهم، وهذه الحرية العامة يحميها ويحمي منها القانون. فالمبلغ الدارس لعلم الدين يتهيأ للإسهام في سعادة الناس من منظور هذه المفاهيم. على أن سهولة إمكانيات التواصل الاجتماعي تتيح للغالين وللمبطلين وللجاهلين أن يشوشوا على الدولة وعلى العلماء وعلى ثوابت الجماعة، مستغلين تراخيا في الحرية وانشغال الدولة بأمور كثيرة، ولو كان الانسجام المطلوب في ذات العلماء بمن فيهم القائمون على الدراسات الإسلامية بحيث يقومون بنفي تشويش أولئك بالحجة لتحققت المناعة الجماعية إلا من بعض المهووسين الذين ينصح العلماء الناس بالإعراض عنهم.
- السياق الرابع وهو السياق الأكاديمي: ويقتضي ملاءمة برامج الدراسات الإسلامية للمتطلبات والانتظارات، وذلك بالتأهيل لفهم الإسلام في ضوء ما ينشر عنه، وهنا أشير إلى أن الفهرس المعروف ب Index Islamicus قد نشر، إلى حد الآن، ما يزيد عن ستمائة ألف موضوع بحث عن الإسلام، تسعون بالمائة منها باللغة الإنجليزية. ولو سلمنا بالطابع الاستثنائي للدراسات الإسلامية وفق ما ينتظر من المبلغين المؤطرين من تأهيل الناس للحياة الطيبة لاستتبع ذلك شروطا من الناحية الأكاديمية تتمثل في شروط الولوج سواء من حيث الكفاءة أو الاستعداد المعنوي، ومن هذه الشروط تخصيص مدة طويلة للتكوين وصرامة في التأطير، وهذا عكس ما يلاحظ على صعيد هذا التكوين في بلدان الإسلام.
- السياق الخامس، وهو السياق الاجتماعي، والمقصود به أساسا هو منافذ الشغل بعد التخرج، وهي في الوقت الحاضر محدودة بالنسبة للعدد الكبير من الخريجين، فالمشغلون العموميون هم التربية الوطنية التي تحتاج لمدرسي التربية الإسلامية، أي حوالي 350 في السنة، ووزارة الأوقاف والشئون الإسلامية التي تتعاقد مع 250 من المرشدين والمرشدات كل عام، أما الآفاق الأخرى للشغل فهي مرتبطة بما ذكرناه في السياق الأكاديمي، إذ أن فتح الدراسات الإسلامية على مواد أخرى كالجغرافيا والديموغرافيا وعلم الاجتماع والإحصاء والمنظمات الدولية والكومبيوتر والصحافة، بالإضافة إلى القدرة على القراءة الجيدة والكتابة بلغتين أجنبيتين وامتلاك ناصية تحليل الأفكار، يمكن أن يؤهل خريجي الدراسات الإسلامية إلى عدد كبير من إمكانات الاشتغال، هذا كله في انتظار أن يبرهنوا بتأطير العلماء على دورهم في تقريب الناس من الحياة الطيبة، وهو الباب الواسع المجهول لحد الآن للتنمية عن طريق الوازع، أي التزكية، فهنالك أموال كثيرة تخصص للتحسيس والتعبئة والوقاية، يستطيع طلاب الدراسات الإسلامية أن يستحقوها بامتياز .
- السياق السادس وهو السياق العالمي، إذ لنا ارتباطات دينية وعاطفية وعلاقات بهذا العالم الواسع الذي يقترب منا مؤثرا كل يوم، ومعرفته، لاسيما بمعرفة تاريخه وأحواله مصدر إلهام وتأهيل محققين لطالب الدراسات الإسلامية، ولو كان من هؤلاء الطلبة من حفظ القرآن الكريم وحصل على الإجازة بشرط إتقان العربية ولغتين أجنبيتين لكان هذا العالم الخارجي مفتوحا لعشرات الآلاف منهم كل عام بالرغم مما يلوح من هواجس إغلاق الحدود في وجه المسلمين، ولكن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو إدراك طالب الدراسات الإسلامية لحقيقة ما يجري في هذا العالم، نظرا لكثير من الالتباسات، ويبقى المسلم المتبصر أقدر من غيره عن الفهم ، أي أبعد عن الانتحار الذي هو العيش بلا معنى. فبقدر ما يزيد العنف ضد المسلمين بقدر ما ينبغي أن يتحملوا مسئوليتهم بخصوص الواقع الرديء والموقع السفلي لهم في التحلي بقيم الدين، بقدر ما يبقى الإمكان الخالد لأن تظهر في هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس. على أن بيت القصيد في هذا السياق هو أن النظام الذي يحكمه وهو نظام السوق يزيد من شره فئات من الناس ويزيد من حنق الذين لا يجدون ما يشبعون به هذا الشره، والحالتان تزيدان كل يوم من صعوبة المبلغ في إعمال الوازع وتحصيل الاستجابة.
ينطبق جل ما ذكرناه على التكوين العادي في الدراسات الإسلامية، أما البحث في هذه الدراسات فلا يمكن أن يكون إلا امتدادا لمستوى الإجازة التي تأسس عليها بمعنى أن التكوين الضعيف في مستوى الإجازة يحكم جودة المراحل الموالية، وسنشير إلى جانب البحث بإيجاز في الداخل ثم في الخارج.
إن المدة الملائمة لتعميق التكوين في الدراسات الإسلامية هي أربع سنوات في الإجازة وأربع في الماستر، لا تكرس لكتابة البحث فيها إلا أشهر من السنة الرابعة، لأن كتابة عشرين صفحة رصينة كافية لإظهار قدرة الطالب، وهي خير من تخسير الكاغيد تطويلا فيما لا فائدة منه. أما في السنوات الثلاث الأولى من الماستر فتتعين دراسة اللغات القديمة والأديان الأخرى والمذاهب الفلسفية الإسلامية والغربية والتاريخ الإسلامي والغربي بمنهجية نقدية، وكل هذه السنوات الثمان إنما هي توطئة لحياة تكرس للعلوم الدينية والحكمية. أتذكر أن أستاذنا سيدي محمد المنوني رحمه الله قد قال غير ما مرة إنه عندما تخرج مع زمرة من الطلبة من جامعة القرويين بدرجة العالمية عام 1944 جاء الخريجون وفدا إلى الرباط للسلام على شيخ الجماعة سيدي المدني بن الحسني، ولما جلسوا في قبة بداره دخل عليهم وقال لهم أول ما قال: "ياك ما اتصاحبكم وليتو علما؟"
إن التكوين المتين في الدراسات الإسلامية بكامل العدة المذكورة يؤهل للبحث الرصين في وسط زمرة الباحثين في ذات التخصصات في العالم، لأن الشرط في البحث الاستقصاء من أجل التراكم وتجنب التكرار سيما إذا كان متبوعا بالنشر في الوسائل التي يعم بها الاطلاع، فعلى سبيل المثال أعرف أن سيدة لي بها بعض القرابة قد أنجزت بحثا للدكتورة في علم الجينات بإشراف مختبر بفرنسا، وعندما قدمت نتائج تجاربها للمناقشة قال لها أستاذها المشرف إننا أرسلنا البحث إلى مختبرات في شمالي أمريكا فجاء الجواب بأن النتائج التي توصلت إليها مسبوقة هنالك، ولكن الطريقة التي توصلت بها إلى تلك النتائج مبتكرة تستحقين بها أن تناقشي وتتوجي بالشهادة المطلوبة، ويصدق نفس المنطق على العلوم ا لأخرى حتى لا تبقى تكرار لا فائدة فيه أو ذات طبيعة محلية. إن الحكم على البحث في الدراسات الإسلامية لابد أن تتناوله خبرة متخصصة تنتهي إلى توصيف وتحليل واقتراح وتوجيه، وعلى سبيل الاستئناس نذكر ما وقفنا عليه من أنه قد أنجز بهذه الكلية في إطار البحث على مستوى الدكتوراه بين عام 1992 و2007 ما لا يقل عن مائتي بحث، نصفها في الحديث والفقه وأصوله، مع ورود مواضيع تمليها اهتمامات الحاضر في باب الأموال والكليات والسياسة الشرعية والحضارة والأسرة والطفل والصحة والمرأة وحوار الحضارات والديانات المقارنة. ومما وقفت عليه وتعجبت وحزنت أن موضوع أطروحة الأستاذ العربي بوسلهام رحمه الله، وكان طالبا في الفوج الأول في هذه الشعبة ثم صار ذات يوم مدرسا ثم رئيسا للشعبة، كان بحثه في الدكتورة بعنوان: " منهاج الشريعة الإسلامية في التدابير الوقائية وأثره في صحة الإنسان " وقد تقدم به عام 2002. وقد قدر الله أن يموت بوباء كورونا.
أما مواضيع البحث في الماستر والدكتورة من خلال بعض فهارس الدراسات الإسلامية في جامعات أجنبية فإن مؤشر اتها السطحية تعكس إلى حد مّا نوعا من الضحالة الفكرية على صعيد العالم الإسلامي وتعكس ما هو أوخم من ذلك وهو الانفصام بين الدين والحياة، كما أنها تظهر نوعا من التخبط في تصور العلاقة مع العالم، والقصور في فهم أسباب هيمنة الفكر الخارجي والشقاء بالسياسة، كما تُبين عن التكرار العقيم لأسئلة أتي عليها الدهر كالعلاقة بين العقل والنقل وكمسألة الجبر والاختيار، وتعكس رداءة الفهم لعلاقة الدين بالتاريخ والخوف من النقد التاريخي في مسائل مهمة مثل الفتنة الكبرى وما جرى في عهد الصحابة، علما أن ابن خلدون قد ذكر في الموضوع حقائق ناطقة دون أن ينقص ورعه على درى عليه تحرج أهل السنة، ولسبب قلة الاطلاع على الفكر التاريخي الكوني لا يستغرب أن يغيب في الدراسات الإسلامية التصدي للمواضيع المتعلقة بالسيرورات المجهضة في تاريخ المسلمين مثل:
- سقوط النموذج الأول للدولة تحت التأثير الساساني في الدولة الأولى بعد الصحابة؛
- أسباب بقاء القبلية بعوائدها مع أن الإسلام جاء برابطة فوقية جديدة تحل محلها هي التعارف والتقوى؛
- إبقاء الأحكام على المرأة من المنظور القبلي ووفق التقاليد القبلية مع أن الإسلام أحدث ثورة المساواة في الأحكام وقرر للمرأة ما يناسبها من الامتيازات؛
- الإبقاء على الرقيق من منابع الإكراه على سنن الحضارات المجاورة ووقوع بعض الفقهاء في ممالئة النخاسين في ذلك، ولعل ما بقي لي حفظا من منظومة ابن عاصم هو قوله في بداية الباب المخصص للرقيق: بيع الرقيق أصله السلامة؛
- استبعاد التزكية وإظهار العداوة للتدين الشعبي المتمثل في التصوف والحكم بالتضييق على معظمه الرفيع بجريرة إسفاف بعضه الرديء؛
- مسألة تنحيس المكوس، أي الضريبة على التجارة، خدمة للتجار على حساب الفلاحين، وحرمان الدولة بذلك من منافع كبرى كانت سببا للثورة التجارية في أوروبا.
هذه مجرد نماذج مواضيع للبحث ما كان للمتخصص في الدراسات الإسلامية أن يتصدى لها إن لم يقرأ تاريخ الإسلام في ضوء التاريخ الكوني.
أيها السادة أيتها السيدات
إن الدراسات الإسلامية في مستويات التعليم والبحث واقع عالمي، ولذلك فإن إيراد بعض المعطيات عن هذا الانشغال حيث هو أكثر كثافة وهو الجامعات الأمريكية سيفيد في شرح الجواب عن السؤال الذي نحن بصدده.
وأول ما ينبغي ذكره هو أن دراسة الإسلام هنالك، وكما سبق وأن أشرنا، ليست للتبليغ والتدين كما هو الشأن بالنسبة لبلادنا، وإنما هي لغايات تهم المعرفة من جهة وتهم الخبرة في علاقة هذا البلد بالمسلمين من جهة أخرى، وسأعتمد في هذه المعطيات على تركيب وضعه مقدمة لكتاب خصص لهذا الموضوع، الدراسات الإسلامية في الولايات المتحدة، وضعه كل من كارل دابليو وإرنست ريتشارد مارتن بعنوان: "نحو مقاربة لما بعد الاستشراق في الدراسات الدينية الإسلامية".
يؤكد البحث على تضاعف الاهتمام في العقد الأخير من القرن العشرين بالدراسات الإسلامية، حيث تبوأت مكانة غير مسبوقة إلى جانب دراسة الأديان الأخرى بعدما كانت فرعا ثانويا في دراسة تاريخ المسيحية، ويرجع ذلك إلى الأحداث السياسية من جهة وإلى النقاش الأكاديمي من جهة أخرى. فقد ظهر توجه يحرص على فهم أدق للقضايا المتعلقة بالإنسان في الثقافة العالمية السائدة اليوم بعد أن كان ينظر إليها من زوايا الاستشراق وما يسمى بالدراسات الخاصة بالمناطق Area Studies مثل دراسات الشرق الأوسط أو الدراسات الأسيوية. فقد كان هناك صراع إيديولوجي مع العلمانيين والطائفيين الذين كانوا يعارضون إدراج الدراسات الدينية ضمن العلوم الإنسانية، ثم كان هناك صراع آخر فرعي مع الذين كانوا يعارضون إدراج الدراسات الإسلامية ضمن الدراسات الدينية.
وقد جاء موعد فارق في هذا الإشكال مثلته الندوة التي نظمها الوقف الوطني للعلوم الإنسانية وقد تم إصدار أعمال هذه الندوة عام 1985 تحت عنوان " مقاربات لدراسة الإسلام ضمن الدراسات الدينية"
Rethinking Islmic Studies, from Orientalism to Cosmopotalinism وقد شكلت بداية إعادة تقييم النظر للإسلام كموضوع للدراسة.
أما محاولات تجاوز المدرسة الاستشراقية في الدراسات الإسلامية فقد تمثل في بناء نظريات مستندة إلى أفكار مؤرخين وأنتروبولوجيين وعلماء اجتماع وفلاسفة وغيرهم من المنظرين في العلوم الإنسانية، من أمثال ماكس فيبير وجاك كودي وفيكتور تورنر وكليفورد كيرتز وغيرهم، وقد أدى هذا الاستعمال إلى التوصل في بعض مواضيع الدراسات الإسلامية إلى نظريات مخالفة لنظرية الجيل السابق وفي بعض الأحيان إلى نتائج متناقضة معها. وتقوم هذه المنهجية المسماة ب " منهجية ما بعد الاستشراق في الدراسات الإسلامية"، على مجموعة من المنهجيات القائمة على دراسة النصوص المؤسسة وربط هذه النصوص بالتساؤلات والمناقشات المثارة في الكتابات المعاصرة المتعددة التخصصات والمناطق، وكان لمؤرخ الإسلام هودسون بكتابه The Venture of Islam أثر في هذا التوجه حيث انطلق من أن الإسلام حضارة شاملة بقطع النظر عن الثقافة الخاصة لكل بلد دخل إليه، ويشترك معه طلال أسد في نقد المركزية الأوروبية في الدراسات الإسلامية وضرورة فهم المجتمعات الإسلامية بشروطها الخاصة، ودعمت هذا الاتجاه كتابات ألسداير ماكنتاير وما فيها من نقد حاد للحداثة ولفلسفة الأنوار، وقد عززت هذا التوجه أبحاث بروس لورانس حول شيطنة الدين الإسلامي وربطه بالعنف.
أما التوجهات الحالية فتركز على ثلاثة مواضيع هي وجهات نظر إسلامية حول الحداثة؛ ووجهات نظر اجتماعية علمية وإنسانية حول الدين؛ ووجهات نظر ا أسيوية حول الموضوع الإسلامي.
كان لي تدريس لمدة نصف عام من سنة 2001 بكلية علم الأديان Divinity School بجامعة هارفارد الشهيرة، وكان طلبتي في درسين في مرحلة الماستر، جاء كل طالب ليأخذهما لغاية في نفسه، ولا أحد يأخذ الدرسين عن تاريخ الإسلام بقصد تبليغ الدين، ما عدا طالبة تحمل الإجازة في الكيمياء، وتتهيأ لتكون إماما في كنيسة برتستانية في مدينة أمريكية، وكانت تقول لي: "لكي أبلغ المسيحية أحتاج إلى معارف عن الأديان الأخرى، وإن كنت متيقنة بأنني سأؤثر بحكمتي الشخصية أكثر مما سأؤثر بمعارفي". كان كلامها يحزنني وأنا أفكر في حال تأطير التبليغ عند أمتنا. وكانت طالبة أخرى تحمل إجازة في الإسبانية، وقد علمت فيما بعد أنها حصلت على توظيف في وكالة الاستخبارات الأمريكية، وكانت طالبة أخرى ذات شخصية متفردة لها من المؤهلات ما يجعلها تنال من الدنيا كل جوانب الإغراء، وكانت وهي تدرس متكرسة لعمل إنساني روحي، ذلك أنها كانت تحضر مع المرضى في المستشفيات وهم في النزع الأخير حتى يسلموا الروح، تعرف المستشفيات عنوان هذه الطلبة وتناديها بالليل أو بالنهار وقد تركب الطائرة بالليل إلى ولاية نائية.
وبعد، الدراسات الإسلامية إلى أين؟ إذا روعي ما أشرنا إليه من مقتضيات التأصيل والتنزيل، فإن مستقبل الدراسات الإسلامية في المغرب يتوقف على استيعاب مبادئ كبرى تدور قبل كل شيء على الشعور أو البصيرة أو ما نسميه اليوم بالوعي، مبادئ تمكنها من رفع تحديات أساسية، وهي:
- الاقتناع والإقناع بأن الدين كامل ويسير كما ورد بلا تعقيد في التأويل، وأن التدين نسبي مطلوب فيه السعي إلى الاكتمال وأن العبرة بالصحة الدينية للجماعة ولاسيما من جهة المناعة ضد الخبال والفتنة؛
- الاقتناع والإقناع بأن التدين يتوقف قبل كل شيء على الأمن والاستقرار في حياة الجماعة؛
- التبشير بأن الإيمان هو الذي يعطي المعنى للحياة وأن هذه هي الغاية الأولى من التدين؛
- التبشير بأن الحرية لا تتحقق إلا بالتوحيد، وأن هذا التوحيد يتحقق بالتزكية الذاتية لا باستظهار كتب العقائد؛
- ضرورة المطابقة بين المصطلح الأصلي والمصطلح الحادث لإفهام الناس، كأن يتم على سبيل المثال التأكيد على أن القوانين التي تتفق عليها الجماعة، من قوانين المؤسسات السياسية إلى قوانين السير في الطرقات، هي إطار للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينبغي التعبد بإتباع القانون على أنه أمر بمعروف أو نهي عن منكر، مع اتخاذ الأغلبية مرجعا للجماعة وللجمهور؛
- الجزم بأن التبليغ الذي هو مدار علم الدين يقوم قبل كل شيء على القدوة الأخلاقية؛
- الثقة الجازمة بالله تعالى فيما وعد به من الحياة الطيبة بشرطي الإيمان والعمل الصالح وبأنه الوعد الصادق الذي ينبغي السعي إليه في هذا الوقت الذي يشهد البحث عن نماذج التنمية؛
- الوعي بخطورة دور الدراسات الإسلامية في الإفساد المتمثل في الدفع إلى الفتنة إذا لم تُسَدد؛
- الوعي بخطورة دور الدراسات الإسلامية في الإصلاح إذا أسهمت في خدمة كليات الدين داخل الثوابت بالنسبة لتأطير عموم الناس؛
- وضع برنامج تكوين مناسب للأمرين تكون فيه حكمة التبليغ قائمة على المجادلة بالتي هي أحسن وتكون فيه كل مفاوضة بالدفع بالتي هي أحسن؛
- الوعي بأن الدين لا يقوم إلا على اختيارات يقينية وأن اليقين له شروط اجتماعية تتمثل أساسا في الأمن من الجوع والأمن من الخوف، وهما خوفان يستطيع النظر توصيف ضوابطهما حسب المحالات والسياقات؛
- القدرة على تشخيص الحال وما فيه من سلبيات متراكمة في تعامل المسلمين مع الدين؛
- القدرة على تشخيص الحال وما فيه من تفاوت التدين مع الدين حتى كأن الدين اليوم لا أثر له في الحياة بحسب المؤشرات التي تستعمل في قياس الحياة الطيبة في جوانبها المادية؛
- القدرة على تشخيص الحال وما فيه من تفاوت التدين مع الدين حتى كأن الدين لا أثر له في الحياة بحسب المؤشرات التي تستعمل في قياس الحياة الطيبة في جوانبها النفسية؛
- التأهل بالمعارف التي تفيد في فهم الذات الفردية والجماعية، ولاسيما الحاجات التي يساعد توفرها على الاتباع والاستجابة ويدفع الحرمان منها إلى العصيان؛
- التأهل بالمعارف والمناهج التي تفيد في فهم تاريخ المسلمين؛
- التأهل بالمعارف والمناهج التي تفيد في فهم تاريخ الغرب على الخصوص؛
- التأهل بالمعارف التي تفيد في فهم ضعف الإنسان المقصود بالتبليغ، وهي جوانب مفصلة في القرآن الكريم؛
- التأهل بالمعارف التي تفيد في فهم تكريم الله للإنسان واستخلافه له واتخاذ سبيل العدل والحق فرقانا في هذا الباب كما هو حكم الله في أمور الخلق والأمر؛
- اتخاذ الحياة الطيبة للأفراد والجماعة مقياسا لنجاعة التبليغ على مستوى الأمة؛
- اعتبار تخفيض كلفة المعيشة على مستوى الأفراد والجماعة والمجتمع مقياسا أساسيا للحياة الطيبة المشروطة بالإيمان والعمل الصالح.
- اعتبار المبلغ الوفي للثوابت المتمكن بالعدة الإيمانية والعلمية العارف بمحيطه مرشحا فاعلا في التنمية البشرية من جهة التزكية الأخلاقية والروحية.
أيها الأساتذة الزملاء، أيها الطلبة والطالبات الأعزاء، أيها السادة أيتها السيدات، ليست هذه أفكارا ملقاة على عواهنها، بل هي عناصر بنية للفكر والعمل في الموضوع الذي طرحناه، والسؤال الأخير هو: من أين نبدأ؟ والجواب هو: نبدأ من حيث انتهى حكماء الأجداد، ومنهم صاحب "المرشد المعين" الذي قال منذ أربعة قرون ونصف في بداية منظومته:
وبعد فالعون من الله المجيد في نظم أبيات للأمي تفيد
في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك
هكذا كانت شفقة علمائنا على الأمي حماية له بالثوابت، ولو اعتبرنا بهذين البيتين لما احتجنا لجانب كبير من هذا الحديث.
نحرص، إن لم نكن قد فعلنا، نحرص في الدراسات الإسلامية على فهم أهمية تربية الطلبة على التدين وفق الثوابت، ثم نسعى إلى مزيد من تقوية معارفهم وتمتين آلتهم وعدتهم ولاسيما بإتقان اللغة العربية واللغات ذات الأهمية بحسب ما ينشر بها من العلم المتعلق بالإسلام.
لاشك في أنه قد تبين أن هذا الحديث جزء من همي وقد قمت ببثه في هذا اللقاء، وإني فيه بمثابة مبلغ من زاويتي، لأن بعض الفهم الأرجح قد يؤتى إليه مع الصدق من السياسة، ولم أحتج إلى أن أقول لكم في البداية إنني لست متخصصا في أي علم من علوم الدين، ولكن كل ما ذكرته مستقرأ عندي من مواجهة الواقع، من التدبير اليومي و من التعامل مع العلماء والقيمين الدينيين وبعض مؤسسات التعليم الديني ومن مباشرة قضايا تتعلق بالأمن والسكينة في المساجد وتتبع ما يجري في عالم المسلمين ولاسيما أحوال العلماء، وكنت مع ذلك أتناول الكتب، فأنا بتعبير الوقت مكلف ميداني، بعد أن كنت يوما مدرسا للتاريخ في هذه الكلية، والتاريخ الذي هو علمي منهجي مقيد بالآثار، ومن المؤسف أن تأثر المسلمين بتصنيف اليونان للعلوم جعلهم لا يدرجون التاريخ في علوم الملة، ولو كان لي الأمر لجعلته ربع الحصة في الدراسات الإسلامية. ولا تكتفي طوائف من المسلمين بإهمال التاريخ الذي ذكر في القرآن على سبيل العبرة بل إن هذه الطوائف لا تنظر للعبرة في التاريخ الذي جرى للناس في ملك الله بعد النبوة. والقصد الأخير هو أنه لا بد لأهل العلم أن يصغوا لأمثالي من المهمومين أن يصغوا إليهم بتدبر أو بحيرة أو إشفاق، أما فيما عدا ذلك فقد تعودت أن أعرض عن الإنكار.