
قال الله تعالى: "وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين" (البقرة 195).
وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه" قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: " يتعرض من البلاء لما لا يطيق" (1).
فالهلاك (2) هو الضرر وهو ما يتجنبه بالغريزة وبالعقل كل إنسان ويخافه ويتقيه منذ صغره، ويتخذ كل الوسائل ليحفظ منه نفسه؛
غير أن الإنسان إذا لم يتق ميوله وشهواته بإرادة مستمدة من إيمان قوي وتذكُّر دائم فإنه يصبح هو نفسه مصدرا لهلاك نفسه، والقصد هلاك صحته البدنية والعقلية وهلاك ماله والجنوح إلى أمور فيها مغامرة حتى بحياته؛
وحيث إن الحياة أمانة من الله وهبها للإنسان وأراد أن يحفظها حتى يكون على ما يقتضيه التكليف بالواجبات والحقوق على مقتضى الشرع؛
وحيث إن الله رؤوف بعباده يعز عليه أن يصيب المؤمنين العنت والألم والشقاء؛
فإنه سبحانه تعالى قد نهى الإنسان عن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة كيفما كان نوعها، واستعمل سبحانه وتعالى فعل " ألقى " للدلالة على حال من يفعل ذلك بحيث يكون ذاهلا غير محتسب للعواقب والتبعات، والحالة أن من يُلقي بالشيء يصعب عليه أن يسترده، كما أن الإلقاء قد يتسبب في الصدمة والكسر الذي لا إصلاح بعده.
والأيدي هي كناية عن النفس، وفيه المعنى بأن ارتكاب هذا المحظور يَحرِم المرتكب من آلة عمل الخير الأولى وهي اليد، كأنه أصبح معوقا، والأمر كذلك في كثير من الحالات المشار إليها.
توجد حالات عديدة من الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، ولكن العقل ينصرف في الدرجة الأولى إلى الحالات التي يفقد فيها الشخص قدرا من حريته إزاء بعض العادات والحاجات المكلفة والمعوقة من جهة، والمخلة بشروط التكليف من جهة أخرى، ومنها أن يتناول ما يُذهب القوة العقلية، وهي بالدرجة الأولى الإدمان على الخمر والمخدرات.
تبين لي أن تحقيق إصلاح في هذا الباب على أرض القرية يحتاج إلى أفعال حكيمة أكثر مما يحتاج إلى تنبيه أو وعيد في خطبة أو موعظة. وقد تذاكرت في هذا الشأن السادة الأئمة فكانوا على اتفاق تام مع تخوفي، فهم أعرف بالقرية وأحوالها، والواقع أن ما لا يقل عن عشر سكانها هم من المدخنين، وأقل من نصف هذه النسبة هم من يشربون الخمر، أما تناول المخدر فقد أخذ ينتشر ويصيب المراهقين والشبان على الخصوص، من بينهم حتى بعض الفتيات.
أشار الأئمة بالاستعانة ببعض الشباب الملازمين للمسجد للتعرف ولو على سبيل التقريب على مكامن الداء ابتداء بما يتعلق بتناول المخدرات. وحصلنا على المطلوب من المعلومات على وجه التقدير، وعرفنا على الخصوص الشخص الرئيسي الذي يأتي بالمخدر ويبيعه. ووجدنا لمحاولة استمالته مدخلين دون أن يعلم أحد أنني أنا والأئمة من وراء ذلك المسعى، المدخل الأول هو السعي لدى السيدة المرشدة لكي تستدعي إلى دارها من أجل حديث ودي امرأة أرملة لها بنت شابة يحبها الرجل المتجر في المخدرات وعمره بين الثلاثين والأربعين، وهو يسكن عندها في معظم الأيام.
أعدت المرشدة الشاي والحلوى في دارها واستقبلت السيدة وقالت لها بعد السؤال عن الأحوال: متى تقيمين العرس للبنت مع إبراهيم؟ وهو اسم جالب المخدرات إلى القرية، عندها بدأت المرأة تشكو وتبكي وتقول إنها تخاف منه لأنه هدد ابنتها يوما بالسكين، ولا تستطيع أن تشكو لأحد وهي تخاف أن يصيب ابنتها ما أصاب آخرين في القرية من تناول الأعشاب حتى إن بعضهم وجد عملا في دار للسياحة ولكنه ينفق على هذه البضاعة نصف أجرته، وقالت: الناس في القرية ينظرون إلي باستنكار ويحتقرونني ويذكرون ابنتي بسوء لأن هذا "المسخوط" يدخل دارنا بلا موجب وهو الذي أوقف البنت عن الدراسة، وكانت بعيدة في داخلية الإعدادية بمركز الجماعة.
قالت السيدة المرشدة: سنرى كيف يمكن أن نعينك على زواج ابنتك إن شاء الله، لا تذكري لأحد شيئا عن هذا اللقاء، لا تذكري ذلك حتى لابنتك.
نقلت إلي السيدة المرشدة ما جرى، وأخبرت الأئمة واتفقنا على أن ندبر ثلاثة أمور:
- أن ندبر عملية ردع ضد هذا التاجر؛
- أن نبحث له عن مورد للرزق؛
- أن نزوجه بالبنت إذا استقام حاله.
تكلم الإمام الخطيب في الموضوع مع شيخ القرية، وكان هذا الأخير يقدر الخطيب، فقال الشيخ: " أعرف هذا "المسخوط"، ولم أعد أقبل هداياه لأن ابن أخي كاد أن يفقد عقله بما يأكله من الأعشاب، وقال: ولا عليك، سننصب له مصيدة. قال له الخطيب: إذا وفقك الله وردعته فستشكر لك القرية كلها عملك.
ذهب الشيخ إلى خال البنت وحرّضه قائلا: إن ذلك المسخوط "بياع الحشيش" يسيء إلى سمعة عائلتك، فاقتحِم عليه الدار ليلا مع ثلاثة من أولادك وأوثقوه، وعندما أحضر تعرضون علي الأمر وتخيروه إما أن يلتزم بالزواج من البنت وإما أن نسلمه للدرك قصد كتابة محضر له وتقديمه للمحاكمة.
ذهب الشيخ بالنهار إلى أم البنت وأخبرها بما سيقع بالليل، وقال: عندما أحضر إلى بيتكم اذهبي أنت إلى إمام المسجد واطلبي منه الحضور.
جرى الأمر كما وقع الاتفاق عليه، وتشفع الإمام في البيّاع، وطلب من الأقارب حل وثاقه، وقال أنا أضمنه للشيخ، وكان هذا الأخير قد فتش الغرفة ووضع اليد على حقيبة فيها حشيش للبيع، وأخذ الوعد من الجميع بألا يجري الحديث عما جرى.
ذهب الإمام بالتاجر إلى دار المؤذن وطلب منه أن يبيت عنده إلى غده دون إشاعة خبر ما جرى.
ذهبت أنا والإمام إلى دار المؤذن وقلنا لإبراهيم إننا نريد منه أن يتوب وأن يحسّن سمعته ويكف عن تسميم أبناء القرية.
قال: أقسم لكم بالله أنه لو كان لي رزق آخر ما فعلت هذا.
قال له الإمام: سنبحث لك عن شغل إذا تركت هذا الصنيع وتزوجت البنت التي صارت زوجة لك منذ مدة بدون إعلان.
كتبتُ رسالة إلى السيد رئيس المجلس العلمي المحلي أطلب فيها أن يتدخل لدى السيد عامل الإقليم لكي يعطي لإبراهيم رخصة سيارة نقل مزدوج يشترك في ريعها مع أحد المحتاجين في القرية، سنقترحه فيما بعد.
- وقعت الاستجابة بعد شهر والحمد لله، ولزم إبراهيم المسجد كل صلاة صبح قبل الانطلاق للعمل في سيارة اشتراها له أحد العمال في السياحة على سبيل الكراء. وتحدث الناس بخبره، وتراجع البعض عن تناول المخدر. وأقام الخال وليمة خطبة للبنت حضرها أهل إبراهيم.
- انطلقنا في معالجة بقية حالات الإدمان بالأسلوب المناسب، وقد تمكنت بواسطة أحد الإخوة المرشدين من استدعاء رجل مختص في التربية على محاربة الإدمان عامة فشرح للناس هذا المرض.
(1) رواه الترمذي وحسنه
(2) يوميات الإرشاد