تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
مواقيت الصلاة
  • الفجر--:--
  • الشروق--:--
  • الظهر--:--
  • العصر--:--
  • المغرب--:--
  • العشاء--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

إيتاء الزكاة... الفصل 78

أضيفت بواسطة elkassimi بتاريخ
Date de publication

إيتاء الزكاة

قال الخطيب (1): " بعد أن بدأنا بالركن الأول في الدين وهو الشهادة بالإيمان بالله ربا، وتوحيد العبودية له سبحانه، وشرحنا ما هو الإيمان وما هي مقتضياته لبناء شخصية المؤمن القوي، وبعد أن بدأنا نذوق حلاوة هذا الإيمان، وبعد أن رأينا الركن الثاني وهو الصلاة وأن ثمرتها العظيمة أن تنهى مقيمها عن الفحشاء والمنكر، ورأينا أن من تلك الفحشاء وذلك المنكر الكذب، وأذى الغير، والظلم، وأكل الحرام، والزنا، والإلقاء بالنفس إلى التهلكة، والإسراف في اللذات, والتبذير في المستهلكات، والغلو في العبادات، والتعصب للمعتقدات والانتماءات، والحرمان من الطيبات، نأتي إلى الركن الثالث في الدين وهو الزكاة.

الزكاة كما لا يخفى هي الركن الثالث في الإسلام،ومن أهميتها وخطورتها ما تكرر في القرآن الكريم من اقتران إقامة الصلاة بإيتاء الزكاة، على أن إقامة الصلاة فيه منافع للشخص ومنافع للجماعة كما رأينا من خلال تقوية النفس حتى تنتهي عن الفحشاء والمنكر الذي فيه ضرر للنفس وللغيرـ لأن المؤمن عضو في الجماعة، ينفعها ما ينفعه ويضرها ما يضره، كما ذكرنا غير ما مرة في كلامنا، أما الزكاة ففيها نفع الغير أولا، ولكنها تنفع دافعها أيضا، لأن الله تعالى يخلص معطي الزكاة من مرض الشح بدفعها، مصداقا لقوله تعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها " (التوبة 103). كما تنفع الفرد لأن الزكاة تسهم في أمن الجماعة من الخوف والجوع، والمؤمن الفرد إنما يسعد بالحياة في جماعة آمنة، ويجري التعبير عن هذا المعنى في العصر الحاضر عند الكلام عن شروط السلم الاجتماعي بتقاسم الخيرات العامة وتجنب التفاوت الفادح.

عن أبي عباس رضي الله عنهما :أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذ رضي الله عنه إلى اليمن، فقال : "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا  لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم". (2).

ولا شك أن أهل هذه القرية يعطون بعض الزكاة، لا سيما في الماضي، ولا شك أيضا أن العمل الصالح في إطار الدين يقتضي أن يكون أداء الزكاة أداء منضبطا بالشرع تاما، سواء فيما يتعلق بالأموال التي هي أوعية للزكاة، أو في ما يخص النصاب والمقدار الواجب فيه، أو في ما يخص المدة التي تجب فيها، أو الجهات التي ينبغي أن تصرف إليها.

وقد وضع المجلس العلمي الأعلى ورقة مرجعية مستندة إلى النصوص الشرعية والاجتهادات الفقهية سنذكر منها ما نحن إليه بحاجة في قريتنا.

لقد علمتُ من السادة الأئمة بخصوص الزكاة أمورا مفيدة ضرورية منها:

  • أن بعض الناس تراخوا في إخراج الزكاة عامة؛
  • أن عددا من الأموال لا يُخرج أصحابها زكاتها لأن الناس لم يألفوا الزكاة إلا في الفلاحة والماشية؛
  • أن العلم بالمقادير والكيفيات ووجوه الصرف ضعيف في الجماعة؛
  • أن أثر الزكاة لا يُرى في معالجة الفقر وأنواع الاحتياج الموجودة في القرية.

تبين أن الأموال التي تروج في القرية حاليا، وينبغي أن يحرص أصحابها على إخراج زكاتها، هي على العموم:

  • حرث الحبوب، بعضها بالسقي وبعضها في البور، وكان الناس يعطون عشرها للمساكين، وقد تراجعت زراعتها، ومن أراد أن يعرف ما يجب عليه فيها ومتى يجب فليسأل الأئمة؛
  • الخُضَر، إذا كانت للبيع وبالمردود الذي يحدده الفقهاء؛ ولم تكن الزكاة في هذا النوع من الزراعة معروفة في القرية لأنها كانت في حدود الاستهلاك الذاتي أو المشاركة بالمجان، ولم تكن موجهة إلى السوق من قبل؛
  • ثمار الأشجار، وكان المعروف منها الزيتون، وقلما كانت تخرج منها الزكاة وإن كانت مهمة؛ واستجدت أشجار مثمرة أخرى تأتي بأموال مهمة مثل التفاح والخوخ والبرقوق؛
  • المواشي، تراجعت تربيتها، وإن كانت بعض القطعان ما زالت تزيد عن النصاب؛ وقد تراجع إخراج الزكاة منها؛
  • تربية دواجن جديدة بطرق عصرية، وتدور فيها أموال مهمة؛
  • التجارة، من بقالة وغيرها، ولم يكن معتادا فيها إخراج الزكاة؛
  • الصناعات المختلفة، إذا كانت تأتي منها الأموال التي يجب عليها أداء الزكاة؛
  • الخدمات المختلفة، ومنها الأجور التي أصبحت بالنسبة لبعض الفئات بالقدر الذي يجب إخراج الزكاة عليها سنويا؛ ولم يعتد الناس إخراج الزكاة عليها؛
  • المعادن، وتدر بالنسبة لبعض الناس أموالا تزيد عن النصاب.

بعد هذا وضحت للناس أنه يمكن لكل من أراد أن يؤدي هذا الفرض أن يسأل الأئمة عن التفاصيل، فالأمر يتعلق بيقظة ضمير المؤمن في مسألة أساسية في الدين، علما بأن المقادير تتراوح عادة بين عشر المال ونصف العشر وربعه. وأهل القرية المستحقون هم قبل غيرهم الفقراء والمساكين.

تبين لنا أن هذا الأمر يتطلب من الجماعة أن تعين من يقوم على جمع الزكاة وتوزيعها، كما هو منصوص عليه في القرآن الكريم بقوله تعالى: " ...والعاملين عليها " (التوبة 60)، ويجوز أن يكون لهم نصيب منصوص عليه شرعا، ومن المناسب بالنسبة للقرية أن يكون على رأس هؤلاء أئمة المساجد وبعض الموسرين ليكون الجمع والتوزيع بمقتضى ما يرونه، على أن تتعاون على هذا الأمر جماعة المسجد وتدبره بما لا يترك مجالا للريبة والخلاف، كما يمكن أن يصرفها بعض الناس مباشرة للمستحقين إذا فضلوا ذلك، على أن التنظيم في التوزيع أولى. 

اتفقتُ مع الأئمة على أن نشرح الزكاة بما قلناه ونزيد ونقول للجماعة في كل الخطب والمواعظ وفي اللقاءات والزيارات للأفراد والضيافات إن أمر الزكاة هو باب التطهير الروحي للقرية وفتح جميع أبواب البركات والخيرات عليها، وبأننا سنتوقف عندها وننصح الناس في أمرها ونتوسل إليهم ونرغّبهم حتى نرى ما يكون، ولا نغادرها إلى غيرها قبل الاطمئنان إلى ما سيكون فيها ولو على سبيل التدريج.

تكونت على صعيد جماعة المسجد مجموعة صغيرة للتوسل، بغير إحراج، لمن يظن أن أموالهم في أي نوع من الأنواع السابقة تبلغ النصاب، وتم الشرح للناس على أن كل صاحب مال يحدد الوقت الذي يكون قد مرت عليه سنة ليخرج ما عليه، ولو حددت القرية كلها موعدا أو موعدين في العام لكان ذلك أنسب للتدبير .

وتكونت مجموعة أخرى لتنظر في من يستحقون الزكاة في القرية، وفي مقدمة المستحقين العجزة والأرامل وذوو الأيتام وكل الذين لا يجدون ما ينفقون.

أخذتُ الوعد من الأئمة ومن بعض أعيان القرية على أن يجعلوا أمر الزكاة أمرهم الديني الأول، نظرا لما فيه من المنافع من جهة، ومن البركات من جهة أخرى، وأن يتحروا في توزيعها وأن لا يلتفتوا إلى من يلمزونهم أو يشككون في عملهم، لأن الشيطان لا يحب أن يتطهر الناس ولا يعجبه أن يستقيم أمر هذا الدين.  

بعد شهر من التداول في القرية، حول الزكاة، ظهر الاهتمام من ذوي اليسار النسبي وممن دونهم ومن ذوي الحاجة على السواء، وبدأ يلوح على الملامح ما يشبه هذا السؤال: أين كنا من أمر الدين؟ وقال آخرون: من السهل أن تدخل وتخرج من المسجد وتظن نفسك ناجيا وصالحا وأنت لا تؤدي الزكاة، ولكن الذي أثلج الصدر هو أن خمسة من الشباب ممن لهم مستوى التعليم الثانوي أو حتى الجامعي من سكان القرية قد تجاوبوا مع مطلبي لهم بأخذ هذا الأمر من جهة الإحصاء التقديري دون إبداء فضول زائد، وكانوا يجتمعون عندي في الدار، وبعضهم ربطت زوجته علاقة طيبة مع السيدة المرشدة، قال هؤلاء بعد تحريات ضرورية:

  • إن مجموع ما يمكن أن يخرج من الزكاة من مختلف الأموال في القرية قد يصل إلى ضعف الحاجة الضرورية القصوى للمحتاجين، أي الاقتصار على الضروري من الغذاء واللباس، بحيث يمكن صرف النصف الآخر على حاجات ضرورية زائدة عن العادة؛
  • أنه بإمكان إقناع شخص أو شخصين ممن عليهم إخراج الزكاة بالتعهد للجماعة في المسجد بتقديم زكاته لبيت معين أو عدد من بيوت المستحقين؛
  • أن هذا التوزيع والتعهد يكون بالمواصلة مع المجموعة المكلفة على صعيد المسجد؛

سعدنا بما وقع التوصل إليه، وقد توفرت لدينا الآن لائحة بأسماء المعنيين تأكيدا بالزكاة، لأن مداخيلهم المقدرة لا تخفى، وكذلك لائحة بأسماء المستحقين؛ وقد قام الشباب بهذا التقدير على أساس ما هو بيّن ظاهر:

  • أصحاب المداخيل من الأشجار المثمرة لاسيما الزيتون والتفاح وما في حكمه؛
  • أصحاب المداخيل من تربية الدواجن الحديثة؛
  • أصحاب المداخل من المعادن.
  • تبين أن أدنى ما يمكن أن يتحصل من زكاة هؤلاء، وعددهم سبعة هو مائة وخمسون ألف درهم، وأنها تسد الحاجة الضرورية الدنيا لخمس عشرة عائلة هي الأكثر احتياجا.
  • أما أصحاب التجارات وأصحاب الخدمات، وحيث إنهم لم يتعودوا على إخراج الزكاة، فقد ظهر أنهم بحاجة إلى الوقت للاقتناع ولمعرفة نصابهم والاستعداد للأداء، وهذا لم يمنع قلة منهم من الإلحاح في السؤال وإظهار الاستعداد. وتقدير ما يمكن أن يأتي من هؤلاء قد لا يقل عن القدر المذكور، لأن تقدير العمال ذوي الأجور البالغة النصاب وحدهم يكون 15000 درهما على الأقل،في الشهر للعامل الواحد ، أي 180000درهما للواحد في العام، أي ما يقرب من 200000 درهما إذا كانوا مائة. وزادوا فقالوا: ثلاثة من أصحاب سيارات الطاكسي وشاحنتين يمكن أن يكون قدر زكاتهم ما لا يقل عن المبلغ المذكور.

في آخر الشهر الذي خصصناه للكلام مع الجماعة في شأن تدبير الزكاة، قال الخطيب:  

  • إن الله وفّق هذه البلدة لتبدأ استكمال حياتها بأركان الدين؛
  • إن العمل السديد بأركان الدين غايته العمل الصالح الذي تنتفع به البلاد والعباد؛
  • السر كله في الإيمان بوعد الله والرجاء في هدايته والعمل بما أمر والانتهاء عما نهى عنه؛
  • هكذا ينبغي أن نفهم الدين ونعيشه وننظر إليه على أن فيه الحل لكل مشاكلنا دون حرج ولا مشقة؛
  • لا يجوز أن ننظر إلى الفقراء، وهم يعانون من الخصاصة، وهم إخوتنا وجيراننا، ولا نفعل من أجلهم شيئا، ونظن أننا غير مسئولين عنهم في مشاطرتهم ما عندنا؛
  • لا يجوز أن ننظر إلى الفقراء كما لو أن الله أراد لهم أن يكونوا كذلك؛
  • لا بد أن نطمئن إلى أنه لن يمر وقت قصير حتى يكون كل مكلف مسئول في هذه القرية متوجها إلى ربه وهو يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة؛
  • لابد أن نضمن استمرار العطاء للمحتاجين، وإذا وفّق الله فستكون زكاتنا كافية لحاجتنا الضرورية ويفيض عنها ما يمكن استثماره في بعض المشاريع المدرة للدخل، على حسب ما اجتهد فيه الفقهاء من جواز هذا الاستثمار إذا أمكن ودعت إليه الحاجة؛
  • إن المبادرة إلى الزكاة يجب أن تكون كالمبادرة إلى الصلاة، وذلك بأن يشعر المعني بها أن عليه أن يؤديها كما يجب أن تؤدى الصلاة، وفي وقتها وعلى أنها حق الله عليه.
  • تصوروا غيركم من أهل القرى الأخرى وقد سمعوا بكم وما أنتم عليه في هذه النهضة للقيام بركن أساسي في الدين، وتصوروا أن يقوم بعضهم بمحاسبة نفسه والمبادرة إلى هذا الواجب، كم يكون عليكم فيه من حسن الذكر وأجر السبق والتذكير والقدوة؛      

إن هذه القرية بحول الله لن تعود إلى غفلتها عن الحرص على الزكاة.

(1)يوميات الإرشاد

(2) رواه البخاري في صحيحه، باب وجوب الزكاة.

المساعد الرقمي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية