
بعد أن قضينا شهرين في التمهيد والاستئناس(1)، وشهرين في شرح الإيمان ومقتضياته، وشهرين في شرح الصلاة ووجوه الفحشاء والمنكر التي يقتضي الالتزام المتجدد في الصلاة الانتهاء عنها، وجب المرور إلى شرح العمل الصالح، وبهذا الصدد اتفقتُ مع الأئمة على جمع أكبر عدد ممكن من جماعة القرية حول وليمة بعد عشاء يوم السبت، جمع نبدأ الحديث فيه عن المرحلة المقبلة من الخطب والوعظ تتميز بالمرور إلى ما يقتضيه القول من العمل والتغيير، وذلك عبر التحاور مع الجماعة في الشئون المنتظر فيها الإصلاح .
وكذلك كان جمعا حافلا بالمسجد، سعى الأئمة ليحضره أكثر مما يحضر حتى في صلاة الجمعة، وبعد صلاة المغرب وقراءة الحزب، قلت أمام الجماعة وبحضور الأئمة وبعض الأعيان وأشخاص حضروا حتى من خارج القرية:
قدر الله أن نبدأ في هذه القرية مواعظ شرحنا أن الغرض منها الاجتهاد لتسديد تديننا بحيث توافق الأعمال الأقوال، وتكلمنا عن الإيمان وبيّنا أن من المفترض، إذا صح وتسدد، أن يمدنا بطاقة نقدر بها على محاسبة النفس حتى ننتهي عن الفحشاء والمنكر ونسارع إلى العمل الصالح ونتعرض لوعد الله لنا على الشرطين الواردين بالحياة الطيبة، وقلت: لقد تغيرت حياتنا اليوم في كثير من الجوانب بفضل الاستجابة لمقتضيات الإيمان وبفضل استحضار ثمرات الصلاة في الانتهاء عن كثير من المناكر، ولكن لا أظن أن أحدا منا راض عن حياته كل الرضا، والحق أن الله تعالى بيّن لنا السبيل لتحقيق الحياة الطيبة، وقد تعمدنا في الخطب والمواعظ تكرار الكلام في هذا المعنى، لأن المهم هو أن نؤمن ونتيقن أن الدين هو في العمل وليس في كثرة الكلام بلا عمل ، كنا في ما مضى وكأننا نغرس الشجرة ونسقيها، وها نحن قد وصلنا إلى وقت جني الثمار ،إن كان غرسنا قد أطلق جذوره في تربة نفوسنا واستوى على سوقه، فهل الأمر كذلك؟ فهل الكلام الذي سمعناه عن الإيمان قد استقر في نفوسنا بحيث نستطيع أن ننطلق لتحقيق الشرط الثاني للحياة الطيبة وهو العمل الصالح؟ إن هذا العمل الصالح سيُصلح في قريتنا ما يجب أن يُصلَح ويغير ما ينبغي أن يتغير، وذلك بإرادة من أنفسكم بعد أن تشبعت هذه الأنفس بمعاني الإيمان المستمد من مراقبة الله والاستعداد للاستجابة لأمره ونهيه، من خشيته من جهة، ومحبته من جهة أخرى، والله تعالى يقول: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (2)؛ هكذا بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ربى النفوس بالإيمان على العمل بطاعة الله ورسوله، ثم هداها إلى ما ينبغي الانتهاء عنه من الأفعال التي لا تصلح للإنسان، وحضها على الأعمال التي يتعين عليهم الإقبال عليها والانتفاع بها، وبعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونيابة عنه، فإن هذه التربية هي مسئولية العلماء الذين ورثوا الأنبياء، وهي جوهر التبليغ الذي ليس مجرد إيصال الخبر بالدين.
قضينا من الوقت ما يكفي لبيان كل هذا وكررنا بيانه، وقلنا إن غاية الدين هي حماية الناس من شرور أنفسهم التي تتعرض لإغراء الشيطان، وشرور غيرهم التي لا تؤثر فيهم إلا إذا ضعف إيمانهم وانعدم حرصهم على موافقة مراد الله منهم.
قلت هذا ثم وجهت السؤال للحاضرين: هل قوي إيماننا بما سمعناه إلى الحد الذي يدفعنا إلى العمل وييسرنا لمتطلباته؟ وطلبت منهم أن يجيب بعضهم: فقال من قال وصدق: نستعين بالله ونسأله أن يوفقنا.
قلت لهم: الحمد لله على ذلك، في مثل هذا الوقت من الأسبوع المقبل، نتذاكر إن شاء الله في أنواع العمل الصالح التي ينصح بها الدين وما يوافقها من الأعمال التي تنتظرها منكم هذه القرية المباركة، ثم نتذاكر في ترتيب القيام بما ينبغي وفي وسائل العمل،وفي من سيسهر عليه منكم، أي من جماعة المسجد، وهي تشمل جميع من يحضر ومن يريد أن يتعاون على العمل. وأذكّركم بما سبق أن شرحناه من قول الرسول الأكرم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(3). وقوله: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(4) . نريد أن يدور الإرشاد على إحياء هذه السبيل التي هي روح المنهج النبوي، وعسى أن يوفقكم الله، ولو على سبيل البداية، لأن الخير يبدأ قطرا ثم ينهمر، وإذا بدأ البعض في طريق الخير تيسر أن يتبعهم الآخرون، وعسى أن يذكر الناس من هو منكم سابق بالخيرات ويشكروه ويتخذوه مثالا يُحتذى.
في غد ذلك المجمع، دعوت عضو المجلس العلمي المحلي المكلف بمتابعة عملي في القرية وعمل السيدة المرشدة، وجاء يوم الخميس، واجتمعنا مع الأئمة ومعنا السيدة المرشدة والمؤذن، وعرضت عليهم المقترح المتعلق بالمرور إلى انخراط سكان القرية في جوانب أساسية من العمل الصالح. وكان المقترح كما يلي:
- 1. استعراض مداخل المواعظ حول العمل الصالح، والتفاعل مع السكان بعرض هذه المواعظ على أحوال قريتهم، وتبيان ما ينبغي إصلاحه حسب الميادين والأولويات؛
- 2. استعراض الوسائل المادية للتنفيذ، وفتح الباب لاقتراحات السكان في ماعدا الزكاة التي هي من الأركان؛
- 3. استعراض الوسائل البشرية، وهي أساسا جماعة المسجد، وترك المبادرة للناس، ولكن بتوجيه من الأئمة الذين يعرفون الأشخاص، ولكن دون إغلاق الباب عن أي شخص يريد التطوع؛
- 4. الحرص على أن يكون جو التدخل في هذه المواضع بعيدا عن التردد والجدل القولي الذي لا ينتهي، بل يكون مبنيا على مشاعر الثقة والأخوة، وأن يكون الهدف هو الاستجابة للمطالب المعبر عنها في مختلف الأمور، وتقديم الاقتراح في أمور أخرى؛
- 5. أن يكون تقديم مداخل الإصلاح للسكان دفعة واحدة، والشروع في مباشرتها حسب الإمكان، لأن الأمور التي فيها مصالح إنما يأتي ترغيب الشارع فيها على سبيل التعاون في أمور معتادة وأخرى مبتكرة، ويتعين أن تتدرج مواضيع الوعظ موازية للعمل الميداني، لأن المهم هو ما رسخ في الصدور من طاقة الإيمان وهي وازع الخير الذي يأمر وينهى.
حمد العالم عضو المجلس المحلي هذا التصور وشكره الأئمة.
بنفس هذه المناسبة سأل العالم السيدة المرشدة عن منهجها فأمدته بورقة بيّنت فيها أن تدخلاتها مبرمجة بعد أن تم الاستئناس مع نساء القرية وكسب ثقتهن على ما يلي:
- 1. إبراز مكانة المرأة في الدين؛
- 2. إكرام الله المرأة بأن الحياة تتخلق في رحمها؛
- 3. إكرامها بالقوة النفسية والمادية التي بها تحمل وتضع وتربي في الأيام والليالي على امتداد السنين؛
- 4. إكرامها بالمودة التي يتنعم بها الرجل ويبذل في تحصيلها الغالي والنفيس؛
- 5. إكرامها بمكانة فاعلة في المجتمع البشري؛
- 6. التأكيد على ضرورة عناية المرأة بنفسها صحيا للاستجابة لما ينتظر منها من المسئوليات الجليلة تجاه الأسرة والمجتمع؛
- 7. التأكيد على ضرورة عنايتها بنفسها من حيث أخذ الزينة والبهجة؛
- 8. التأكيد على دورها في تربية الأولاد وأن تكون تربية على المسئولية لا تفسدها العاطفة الفياضة؛
- 9. التأكيد على ضرورة حرص المرأة على تربية الأولاد والبنات على النظام كقيمة مثلى في الحياة؛
- 10 وجوب نبذ المرأة استعمال العنف مع الأطفال؛
- 11. التأكيد على دورها في الاقتصاد وتجنب الإسراف والتبذير؛
- 12. الفوائد المادية والنفسية في حرص المرأة على إتقان تدبير شئون الأسرة وخدماتها؛
- 13. أهمية حرص المرأة على اختيار الرفيقات؛
- 14. أهمية حرص المرأة على حفظ اللسان وترك الغيبة والفضول العقيم؛
- 15. أهمية الاستعاذة بالله من الوساوس؛
- 16. أهمية دور المرأة في تقوية التدين داخل العائلة؛
- 17. أهمية دور المرأة في إعانة الرجل على فعل الخيرات؛
- 18. فوائد الاستماع للقرآن في البيت ودور المرأة في هذه العادة؛
- 19. أهمية حسن استعمال الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي والاستفادة الفضلى من شبكات المعلومات؛
- 20 أولى واجبات المرشدة تعليم النساء أركان الدين وفرائضه وسننه؛
- 21. أهمية تبصير المرأة بالأمور الخصوصية التي تهمها في الدين.
بارك السيد العالم برنامج السيدة المرشدة. حيث إن ما هو متوقع من العمل الصالح قد يتطلب تكاليف مادية ينبغي تدبيرها، التفت إليّ السيد العالم يحذرني من مشاكل جمع الأموال للإحسان، لأن للناس حساسية كبرى في هذا الباب الذي تحيط به الشبهات، إن هذه الحساسية قد بينها القرآن الكريم عندما فضح المغرضين بقوله تعالى : " ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون" (5). فقلت له: سنحرص على ذلك إن شاء الله بإبعاد كل الشكوك والملابسات المتعلقة بمسألة جمع الأموال والتوسط فيه مستعينين بذوي المروءة والنيات الحسنة في هذا الباب.
قبل شهر ذكرت لي السيدة المرشدة أن من النساء اللائي يحضرن دروسها سيدة أصلها من جنوب ورزازات هي متزوجة بأحد الأجانب الذين يسكنون القرية، وهذا الزوج هو ابن عائلة نبيلة من إيطاليا، عشق المغرب وكانت له فيه سياحة فالتقى هذه السيدة وتزوجها، وهو يقول إن زواجه بها نعمة عظمى عليه من الله تعالى، هذه السيدة ألحت على السيدة المرشدة في أن تستضيفها في بيتها وتستضيفني معها.
أجبنا الدعوة، وكانت مباركة لأن الزوج شخصية اعتنقت الإسلام على يد زوجته، اسمه إلياس، وهو متشوف إلى معرفة المزيد عن الإسلام، له اطلاع واسع على المسالك الروحية للأديان الأخرى ولاسيما اليوكا، يتأسف كثيرا لأن المسلمين في نظره لا يعرّفون بدينهم كما هو منتظر منهم. قلت له: " هل تقصيرهم في التعريف من جهة الأقوال أم من جهة الأفعال؟" فرأيت على وجهه الإحراج من السؤال، فقلت على التو: " جئنا إلى هذه القرية لتذكير أهلها بارتباط العلم بالعمل في الإسلام ".
قال: " هذا ما فهمته من يامنة (اسم زوجته) التي تنقل إلي كل ما تقوله السيدة المرشدة وما يبلغها من كلامكم أنتم للرجال ".
قال: " أعتبر هذه القرية مثل محراب روحي بطبيعتها، وأرى بعض البراءة في أهلها الذين يشتغلون عندنا، وإن كنت لا أخالط السكان إلا نادرا، ومعنا من الأجانب المقيمين في القرية ما يزيد عن عشرة، فيهم بعض الموسرين، هذا بالإضافة إلى أصحاب الدور السياحية، ونحن نرغب في أن نقيم جلسة هنا بدارنا وتحضرها أنت والسيدة المرشدة وتحدثوننا عن مشروعكما في التوعية بالدين، فهذا التوجه هو بحق الرد المناسب على الجاهلين خارج بلاد الإسلام وعلى الغلاة والمتطرفين من بين المسلمين. وسيكون هؤلاء القاطنون سعداء إذا رأوا مظهركما الجميل واستمعوا لكلامكم عن السعي إلى نفع الناس بالدين، فهذه لغة يفهمها الناس على اختلاف الأديان.
قلت في نفسي: لقاء أهل هذا البيت فتح من الله مبين.
قامت السيدة يامنة وزوجها بتنظيم اللقاء في دارها بعد أسبوع واحد، وحضره القاطنون الآخرون إلا قاطنين كانا في سفر.
تعرف الحاضرون على مشروعنا في شرح الدين وأُعجبوا به وفرحوا وكأنهم المستفيدون، ولم يتوقعوا أن يرونا شابين يلبسان لباسا تقليديا أنيقا جميلا ويفهمان اللغة الأجنبية ويعرفان ما يجري في العالم من الكلام حول أزمات المعيشة وأزمات الأخلاق.
قالوا للسيد إلياس وزوجته في نهاية اللقاء: " قولا للشابين أن يقترحا علينا الإسهام الذي يمكن أن نأتي به لتسير القرية في الدرب الذي يتصورانه، فبعضنا دأب على تقديم بعض المعونة، ولكن ذلك لا يغير الأحوال إلى ما يرضي ".
في لقاءات موالية اقترحنا على السيد إلياس وزوجته أن ينظرا في إمكان قيام هؤلاء القاطنين الأجانب بتحسين حال السكن في القرية، وذلك ببناء قنوات الصرف الصحي وإقامة الميضاءات وربط دور الفقراء بالماء وبالكهرباء.
رد علينا السيد إلياس وزوجته بما يفيد الترحيب بالاقتراح، وقالا: " نشرع في الدراسة ؟" قلت: " بارك الله فيكم، سأخبركم عندما نخبر السكان وننال موافقتهم".
قمنا أنا والعالم المكلف والأئمة بتقديم مداخل العمل الصالح المطلوبة مباشرته في القرية، وذلك في جمع كبير عشية يوم سبت.
تكلّم العالم عضو المجلس العلمي المحلي فقال:
" كانت جماعتكم منذ شهور مدعوة للعلم بشرطي الحياة الطيبة، وهما الإيمان والعمل الصالح، وقد علمتم مضمون الإيمان وهو الإقرار والالتزام مع الله تعالى باتباع ما أمر به، ورأيتم من خلال الكلام عن الصلاة وما هي أنواع الفحشاء والمنكر التي لا تناسب المصلي، وها أنتم قد بلغتم إلى مرحلة توضيح جلية العمل الصالح، وأن من عمل صالحا عبد الله تعالى بعمله من جهة، وحيث إن لكل عمل صالح ثمرة عملية فإن صاحب العمل ينتفع بتلك الثمرة من جهة أخرى، وما تكاسل الناس في العبادة إلا لظنهم الخاطئ أنها لا تنفع في حياتهم، والحال أن فهم هذه الحكمة يجعلنا نحرص على إتيان الأعمال الصالحة لأن فيها خيري الدنيا والآخرة، ومن هذه الحكمة ما بيّنه الله تعالى لنا من شفقته بنا حيث ربط بين العبادة وبين أمر أساسي في الحياة يتمناه كل الناس ألا وهو الأمن، أمن الإنسان الذي هو نعمة من الله تتحقق بسعي الإنسان وتوفيق الله حيث قال تعالى: " فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " (قريش 3-5). فنفهم منه سُنّة الله في الحياة وأنه إذا انعدم الأمن تعذرت أو صعبت العبادة، فأهم العمل الصالح ما سعى الناس به إلى تأمين أنفسهم من أنواع الخوف وفي مقدمتها الخوف من الجوع. وإذا توثقت مشاعر الأخوة بينكم على مقتضيات الإيمان واستيقظت هممكم لمحاسبة النفوس، فإنكم إن شاء الله ستكونون مثال القرية الصالحة، والله تعالى يقول: " ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض " (6).
بعد موعظة الأستاذ العالم قلت: " جزى الله فضيلة الأستاذ، فقد ذكّرنا بقول الله تعالى في موضوع الأمن من الخوف، فنسائل أنفسنا عن أنواع الخوف التي يتعين أن نتعاون لنؤمّن منها جماعتنا، نشخصها وننظر في كيفية الأمن منها ووسائل ذلك، وهذا يعني أننا سنتحدث عنها في الخطب والمواعظ المقبلة، وحيث إن ذلك التأمين يدخل في العمل الصالح فإننا سنباشر تنزيلها في الميدان من خلال هذه الأعمال، وتتعلق على الإجمال بالأمن من الاحتياج إلى ضروريات الحياة التي هي الغذاء والمسكن والصحة وموارد العيش، وتتعلق قبل كل شيء بمعرفة الضروري من علم الدين، والتربية على الأخلاق والأمن من الشقاء العائلي ومن سائر التهلكات.
ومن أجل ذلك فنحن بحاجة إلى أن تتعاون جماعة المسجد في تصور المبادرات والمتابعات، فالقوة في إيماننا وأخوتنا والهدي إلى سبل النجاة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن شاء أن يتطوع للعمل فليخبر إمام مسجده خلال أسبوع، وفي الجمع المقبل إن شاء الله نمر إلى مزيد من التوضيح في ما يتعلق بتدقيق أنواع العمل وبوسائل تحقيقه. والمقصود هو ألا يرتاح لنا بال حتى لا يبقى بيننا في القرية محتاج إلى الغذاء أو إلى ضرورة أساسية من ضرورات الحياة، ولا يبقى بيننا مريض أو يتيم أو عاجز أو معوق بدون إسعاف، ولا يبقى بيننا بيت إلا وبين زوجيه مودة ورحمة، ولا يكون بيننا أهل يشقون بإدمان ولدهم أو جنوحه، ولا عاطل يقدر على الشغل إلا دبرنا مسألته، ولا غارم يشقى بدينه إلا أدركناه. وقد رأينا مثالين عمليين في مسألة التشجيع على الزواج وفي مسألة محاربة المخدرات، المهم هو أن نبدأ باستثمار أخوتنا والاستجابة لكلام ربنا وسنة نبينا، وهو ما ذكرناه أو سنذكره في الخطب والمواعظ القابلة، وعلى الله قصد السبيل.
قضت القرية أيامها الموالية لذلك الجمع وهي في نوع من الغليان النفسي، بين الشك واليقين، بين الاندهاش والحيرة والتعجب والاستغراب والحماس والاستهزاء، لا يخفى على أحد في القرية أن فيها عددا ممن لا يملكون قوتهم، وعددا ممن يسكنون سكنا غير لائق، وكل الأمور التي تحتاج إلى الإصلاح والتغيير.
في الجمع الموالي، ولكي أقطع دابر عدد من التقولات التي كانت ترى أن هذه الأمور التي نتصور إدراكها مجتمعة لا تدرك إلا في الجنة، قمت بإخبارهم بأن القاطنين الأجانب في القرية، لما سمعوا بالسكان يريدون تغيير أحوال حياتهم إلى الحسن على أساس مشاعر من التآخي وانطلاقا من المسجد، اقترحوا أن يجهزوا دورهم بالميضاءات وبقنوات الصرف الصحي ويربطوا دور المحتاجين بالماء من بئر يحفرونها، وبالكهرباء من ألواح الطاقة الشمسية. قلت لهم: " من أراد أن يستفيد من هذا الخير فليسجل نفسه لدى إمام المسجد القريب منه، وسنطلب من بعض ذوي المستوى العلمي من شباب القرية أن يعين المهندس الذي سيكلفه القاطنون. وأجل التسجيل أسبوعان ".
اندهش الناس لما سمعوا وقال بعضهم: " من هذه سنرى ماذا يمكن أن يكون مما يتصوره الأئمة (يسمونهم الطلبة)، بينما استبشر جلهم ورأوا أن وعد الله بهذه الحياة الطيبة حق بالشرط الذي اشترطه الله وهو سعي الناس ("وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (38) وأن سعيه لسوف يرى (39) ثم يجزاه الجزاء الأوفى").
(1) يوميات الإرشاد
(2) الرعد11
(3) رواه مسلم ، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم
(4) رواه مسلم، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لإخيه المسلم ما يحب لننفسه من الخير.
(5) التوبة 58
(6) الأعراف 96