
أول ما يفترض أن تنهى عنها الصلاة من الفواحش والمناكر هو الكذب(1) قال تعالى: "ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين" (الصف 7). ذلك لأن الصدق هو الذي يميز المؤمن عن الكذاب أو المنافق، والكذب ليس مجرد ذنب بل هو معصية لأنه يلغي هوية المؤمن بإيمانه بما يشبه إعدامه ومسخ حقيقته المركزية، ولذلك ورد في حديث صفوان بن سليم المروي في الموطأ من أنه قيل للرسول صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن جبانا ؟ فقال : نعم،فقيل له : أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ فقال: لا. "
قال الله تعالى: " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون " (النحل 107 ).
والكذب كذب على الله، وكذب على الناس، وكذب على النفس، فالكذب على الله أن تقف أمامه توحده بالعبادة وتستعين به وحالك حال المخالف، وأكبر المخالفة عبادة الهوى أو الاعتداد بالحول والقوة وإظهار الطغيان.
والكذب يكون بالقول وبإخلاف الوعد أو العهد، حيث إن الدين المعاملة، وحسن المعاملة قائم على الصدق، والكذب إفساد للمعاملة.
والكذب ينم عن ضعف في الشخصية، وكل ضعف في الشخصية فيه خسارة الفرد والمجتمع؛
لا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابا، وفي هذه الحالة يكون مدمنا على وصف يخرب شخصه ويضر غيره.
والكذب على الناس إما غش أو زور أو خيانة،
والكذب على النفس وقوع في الغرور والوهم؛ قال تعالى: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم" (الأنعام 24).
ومن هنا وجب على المؤمن الفرد وعلى المؤمنين الجماعة الحرص على التربية على الصدق مهما كلف الأمر، ووجب على المجتمع خاصة، توفير الظروف لأفراده لكي يسهل عليهم التحلي بالصدق، لأن بعض أحوال المجتمع تشجع على الكذب، وقلما انتبه الناس إلى أن أحوال المجتمع تؤثر على سلوك الأفراد وعلى قدرتهم على الاستقامة عامة، ورأس هذه التربية على الصدق هو ما توقفنا عنده في أحاديثنا مما يتعلق بالتربية على محاسبة النفس في كل وقت واليقظة إزاء الحالات التي يتعرض فيها المرء لإغراء الكذب، فالمجتمع قد يكذب على نفسه إذا سار في طريق الإفلاس وظن أهله أنهم يحسنون صنعا. فدواعي الكذب متعددة ومنها إرادة إخفاء حقيقة أو إرادة غمط حق أو محاولة التملص من مسئولية، وعلى هذه المستويات المختلفة ينبغي استحضار قضية الصدق والكذب وليس على الأفق المحدود للفرد.
في غالب الأحيان تكون للجماعة معاييرها في ترصد الكذب واكتشاف من هم من جماعتها مبتلون بالكذب، وتدخل في هذا الاكتشاف كل أساليب التقصي والتحقيق، وبدل الاكتفاء باتخاذ الجماعة كذابيها هزءا، فالأجدى هو أن تعينهم على التغلب على جوانب الضعف الدافعة إلى الكذب.
عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا
عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (2)
(2) رواه البخاري في صحيحه، باب علامة المنافق