تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
مواقيت الصلاة
  • الفجر--:--
  • الشروق--:--
  • الظهر--:--
  • العصر--:--
  • المغرب--:--
  • العشاء--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

الإمامة العظمى في المغرب واختصاصاتها الشرعية في تدبير الشأن العام

أضيفت بواسطة louey بتاريخ
Date de publication

 إمارة المؤمنين والخصوصية المغربية             

مداخلة السيد معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ أحمد التوفيق في الندوة العلمية للمجلس العلمي الأعلى حول موضوع: الإمامة العظمى في المغرب واختصاصاتها الشرعية في تدبير الشأن العام بالرباط يوم الأحد 23 جمادى الأولى 1444 ه الموافق 18 دجنبر 2022 م.

مسؤولية العلماء في شد أزر إمارة المؤمنين

في هذه السنوات الأخيرة يظهر أن الناس في الخارج، من بين المهتمين بالوقائع السياسية والاجتماعية والدينية الجارية، يشعرون بأن شيئا مختلفا، في ما يتعلق بالشأن الديني، يجري في المملكة المغربية، فتجد عددا من الشخصيات التي تأتي في زيارة هذه المملكة تحرص على توجيه الطلب إلى وزارة الشؤون الخارجية بغرض ترتيب زيارة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهم زوار مرموقون من الغرب والشرق، معظمهم من غير المسلمين. وإذا حضروا إلى هذه الوزارة فسؤالهم الغالب هو: بماذا يتميز المغرب؟ وما الذي يؤهله ليحارب الإرهاب ويصون المساجد من سيطرة التيارات الجانحة؟

يقتضي الجواب عن هذا السؤال لفت الانتباه إلى أن المغرب يتميز بأمور منها خمسة على الخصوص  وهي:

  • اختيار تاريخي لثوابت دينية في العقيدة لا تقول بالتكفير؛
  • قيام النظام السياسي، منذ بداية تاريخ المغرب الإسلامي، على إمارة المؤمنين؛
  • قيام إمارة المؤمنين على أساس عقد بيعة مكتوب؛
  • كون هذا العقد "بيعا" للمشروعية مقابل التزام المشتري، " أمير المؤمنين"، بالوفاء بأمور أساسية في حياة الأمة تعرف ب"الكليات الخمس"، بمعنى البنود الكبرى للعقد؛
  • كون مضمون هذه "الكليات" يشمل كل ما في الدساتير الحديثة، مع وضع حفظ الدين في المقام الأول.

وعادة ما يكون السؤال الذي يتلو هذا الجواب المدهش للغرباء هو: من يمثل الأمة في هذا التعاقد؟

يأتي الجواب بأن الموقعين على البيعة هم ممثلو الأمة بالاعتبار المعياري المحدد بالأعراف والقيم السائدة في تدبير حياة الناس وهم : الشرفاء (سلالة النبي صلى الله عليه وسلم)، والعلماء (علماء الدين)، وشيوخ الزوايا (زوايا التصوف)، وشيوخ القبائل وأعيانها، ومقدمو الأضرحة (من حفدة الشيخ المبجل دفين الضريح أو من السدنة)، وأمناء الأسواق، وأعيان التجار، وأمناء الصناع، والمحتسبون، ورؤساء الجيش.

ويُشرح للسائلين أن البيعة تكون عامة في قاعدة الملك، ثم تتبعها بيعات القواعد الأخرى، وبيعات القبائل الكبرى، قبيلة قبيلة. كما يشرح لهم أن بعض الفئات الخاصة، كالعلماء والشرفاء، قد يحررون بيعات خاصة بهم، وأن على كل عقد بيعة شهود تذكر أسماؤهم كما توضع عليه أسماء العدول الذين حرروها والقضاة الذين أمروا بالإشهاد عليها، وأن البيعة تُتلى على منابر المساجد، وتقرأ في الأسواق، وتعلق نسخ منها في بعض الجوامع والأضرحة والزوايا.

وأذكر في هذه المناسبة، على سبيل المثال، توضيحا يتعلق بالمبايِعين، ونختار لذلك مثالا واحدا هو البيعة للسلطان مولاي الحسن (...)، فالذين حضروا بيعته أو شهدوا عليها من أهل مراكش والقبائل المجاورة هم ثمانية وعشرون من الشرفاء العلويين، وحفدة سيدي عبد العزيز التباع، أحد الرجال السبعة، وحفدة سيدي بوعمرو القسطلي، وأمين الطرازة، وأمين سوق السماطة، وأمين القواصر، وأمين فندق الرنجة (الفندق هو محل التقاء تجار الجملة) ومقدم الرماة ومعه أربعون من الأعيان، وقائد أولاد حريز ومعه سبعون من أعيانهم،  وقائد الرحامنة ومعه عشرون من الشيوخ، وقواد ازعير وأهل سوس ووريكة والمنابهة وسكساوة وتكَانة، وعشرة من تجار أهل فاس القاطنين بمراكش، ثم بيعة أهل تطوان له، وبيعة قبيلة أيت إيمور،  ورسالة من أهل سوس وشيوخ مجاط وأولاد مطاع  يبايعونه ويسألون له الفتح وأن يسكّن الله به روع المسلمين، وبيعة علماء الحديث بفاس، وكتبها محمد المهدي الطالب بن سودة وفيها يقول: " إني أقر وأعترف وأشهد وأبايع على السمع والطاعة فيما أمر به الشرع بحسب القدرة والاستطاعة" ...وبيعة قبيلة الحشم وقبيلة أولاد عبد الواحد وإيالة احماد أومالك، وبيعة أعيان الشرفاء المرابطين أهل الزاوايا الركراكية بالشياظمة، وعددها خمس عشرة زاوية، وبيعة قبيلة الشياظمة، وبيعة زوايا مغران وهسكورة، وبيعة أيت يمور، وورد فيها أنهم بايعوه ليسير فيهم بالعدل والرفق والصدق ويحكم بينهم بالحق. وبيعة أهل زمران وورد فيها أنهم بايعوه بيعة محبوكة على عادة أيمان البيعة وحدودها وشروطها المؤكدة وأقسامها المعدودة، وبيعة أهل الرباط، وجاء فيها أنهم بايعوه والتزموا بإعانته على شؤون الدين، وبيعة علماء قبيلة العونات، وورد فيها أنهم بايعوه بيعة طوعية لا ضغط فيها، وبيعة أهل مكناس، وورد فيها أنهم بايعوه لينظر في الرعية نظرا يساوي فيه الضعيف والقوي، ملتزمين بالقيام معه بالأنفس والأموال، وبيعة أزمور، وبيعة أعيان مزوضة، وبيعة أهل الغرب والقصر الكبير، على أن يقيم دينهم ودنياهم ويستضيء فيهم بنور كتاب الله عند حدوث المشكلات ويشاور أهل العصر من ذوي الحنكة والتجريب ويجالس العلماء والأتقياء ويرد إليهم ما ينزل به من أحكام الفتيا، وبيعة بني مالك وسفيان والخلط والطليق، وبيعة قبائل كروان وبني مطير ومجاط، وبيعة هشتوكة، وبيعة العرائش، وبيعة أولاد البقال المستوطنين بنواحي وزان، وبيعة بني مسارة ورهونة ومزكلدة وسطة وبني أحمد، والقبائل الجبلية، والتزموا فيها الطاعة في ما يأمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيعة قبيلة صنهاجة، وبيعة أهل فاس، وبرروا البيعة بضرورة دفع المظالم وتأمين الطرقات، وبيعة أهل الجديدة ومن حولهم من القبائل العربية، وبيعة قبيلة أنجرة، وبيعة أهل تازة، وبيعة قبيلة أولاد حريز والمذاكرة وأولاد علي، وبيعة أهل الزاوية الشرقاوية، أما بيعة أهل تاجاكانت بالصحراء فقد أشهدوا فيها بطاعة السلطان وطلبوا منه أن "يأذن لهم بإقامة صلاة الجمعة" (1) .

 قصدت الإتيان بهذا التفصيل حتى يُعلم الطابع الجماعي للبيعة وأن البيعة في قاعدة الملك كانت تتبعها بيعات محلية.      

نرجع إلى الأسئلة الأخرى للزوار فنجدها تصب في عدد من جوانب عقد البيعة، ومنها النص على "الكليات". والواقع أن بعض عقود البيعة في القرون الأخيرة قد لا تذكر الكليات بالنص والتفصيل، وإنما تكتفي بعبارات عامة مثل "البيعة على ما يرضي الله ورسوله"، وإذا كان من أسباب قلة الوعي بقيمة هذا التنصيص على العبارات المكرسة غفلة من العدول أو لاعتبارات تتعلق بميزان القوة بين أمير الوقت والرعية، فإن ذلك لا يعني أبدا أن الأمراء من حيث النية لا يقبلون الالتزام بالكليات، بل إن الأمر يتعلق بعجزهم في بعض الأحيان عن إيجاد الوسائل التي يعملونها على الوفاء بها من قبيل انعدام أسباب التعزير التي لم تتأت نسبيا وبالتدريج حتى للبلدان التي تقدمت ماديا في الغرب إلا بعد توفر وسائل اتخاذ الجيش النظامي الدائم وتمويل صناع السلاح، وذلك لما توفر لهذه البلدان من ضرائب تجارات هائلة نافقة، أما المغرب فحتى عندما ازدهرت تجارته الخارجية في منتصف القرن التاسع عشر فإن عدوان إسبانيا في حرب تطوان ترتب عنه فرض تعويضات كان أداؤها بجلوس قباض الدولة المعتدية في مراسي المغرب يأخذون الواجبات على التجارة لمدة عشرين عاما وبذلك عوقوا تقدم المغرب في مرحلة حاسمة تلاها الضعف الذي أفضى إلى الاستعمار.

 ولعل الصدام بين السلطان مولاي حفيظ (1907-1912) في بداية القرن العشرين وبين الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني، أحد علماء فاس وصوفيتها، كان في خلفيته اتهام الشيخ المذكور بأنه كان وراء الحرص على التنصيص في بيعة فاس، وكانت قد سبقتها بيعة مراكش، على الكليات بألفاظها مع إضافة تفصيل جاء في وقت كانت فيه فرنسا المتحفزة لاستعمار المغرب تتهم الشيخ المذكور بالميل إلى ألمانيا التي كانت في مواجهة أطماع الفرنسيين قبل صفقة 1911 بين البلدين على حساب المغرب، وجاء هذا الاتهام  بسبب ما أقحم في بيعة فاس من مطالبة السلطان بتفضيل " التعاون مع إخواننا العثمانيين "، هذه الإشارة التي جعلت الفرنسيين ينشرون دعاية مضادة للكتاني واتهامه بالتحضير لانقلاب لصالحه، أوله ميشو بيلر في مقال بمجلة La Revue du Monde Musulman  عام 1909 على أنه محاولة تدبير انقلاب من الأدارسة ضد العلويين(2)، وقد كان لهذه الدعاية الأثر المفجع الذي هو نكبة الكتاني.

 والواقع أن نصوص بيعات أخرى في التاريخ تضمنت بعض الشروط المضافة إلى الكليات أو ما في معناها، ومن ذلك ما جاء في البيعة للسلطان مولاي عبد الرحمان (1822-1859) من أهل حوز مراكش والرحامنة ومسفيوة وزمران، ومن هذه  الإضافة قولهم: " ... فعليهم (المبايِعين) لأمير المؤمنين أن يلتزموا طاعته، وأن يقوموا بنصرته، ولهم عليه أن يسير بهم سيرة الخلفاء، وأن يعاملهم بالرفق، وأن يعظِّم كبيرهم ويرحم صغيرهم، وأن يختار للمناصب الدينية من يقوم بقواعدها، وأن يسدل أردية الإكرام على الشرفاء، وأن يتفقد أحوال الفقراء، وأن يشرفهم باستقرار بدره في سماء أرضهم ليأمن القوي والضعيف، وألا يمكّن النصارى من الزرع والصوف والزيت (بالتصدير في وقت كانت فيه أوروبا بحاجة لهذه المواد)، وأن يردّ أهل الذمة إلى نهج الصواب (لأن بعض هؤلاء بتحريض من جمعيات يهودية بأوربا بدؤوا يثيرون توترات غير معهودة مع السكان تتدخل بشأنها الأوساط الدبلوماسية الغربية في شئون المغرب لدى السلطان)، وألا يأخذ الزكاة من أعيان الذوات، وألا ينقل مال الحوز إلى غيره من الجهات (هذا المطلب يدل على حس سياسي جهوي مبرّر)، وألا يمنع التجار من السفر في البحار (لممارسة التجارة مع الخارج)(3) .       

إن البيعة بشروطها المدغمة أو المفصلة كانت حاضرة بشكل طبيعي موروث لدى المغاربة، ومجرد وجودها يدل على استثناء لما شاع في حياة المسلمين السياسية مما عبر عنه منظروهم من أمثال أبي يعلى الفراء بالقول إن "الإمارة تكون لمن غلب"(4)، أو ابن خلدون الذي يقول " اعلم أن البيعة تكون على الطاعة، وكان الإكراه فيها أغلب"(5) .

 ويضاف للسائلين الزائرين القول بأن المغرب له ضمير جمعي فاعل يتمثل في عبقرية إمامته، ومن أمثلة ذلك أن البيعة لم تترك بعد الاستقلال من الاستعمار في الوقت الحاضر وما طرأ من الأخذ بالنظام السياسي النيابي، لم يقع التفريط في البيعة، وإنما تم اعتماد المنتخبين في التعبير عن الولاء، حيث يحضرون لأدائه في اليوم الموالي ليوم الاحتفال بعيد العرش. أما العلماء فهم يعبرون تصريحا عن تجديد البيعة بالدعاء للسلطان في خطبة الجمعة كل أسبوع.

وعن السؤال المتعلق بعلاقة هذا النظام المنحدر من الماضي بواقع التدبير الديني اليوم، فإن الجواب يكون بذكر أمور عديدة في مقدمتها المكانة المرموقة للعلماء في هذا النظام، والعمل المؤسساتي الجماعي للعلماء في تأطير الأمة، وأن العلماء في الوقت الحاضر ملزمون بشد أزر أمير المؤمنين لأنهم يشهدون باجتهاداته في حماية الدين وحماية الأنفس وحماية العقل، بحماية النظام العام بالقوانين والمؤسسات، وحماية المال بخطط التنمية الاقتصادية، وحماية العرض بالتضامن ومشاريع الرعاية الاجتماعية. إن هذه أمور قائمة، وهي الجوهر، وما عدا ذلك من الجزئيات المستجدة في الحياة السياسية فتدخل في نطاق الضرورات الشرعية بحسب مقاصدها ومآلاتها، وفي هذا تدخل التفاصيل المستدعية لاقتراحات الحكومة لمئات القوانين كل عام، في انسجام بين الممارسة السياسية وثوابت الدين من أجل المقصد الأسنى الذي هو أمن الأمة من الجوع ومن الخوف، ولاسيما خوف غياب اليقين المعبر عنه في الشرع بالفتنة.

ويزيد استغراب السائلين عندما يُذكر لهم أن نظام التعاقد على أساس البيعة سبق "العقد الاجتماعي" الذي يُنسب لجان جاك روسو، فقد كتب هذا الأخير كتابه عام 1762 بعنوان Le Contrat Social يقول فيه: "إن  الإنسان ينتقل من حال الطبيعة إلى حال المجتمع فيتعين عليه أن يتخلى عن حقوقه لكي يتأتى للمجتمع أن ينظم حياته بما يحفظ حياة الجميع"(6)، فالتماثل بين عقد البيعة والعقد الاجتماعي تماثل قائم في الغاية وإن كان المنطلق دينيا في خلفية البيعة ومدنيا عند مفكري الغرب في السياسة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بمعنى أن المقارنة جائزة بالنظر إلى المقاصد والنتائج، فالاختلاف بين اتفاق المجتمع على العقد وبين اجتماع الأمة على الإيمان المتضمن لعقد يضمنه الله ويضمنه الناس امتثالا لله اختلاف شكلي بحسب تماثل المقصد وهو عند علماء الإسلام حفظ العقل، أي المعروف الذي يقتضي الاتفاق، علما بأن الانطلاق من الإيمان الديني إذا روعي كان أنجع وأقل كلفة، وذلك بوجود الوازع المتعلق بالمسئولية الفردية ثم الجماعية وارتباط الوفاء بالوعد الإلهي في الدارين، والعبرة هي بمدى حفظ إنسانية الإنسان في حريته، وتمكن المقارنة أيضا بهذا الصدد إذا نظرنا إلى الأمور في العمق في ضوء تجربة الإنسانية خلال القرون الثلاثة الماضية، هذا إذا نظرنا إلى ما جاء به الإسلام، أما ما فهمه المسلمون وما حققوه فهو سلبي إلى حد كبير، والمؤسف أن المسلمين مع إنجازاتهم الباهرة في فقه السياسة لم تضطرهم التجربة التاريخية الكونية كالتي تضغط عليهم اليوم، لم تضطرهم إلى الوقوف بما يكفي عند أربعة مفاهيم أصيلة في الدين، هي مفهوم الحرية متأصلا في التوحيد، ومفهوم المساواة، ومفهوم العدل وما يقترن به من مفهوم الشورى، ومفهوم الجماعة، ولا يمكن القول بأن التقصير النظري هو الذي يجعل المسلمين اليوم يتلقون دروس العدل والحق من المدونات الدولية، بل إن التاريخ الذي جرى في ملك الله هو الذي قاد غيرهم إلى ما صار إليه واقعا وتعبيرا، وهنا يكون من المناسب الإشارة إلى فهم أبي الحسن الندوي لمسألة التفاوت المادي بين العالم الإسلامي والعالم الغربي إذ انتقد كون المسلمين ينظرون إلى حالهم من خلال المنظور الغربي للحياة، الأمر الذي يجعلهم في موقف الشعور بالنقص، وكان الأولى أن ينظروا إلى أنفسهم من خلال أنفسهم وما يمثلون من قيم خسرها العالم بالانحطاط المادي للمسلمين(7). هذه هي فكرة أبي الحسن، ومع ما يجب من الإجلال للقمة التي يمثلها الرجل من جهة العلم والورع، فإن التصحيح المتعين  هو النظر إلى صنع الله الذي أجرى التاريخين الإسلامي والغربي حسب سننه، ولا يظلم ربك أحدا، وكان يكفي في العبرة ما سقط فيه العرب دهرا من براثين الصراع والمؤامرات بسبب النزعة القومية وأبو الحسن بحسن نيته يرى العرب في قيادة المسلمين. وبهذه الواقعية في التحليل يظهر نهج شكيب أرسلان أوضح في تحليل أسباب "تأخر المسلمين وتقدم غيرهم"(8).

  ومع نجاح الغرب في ما اتخذ له ما يناسب من الأسباب، وانحطاط المسلمين بسبب ما خلفوه ظهريا من القيم، فإن التاريخ لم يعلن بعد عن نهايته بقيام النظام المادي العالمي، بل العالم أصبح يبحث عن ملامح تاريخ آخر، وهذا ما من شأنه أن يجعل المسلمين لا ييأسون من روح الله ومن تدارك حالهم وتدارك غيرهم إن شاء الله، وفي صميم هذا السياق يأتي العلماء في بؤرة المسئولية، والأولى والأوكد هو أن يقوموا بتشخيص واقع الحال، وأن يعينوا الأمة على الاستئناس بهذا التشخيص، ولكن الخوف كل الخوف هو من التفاوت مع هذا التشخيص أو الفشل في اقتراح ما يترتب عنه من نمط اليقظة والعلاج، لأن استمرار السيرورة الغالبة اليوم سيؤدي إلى حال من تجاوز العلماء الحكماء وتغلب الجاهلين والغالين والمبطلين الذين سيزيدون إلحاق الضرر بالمسلمين وبالإسلام أمام الأمم. 

ترد كل هذه الأسئلة والأجوبة لأن ما يعيشه المغاربة لا يعلم أسراره كثير من الناس في الخارج، كما لا يستحضر موجبات شكر النعمة فيه كثير من الناس في الداخل، ولا يمكن أن يخدمه إلا من يتبينون حدوده.

إن التقصير في إجراء تشخيص شامل وتنزيل ما يترتب عليه من نوعية التبليغ سيزيد من احتمالات نفوذ الإرهابيين إلى الميدان ومن تسلل المشاغبين إلى منابر الإعلام، فالمغرب بالرغم من كل حصونه المذهبية  ليس بمنأى عن سهام المتربصين، وهو يعيش في أوساط إقليمية ودولية مشحونة بدواعي الفتنة مقرونة بحجج التضليل، ومعظمها من الجهل من جهة ومن التباس أحوال هذا العالم ومجرياته في الغرب والشرق من جهة أخرى.

أيها السادة، أيتها السيدات

لقد تناولت في مناسبات سابقة موضوع إمارة المؤمنين، أولها ندوة " المغرب في عهد السلطان مولاي عبد العزيز " حيث شاركت بمقال حول " البيعة الحفيظية"(9) وذلك سنة 1987، وآخر الإسهامات المقالة التي صدرت في مجلة كلية الآداب بالرباط وهي مجلة Hesperis-Tamuda، وهي من أقدم مجلات العلوم الإنسانية في العالم، إذ احتفلت في العام الماضي بمرور قرن كامل على صدورها، فقد أراد هنري لورانس Henry Laurence الأستاذ بالكوليج دو فرانس، وهو المختص في قضايا الإسلام المعاصر، أراد أن ينشر في المجلة المذكورة ملفا حول الموضوع الذي يشغل المسلمين والعالم من حولهم، وهو موضوع "الخلافة"، وطلب مني أن أكتب عن النموذج المغربي في نظام الحكم وإظهار الجوانب التي يمكن بها للمسلمين ولغيرهم أن يفهموا نظام الخلافة المتصور مثاليا عند كثير من الناس خارج المنظومة القرآنية الصارمة في واقعيتها، وقد نشر هذا الملف في العام الماضي، وكان إسهامي فيه تحت عنوان: "إمارة المؤمنين ومعالمها البليغة في فهم مسألة الخلافة"(10). 

بعد هذا التمهيد أمضي إلى جوانب أخرى تتعلق بموضوعنا الذي هو" مسئولية العلماء في شد أزر إمارة المؤمنين". أقصد بالعلماء كل من انتدبته الإمامة العظمى للقيام بالتبليغ أو من تصدى بنفسه لإرشاد الناس في الدين، وحيث إن الله تعالى قد قصر عليهم خشيته في المقام الأول، فإن المعيار الذي ينبغي أن يُعتمد في الحكم على تمييز العالم من غيره في السياق الإسلامي هو هذه الخشية باعتبارها شرطا عضويا في هويتهم، لاسيما باعتبار ما يرتبط بها من التأثير على الناس الذين لهم أحاسيس مرهفة في هذا المقام، لأن العلم من حيث الصناعة هو في متناول البر والفاجر من الناس. والمفهوم من هذا الكلام أن من يُنتظر منهم شد أزر إمارة المؤمنين هم العلماء الذين يتحملون مسئولية إضافية هي تعظيم الناس لهم من جهة التقوى أولا، ثم من جهة علمهم والإعجاب بكلامهم في الدين ثانيا، وقد أحاط بهذا الفرق وهذا الشرط أعلام كالغزالي في كتبه المختلفة ومنها "إحياء علوم الدين" والشاطبي في "الموافقات".

وهنالك أمور كثير في السياق تدخل في الابتلاء الذي يواجه المسلمين عامة ويواجه علماءهم خاصة، منها مشكل تدبير الحرية بمختلف مظاهرها، ذلك لأن سلطة العوائد وسلطة الحكام كانت تكبح نوازع الجرأة في باب الأخلاق،  وهذا الردع لم يعد قائما لاسيما في سياق الانفجار الديمغرافي الذي يشهده العالم واستفحال تكنولوجيا التواصل وعواقب الإمكانات الرقمية واكتشاف عوالم تتعلق بفهم حقوق ومعاناة الملاحقة الزجرية لأنواع الإشاعة والبهتان وقد صارت من ضمن موارد الأموال.

إن هنالك تيارات فكرية ليست كلها بريئة مشغولة بمسألة "نهاية العالم"، وهي نهاية مرتبطة في القرآن الكريم بظن الإنسان أنه قادر على شؤون الأرض التي يكون قد تغلب فيها على المسائل التي كانت تلجئه إلى التضرع مثل المرض وأنواع مختلفة من الخوف والاحتياج، وكان هذا الوهم، وهم السيادة على الطبيعة، قد بدأ في الغرب الأوروبي منذ ثلاثة قرون، لاسيما بتحريض مفكري الثورة الفرنسية، التيار الذي مهد  للفلسفة القائلة ب"موت الإله".

والمشاهد اليوم أن الفلاسفة الغربيين المتحررين بالقدر الضروري من الإيديولوجية، يقرون بأن لا أساس برهانيا لا للإيمان ولا للكفر، وأن المسالة هي مسألة اختيار حر للإنسان، أما حصيلة كل هذا التقدم الذي جرّأ الإنسان على التبرم من الدين فهي في عالم اليوم معارف كثيرة نافعة حول الإنسان والطبيعة، ولكن الثمرة من حيث الوعي الإنساني الذي تختزله السياسة ليست سوى أزمات خانقة لم يتردد الأمين العام للأمم المتحدة في رسم لوحتها القاتمة في لقاء تحالف الحضارات بفاس في الشهر الماضي. وحتى والكفر ليس له برهان فلابد أن يسهم العلماء بحكمتهم بنصيب وافر في حماية عقول الناس من البهتان والتدجين الذي يصادف الهوى عند كثير من الناس.

في كل هذه السياقات التي لها علينا وقع مباشر أو غير مباشر تعمل إمارة المؤمنين في القيام بأمر الأمة في المغرب وتنتظر، واقعيا، من العلماء شد أزرها في هذا الأمر. لأن أنواع طغيان هذا العصر أعظم بكثير من طغيان فرعون الذي طلب موسى شد الأزر عليه بأخيه هارون، فوجب على كل عالم مخلص اليوم أن يعتبر نفسه بمثابة هارون عصره في ما ينبغي من شد أزر أمير المؤمنين دينيا وسياسيا، لأن الهم المشترك بين الطرفين هو القيام بالكليات الخمس التي تشمل الأمر كله. فهذه الكليات هي أعظم إنجاز تنظيري حققه علماء الإسلام في مجال كان الموحدون يسمونه ب"الأمر العزيز"، وهو شأن الأمة العام، إذ من خلال هذا التنظير بيّن العلماء، وبالأولويات الصارمة، المجال الذي يتوجب أن يكون موضوع التعاقد بين الحاكم والمحكومين، فالمحاسِبون في النظام الحالي كثر، ومنهم المنتخبون البرلمانيون وأطراف عديدة تنص عليها الدساتير، ولكن المؤمنين، وعلى رأسهم العلماء، يدركون أنهم في نفس الوقت موضوع محاسبة من الله ومن الناس، وبالنظر إلى العلماء وهم في محل نواب اعتباريين للأمة فإن أمر الكليات يهمهم بالدرجة الأولى لأن حياة الدين في الأمة تتوقف عليه، لذلك فشد أزر أمير المؤمنين يكون بتبليغ الدين على سنن وراثة النبوة بحيث يكون المبلِّغون لا محاسبين وحسب، بل معينين جميعهم على تحقيق الكليات، والإعانة تكون بتأطير سلوك الناس حتى يكون أثر التأطير الديني حجة على مضاء التبليغ وتحققه، ولهذا التحقق برهان وحيد هو التخفيض من ثقل كلفة الحياة على الفرد والجماعة والدول، وذلك برد هذه الكلفة إلى القدر الأدنى من المصاريف، ولتكرار بيان هذا المعنى نقول إنه لا ينبغي أن يقتصر دور العلماء على مجرد محاسبة الأمير على الوفاء بالكليات، بل عليهم أن يقتنعوا، ولاسيما في عصر يتبنى في تحري الفعالية والآثار حساب المؤشرات، بأن دورهم لا يقاس إلا بمقياس جودة الحياة من منظور أخلاق الدين وهي الإيمان والعمل الصالح، وهذه الجودة تفضي موضوعيا إلى نقصان عنت الأفراد وتوترات المجتمع واستدانة الدول وثقل كاهلها في مجالات عديدة في مقدمتها الأمن والصحة والسكينة وما تقتضيه السكينة من سداد الأخلاق  ومن ضمنها التآزر بين الأغنياء والفقراء. وحتى لا يكون في هذا الكلام ما يبرر التهمة بالسذاجة، فإن المقصود هو شد الأزر بما هو واجب وما هو مرغوب فيه، وهو سعي يقتضي على سبيل التفصيل ابتكارا في المقاربة في سياق نظام اقتصادي اجتماعي خانق لا يترك خيارات كثيرة للناس في عالم منبطح أمام الإغراءات واتباع اللذات الضاغطة بالدعايات الناجعة بسبب ما الناس فيه وُقُوعٌ ضحيَّةً لأنواع الإدمان والتمثلات.

أيها السادة أيتها السيدات

  • إن أول الكليات حفظ الدين، وبإمكان العلماء أن يشخصوا مختلف وجوه التعزيز في مجال هذه الكلية الأولى، غير أن الأمر لا يتوقف عند نفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، لأن هذا الجانب يظل سلبيا وإن كان في غاية الخطورة، بل إن شد الأزر في حفظ الدين يتعلق أساسا بأمور عديدة في مقدمتها شرح الدين شرحا يعتمده العلماء بالإجماع على الأساسيات التي يحتاج إلى بيانها العموم، الأمر الذي لا يستبعد تفريع الاختلاف الجزئي في العبادات والمعاملات، بل إن شد الأزر مطلوب في أمور أخرى تهم حياة الناس العامة. وهذا يعني أن الذي ينبغي أن يقتنع به العلماء ويتفقهوا فيه ويشرحوه للناس هو أن إقامة الدين لا تتوقف عند ما يظن عادة من النطق بالشهادة وأداء الفرائض على صعيد حياة الأفراد، بل تهم شروط هذه الإقامة على صعيد الجماعة، وهو مضمون متضمن في جميع الكليات:
  • وأمن النفوس كشرط لليقين يقع في صميم الدين؛
  • وتأسيس المعروف على العقل في إقامة القواعد والقوانين هو في صميم الدين؛
  • والأمن من الجوع وحفظ الحقوق في الأموال وبناء حياة الكفاية التي يفسدها الشح ويدمرها التبذير والإسراف من صميم الدين؛
  • وحفظ العرض بنشر وعي بالقيم التي تحفظ من الرذيلة ومن الإدمان والتهتك من صميم الدين.

وحيث إن مرجع عدد من الفلسفات في أمر الإنسان وسلوكه هو اللذة فمن المناسب أن نشير إلى أن هذا الدين مؤسس على لذة أخرى تكمن في حياة الإيمان والمحبة والفرح بالله والشكر وأكل الطيبات، دين لا محل للإكراه في جميع جوانب منظومته، وعليه، ومع ذلك، فلا ينتظر العلماء من إمارة المؤمنين، بعد الاسترعاء وتيسير الخير، أن تجبر سائر الناس على ما ليس من مراد الله للخلق، لا من قبيل الإيمان ولا من قبيل المروءة، بل المطلوب هو أن يشد العلماء أزر أمير المؤمنين في إقامة نموذج قوي الإغراء، نموذج للحياة لا يُنسى ما يُتطلب فيها من لذة.  نموذج يمكن أن يبنيه العلماء بالتربية على التزكية التي هي محاسبة النفس والوقاية من الشح، نموذج  من شأنه نقل اللذة من مصدر فيه الحلاوة مقرونة بالضرر والغمة اللاحقة، إلى مصدر فيه الحلاوة مقرونة بالمتعة والمنفعة والسلامة من الإثم، نموذج يكون مغريا وقادرا على جلب الحياة الطيبة في مقابل ما ينال المعرضين عنه من الشقاء والعنت والاكتئاب والأمراض مقابل شيء واحد هو الحرية في أن يفعلوا بأنفسهم ما يشاؤون، وهم في واقع الأمر أسارى نظام يفعل بهم ما يشاء.

فكيف يمكن للعلماء يا ترى أن يسهموا في بناء هذا النموذج الذي سيجعلهم في مركز الأهمية سياسيا واجتماعيا؟ إنهم غير مضطرين من أجل ذلك لا إلى ابتداع ولا إلى ابتكار وإنما هم مطالبون باتباع منهج النبوة، وذلك بأن يحرصوا على الناس في سبيل تمثل التوحيد في الباطن وبذلك يخلِّصوا الناس من الهوى الذي يتخذونه إلها يعبدونه، سواء في ما يوبق الفرد أو ما يضر بالجماعة، وأشد ما يضر الجماعة هو الشح المطاع، فالمنتظر من هذه التربية أن تكون تربية على حب الخير للآخرين، وهو ما يسمى في مصطلح بعض الفلسفات العصرية ب"الغيرية"، وغيرية الإسلام لابد أن تكون مبنية على الاستحضار الدائم لحقيقة الإنسان ومراد الله منه، تربية تقوم في أسلوبها  على التأثير على ضمير الفرد ومن ثمة التأثير على نمط الاقتصاد ثم المجتمع ثم السياسة.

إن هذه التربية المرجوة من العلماء هي تربية ميدانية تستلهم مهمات الرسالة الأربع وهي: تلاوة الآيات والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة(11)، ولاسيما باستيعاب الحكمة الكامنة في هذا الترتيب الذي يخالف المنطق الذي درج عليه الناس، فالناس يتصورون أن التغيير يكون ثمرة للتعليم، وحيث إن المقصود من تعليم الدين هو العمل، لا مجرد العلم، فقد اقتضى الأمر تهيئ النفوس للاتباع، وهذا التهيئ  أو التغيير  في النفوس هو التزكية التي تأتي قبل تعليم الكتاب، إذ لا فائدة في تعليم من أجل عمل لا تكون النفوس مهيأة لتلقيه وفهمه والتصرف بمقتضاه.

إن التقصير في الوقوف عند هذه المعادلة جعل فهم الدين وتفهيمه يدور في الغالب على أساليب الإقناع اللغوي والحجاج الذي أبدعت فيه بدون كبير طائل المطارحات الفلسفية حتى قبل الإسلام، فالدين الذي نزل على الأميين وفهموه هو من البيان بحيث لا يحتاج العمل بجوهره إلى علم بقدر ما يحتاج إلى تهيئة الباطن بالإيمان والاقتناع والذكر والشكر والرضا، فكل ويلات الإنسان في الماضي والحاضر لا تخرج عن سببين هما شح الأغنياء وقلة شكر الفقراء، والعهدة الكبرى على الأغنياء، ولعلماء الدين مقام في هذه المعادلة، فهم يشهدون ويشاهدون أن الدولة تعمل على إدخال البرامج الاجتماعية للتخفيف من عواقب التفاوت وما يترتب عنه من التباغض.

إن الدولة في العصر الحاضر واعية بأن برامجها تدور كلها على الإنسان، ولذلك تخطب وده من جهة الإغراء الانتخابي الذي قد يصير غاية في ذاته، وتوجه إليه برامج "وعظ مدني" تسمى برامج "تحسيس" و"توعية"، تخاطبه من جهة مصلحته على أساس مصلحتها، إذا كانت الجهة ناجمة عن تيار سياسي، ولكن العلماء في شد أزر إمارة المؤمنين يفترض فيهم أن يعملوا في التوجيه على صعيد الأمة كما يعمل أمير المؤمنين، أي بخطاب يحتاج إليه الجميع، ومن ثمة وجب عليهم التأمل  في مكمن الفرق بين وعظهم أو توجيههم وبين أساليب هذه البرامج التوجيهية، لاسيما وأن آلة التواصل متوفرة للحمولتين الدينية والأخرى التي تسمى بالمدنية، وهو وصف يؤخذ في العصر الحديث على أنه مشتق من المدينةCivitas ، وقد استعمله صاحب الموافقات، ثم إن هدي العلماء مستأنس باعتبار بعد المقاصد والمآلات التي يمكِّنهم الركون إليها من أن يتحرروا من الصدام مع السياسة المدنية في جوانب من ممارستها القائمة.

إن المقصود هو إفهام الناس بأن التربية على الدين تبدأ من التربية على محاسبة النفس، ثم تأتي أوامر الشرع ونواهيه لتبين على أي شيء تكون المحاسبة، ولا مخاطر هنا من جهة احتمال تناقض العقل مع النقل، لأن المصلحة في شؤون الحياة العادية يدركها الأميون كما يدركها المتعلمون، ولأن ما ينفع الناس لا يخفى ما لم يدخل فيه الهوى، ويتجلى هنا في ما يسمى بالإيديولوجية أو التصورات في مفهوم الفلسفة السياسية، وهذا هو بيت القصيد، فالمحاسبة ينبغي أن تقدم على أنها نفعية قبل أن تكون تعبدية أو مبعث حرج، لأن الله تعالى خاطب الناس حتى بعبارات القرض والبيع والشراء(12)، يريد النفع والفلاح لمختلف فئاتهم بمداركها واستعداداتها المختلفة، وبهذه المحاسبة تقل تكاليف حياة الفرد في نفسه ومعيشته وتقل مصاريف الدولة بقدر عدد الآخذين بهذا النهج، وتقل الضرائب، ويقل المرض، وتقل الشحناء الاجتماعية، ويقل الاكتئاب، وهذا كله يتعلق بتدبير الضعف الذي خُلق عليه الإنسان، فدولة إمارة المؤمنين تدبر أمور السياسة والمجتمع، والناس على ضعفهم هم المنخرطون في العالمين، عالم السياسة وعالم المجتمع، ومن هنا أهمية دور العلماء في تقوية الإنسان بغرس الإيمان بالتوحيد في نفسه وتقوية الوازع في باطنه حتى يأمره وينهاه في باب الأعمال.          

إن المؤسسات الدولية المشتغلة بأحوال النظام العالمي ومستقبله، وعلى رأسها البنك الدولي، قد أخذت، ولاسيما منذ أعوام الثمانين من القرن الماضي، تنبه إلى ضرورة وضع الإنسان في مركز النمو، والمقصود قبل كل شيء في منظور هذه المؤسسات هو تعليم الرجل والمرأة الصنائع للحصول على الشغل وإنتاج الحاجات، أما القيم فالمرجع فيها من منظور هذه المؤسسات هو الديموقراطية وجوهرها الحرية، أما التعليم المنتظر من جانب العلماء فهو التأهيل الحق للحرية من الهوى بالتوحيد، أما الحرية إزاء إرادة الآخر فينظمها القانون أما حرية الشخص مع نفسه في النظر الحداثي المنتقَد فلا تعدو أن تكون ترك الإنسان  يفعل بنفسه ما يشاء، ويتعامل مع غيره في دائرة قانون الجماعة ومنظومات الحقوق الدولية.

إن هذا النظام الديمقراطي قد أتى للإنسانية بحلول ناجعة تكون ممارستها كاملة على قدر تشبع ممارسيها بروح النزاهة، منها اللجوء إلى الانتخاب الذي يجعل الأصوات متساوية لتعذر إيجاد مقياس محسوس للتفاضل، وعلى أطراف هذا النظام وضعت في العالم ترسانة من حقوق الإنسان تلتقي مقاصد كثير منها مع مقاصد الشرع في الإسلام بالرغم من اختلاف المنطلقات، وقد كنت في درس حسني(13) تطرقت فيه إلى بعض الدراسات حول أليكسيس دو طوكفيل الذي قام في أوربا بالدعاية للديمقراطية بعد مقامه بأمريكا، ولكنه أظهر ما يشبه التحسر على غياب شيء أساسي عن هذه الديمقراطية، ألا وهو الدين، وفي هذا الباب أيضا فالعلماء مدعوون للتبصر والتبصير، وذلك بالاقتناع والإقناع بأن تخليق الديمقراطية بتأسيس مجتمع يحاسب فيه الناس أنفسهم أمام الله وأمام أنفسهم ويحذرون من الهوى الذي يؤدي بهم إلى ظلم النفس وظلم الغير هو أمر يمكن أن يأتوا فيه  للعالم بأعز شيء ينتظره، وبتبنيه تكون الأمة خير أمة أخرجت للناس، أمة العدل في كل مستويات حياة الإنسان، أمة عادلة مخلقة بأخلاق ربانية، ولا فرق بينها وبين كثير من قيم الأخلاق المدنية السديدة إلا أن التي لا يراقب فيها الإنسان ربه تظل بحاجة إلى كلفة المراقبة والمحاسبة البشرية.

كان الرئيس الفرنسي ساركوزي قد أراد أن يعرف حال مجتمعه من حيث القوة والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، فطلب الخبرة والتشخيص من أكبر خبيرين في العالم هما الأمريكيان الحاصلان على جائزة نوبل في الاقتصاد جوزيف ستيكليتز وأمارتيا سين، فقاما بالإشراف على عشرات من الخبراء، وأسفر عملهم عن وضع تقرير يزيد حجمه عن ثلاثمائة صفحة كثيفة(14)، والذي جعلني أذكر هذا التقرير هو أن "الدين" لم يذكر في هذا التقرير إلا عرضا، ذكر مرات معدودة عند الإقرار بأن معايير "حسن العيش"Le bien être   يدخل فيها الدين للعلاقة التي له مع تصورات الناس، ولا يستغرب هذا التغييب الإيديولوجي للدين من قِبَل دولة نظامها قائم على العلمانية، تغييب بالرغم من أن الأمر يتعلق بإقصاء جزء من الواقع المراد فهمه وإيجاد الحلول لتدبيره.

إن المقترح على العلماء في المغرب بشأن شد أزر إمارة المؤمنين هو البحث في ما يمكن أن يسهموا به بإدخال التخليق الروحي والحيوية الإيمانية في الحياة العامة للأمة، وهي مقاربة لم تغب كلية بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ظلت حاضرة في تاريخ المسلمين، لأن التزكية بمعنى محاذرة هوى النفس هي سمة التيار المعروف ب "التصوف"، وقد ظهر أمر هذه التزكية في ما ظهر على حياة المسلمين من أخلاقية ربانية في مختلف العصور والعلماء شهود أو منخرطون، وقد ظهر في بعض المواقف النظرية والعلمية التحفظ من التصوف وكأن مدار أمره وهو محاسبة النفس والتزكية لا يهم غير الصوفية، ولا يخفى سبب التحفظ وهو أن محاسبة الذات ليست بالأمر الهين على النفوس، لأن أول ما يترتب عن التخلص من الهوى هو البذل والعطاء، والنفس قليلة الإذعان له.

ولا أحد يمكن أن يجبر الناس على اتخاذ المتصوفة مثالا، ولكن الذي لا يمكن إنكاره هو أن الأمة تحتاج إلى تربية حافظ عليها الصوفية ووصفوها ووضعوا مصطلحها، تربية قائمة على اتقاء الهوى ومحاسبة النفس والتطلع إلى نماذج حية من الحكمة، ولا أحد يمكن أن ينكر ما بناه هؤلاء الصوفية من تراث ورحمة ومنهج وبرهان عملي في هذه التربية؛ وهكذا فالمأمول العملي هو أن يقتنع العلماء بجوهرية هذا الموضوع وأن يشخصوا تفاصيله والمقاربات المطلوبة والمتاحة لمباشرته، فعدد علماء المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية أقل من ألف عالم، ولكن الاقتناع بهذه الفكرة الاجتهادية أو الجهادية سيجعل كل واحد منهم كألف، سيما وأن لديهم المشروعية والاعتبار وتتوفر لهم، في هذا الوقت، وسائل التواصل وغير ذلك من أسباب التبليغ.

إن كاتبا مفكرا في القرن العشرين يعد من المصلحين وهو شكيب أرسلان قد حاول تشخيص أسباب تأخر المسلمين وذكر منها غياب الأشخاص المؤثرين(15)، ويقصد الوجوه التي يكون للناس إعجاب بأفكارهم، واليوم تطل على الناس من وراء شبكات التواصل جيوش ممن يسمون ب"المؤثرين" كل في بابه، ولهؤلاء المؤثرين أتباع بالآلاف وربما بالملايين يتتبعونهم على مواقعهم وحساباتهم الإلكترونية،  وكلام هؤلاء شتى ويذهب في كل واد  ولا رقابة عليه  مهما كان الموضوع الذي تتم الدعوة له، لا شك أن أرسلان كان يفكر بما شاع في عصره من القول بالإصلاح والمصلح، ويظل المراد من خلال فكر الإصلاح هو تصور نمط الرجوع إلى نمط الإسلام الأول متخيلا بكثير من التعميم،  وذلك بالإتيان بأفكار في التشخيص يستهلكها القارئون وهم قلة قليلة، ولم يرد عن أحدهم أنه زاوج بين الإصلاح من الأسفل بالتزكية والإصلاح في الأعلى أي على مستوى جهاز الدولة، وقد تبين من نتائج المسار التاريخي منذ حركة الإصلاح  أن المطلوب لم يكن هو إطلاق شعارات أو تصنيف كتب كما فعل أرسلان وبعض معاصريه من المحسوبين على الحركة المذكورة، بل المقصود هو عمل تغييري في الميدان، من أجل خلق نماذج حية متميزة يسمع بها الناس ويتحفزون للاقتداء بها.

أيها السادة، أيتها السيدات

 يستطيع كل عالم في محله أن يبادر إلى هذا التغيير بتحرير الناس من أنفسهم ومن غيرهم بمرجعية التوحيد، ويتيقن أنه بذلك يقوم بواجبه في التبليغ وفي نفع الناس وفي شد أزر إمارة المؤمنين في الأمر الذي هو منوط بها وبكل من يقبل أن يكون في مقام عالم الأمة، وإذا ظهرت النتائج فإن أمير المؤمنين سيباهي بعلمائه أمم الدنيا والآخرة.

فبالعمل الميداني القريب من الناس صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك النخبة من الصحابة المقربين له، والذين ما يزالون النموذج المثال في ضمير المسلمين، لم يمتازوا إلا بتلك الصحبة المحققة بالإسلام والإيمان والتزكية، ومع أن هذا السر كان واضحا وضوح الشمس فإن كثيرا من المسلمين لم يتنبهوا إليه وظلوا يتساءلون عن أسباب النكوص والتأخر والعنت، ولكن كثيرا من المسلمين قد لا يلتفتون إلى أن السر في هذا التغيير هو التزكية أي التطهير، لا من الشرك المرتبط بالأصنام التي كانت تُعبد في مكة، بل الأصنام المصنوعة من هوى نفوس الناس والتي يحملونها بين جوانحهم وهم يتلون الكتاب ويترددون على المساجد.

من فطنة ابن خلدون بصدد هذا الأمر، كما بصدد عدد من الأنظار سبق إليها، أنه كتب في مقدمته فصلا بعنوان: " في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة " حيث قال: " فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذوا بمحمودها ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق"(16)، انتهى كلام ابن خلدون، و به  يتقرر أن الصحبة التي تعني التأثير بالتربية الميدانية التي ركزت على تخليص النفوس من شرك الهوى على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم هي التي أثمرت ذلك النموذج الخير الفاضل، والناس يتحدثون عن "صحبة" الصحابة ولا يتنبهون كثيرا إلى ما تتضمنه من الأثر الروحي للمصحوب في صحابته، وما أن غابت تربيته الشريفة صلى الله عليه وسلم حتى عادت هيف إلى أديانها في التعصب للنفوس وعبادة الهوى.

إن أسمى تشريف ينعت به العلماء هو أنهم ورثة الأنبياء، ونبينا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام هو الذي قال: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمْرِ النَّعم"(17). فمن أين تمكن البداية اليوم ونحن في مؤسسة وفي شأن جماعي وانتظار مجموعي؟ من بين عدد من التصورات العملية أو السيناريوهات يمكن أن نتقدم بالتصور الآتي: قيام كل مجلس علمي بالخدمة الكثيفة في قرية في العالم القروي أو في حي من الأحياء في مدينة لمدة سنة كاملة، وذلك بغاية تجريب إمكانية صنع نموذج من الناس يتحررون بالتوحيد من أنانيتهم بحيث يُبَصّرون بمصالحهم الدنيوية من جهة الدين ويصبح كل واحد من بينهم مصدر إحسان لنفسه وغيره ابتداء بأهله ووصولا إلى جماعته على سبيل التعاون والتآزر. ولاشك أن العمل في هذه القرية أو هذا الحي سيكون كالمال الذي يُنفق في سبيل الله، كل حبة تنبت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، وعصرنا هذا هو عصر التقليد والعدوى، سواء في ما هو طيب أو ما هو سيئ من الأحوال، وإذا تحققت خدمة العلماء لاثنتين وثمانين جماعة في اثنين وثمانين من القرى والأحياء في العام، فإن حضورهم في البلد سيفرض نفسه ويكون له ما بعده، حتى ولو اقتصر الأمر على مجرد السعي،  وحتى من نزل عليه الوحي وبلّغ وربّى الناس بالتوحيد قد قال له ربه: " ليس عليك هداهم"(18)  وقال له: "إنما أنت مذكر"(19)، فهذه أسهل طريق لأعظم منال، وعدم الاشتغال بهذا النهج أو الاشتغال  في أمر الاستنهاض بالدين سبيل تفضي إلى تفويت الفرصة الغالية،  لأن إمارة المؤمنين ينبغي أن ينظر إليها العلماء، من باب مسئوليتهم في التبليغ، على أنها فرصة غالية لبناء نموذج يخرج للناس، أما تفصيل كيفية هذا العمل الميداني المطلوب في القرية أو في الحي، فيترك للعلماء أن يستنبطوه بحكمتهم.  وهم ولا شك سيستفيدون في جوانب عديدة من مشروعهم من خبرة الخبراء الذين برزوا في العلوم  الإنسانية.    

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  • عروض السادة العلماء خلال الندوة: 
  • الأستاذ مصطفى بنحمزة: علماء الأمة المغربية قدوة في الالتزام بمقتضيات بيعتهم الشرعية.
  • الأستاذ محمد سالم الجيلالي: البيعة الشرعية لأمير المؤمنين وارتباط الأقاليم الجنوبية المغربية بالعرش العلوي المجيج.
  • الأستاذ أحمد عبادي: إمارة المؤمنين ورعاية الأقليات الدينية بالمغرب.
  • الأستاذة سعاد رحائم: إمارة المؤمنين والعناية بالمرأة متعلمة وعالمة.
  • الأستاذ إدريس خليفة: إمارة المؤمنين في تاريخ المغرب.
  • الأستاذ أمال جلال: أمير المؤمنين محمد الخامس، رحمه الله، قائد ثورة الملك والشعب، من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر .
  • الأستاذ فاروق النبهان: أمير المؤمنين الحسن الثاني، رحمه اله، موحد الوطن، وباني الدولة المغربية الحديثة.
  • الأستاذ أمادو تيدياني ديالو (السنغال): أمير المؤمنين محمد السادس، حفظه الله ونصره، والامتداد الروحي الإفريقي.

الهوامش                   

(1) . سيمو ، بهيجة. البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب، مجموعة من صور ونصوص البيعات تم نشرها بإشراف السيدة المديرة، الرباط، مديرية الوثائق الملكية، 2011.

(2). انظر :

Bellaire, Michaux « L’organisme Marocain »,  Revue du Monde Musulman, La mission scientifique du Maroc, Paris, vol IX , septembre )1909:( 1- 44, p26.

(3) . سيمو،بهيجة، البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب. مجموعة من صور ونصوص البيعات تم نشرها بإشراف السيدة المديرة، الرباط، مديرية الوثائق الملكية، 2011.

(4) . الفراء، محمد بن الحسين بن محمد. المعتمد في أصول الدين، تحقيق وتقديم وديع زيدان حداد، بيروت: دار المشرق، 1986 ص 238.

(5). ابن خلدون، عبد الرحمان، المقدمة، ط. تونس. 1984، ص 263.[5]

(6) . انظر:

Rousseau, Jean-Jacques. Du contrat social ou principes du droit politique, Amsterdam: Marc-Michel Rey, 1762.

(7) . الندوي، أبو الحسن، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟  المنصورة، طبعة مكتبة دار الإيمان، د.ت.

(8) . أرسلان، شكيب، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟،الطبعة الأولى،مصر،مطبعة المنار، 1930.

(6) . ألقي ضمن ندوة الجامعة الصيفية بالمحمدية بعنوان: المغرب من العهد العزيزي إلى سنة 1912، 1987، ص ص 335-347.

(10) . انظر:

Toufiq, Ahmed. «The “Commandership of the Faithful” Institution in Morocco: Pertinent Points for the debate on the Caliphate (the Khilāfah), Hespéris-Tamuda LVII (1) (2022): 175-194.

(11). الجمعة الآية 2.

(12) انظر سورة الحديد الآية 11 و سورة التوبة الآية 112.

(13) . التوفيق، أحمد.  الأبعاد التعاقدية للبيعة في تاريخ المغرب،الدروس الحسنية  لعام 1432 ه ،  الرباط، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دار أبي رقراق  للطباعة والنشر، 2012 .

(14). انظر:

Stiglitz Joseph, Sen Amartya, Fitoussi Jean-Paul, Richesse des nations et bien-être des individus: Performances économiques et progrès social, Préface de Nicolas Sarkozy, Paris: Odile Jacob, 2009.

(15) . أرسلان، لماذا تأخر المسلمون و لماذا تقدم غيرهم؟ ص 75.

(16) . ابن خلدون، المقدمة، فصل في أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصيغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة.

(17) . رواه البخاري ومسلم.

(18) . البقرة الآية 271.

(19) . الغاشية الآية 21.

المساعد الرقمي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية