تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
مواقيت الصلاة
  • الفجر--:--
  • الشروق--:--
  • الظهر--:--
  • العصر--:--
  • المغرب--:--
  • العشاء--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

خطبة حول الإسراف في اللذات... الفصل 70

أضيفت بواسطة louey بتاريخ
Date de publication

خطبة حول الإسراف في اللذات... الفصل 70

من شفقة الله على خلقه(1) أنه سبحانه وتعالى قد بنى دينه كله على الاعتدال الذي فيه عدل الإنسان مع نفسه وعدله مع غيره وعدله مع ربه، فنظّم لنا كيف نتمتع بالطيبات وقال: " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" (الأعراف 31). وقال: " وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا" (الإسراء 26-27).

خلق الله الإنسان بحاجات ضرورية كما خلق فيه الميل إلى شهوات أساسية وزائدة، فهو بحاجة إلى الطعام والشراب من ميلاده إلى وفاته، كما أن الإنسان، رجلا كان أو امرأة، هو بحاجة إلى الزواج أي إلى إشباع شهوته الجنسية، لا لأجل النسل بل لأجل حاجة ولذة يرتبط بإشباعها استقرار نفسي مؤكد. على أن في الإنسان ميلا إلى تجاوز الحاجة الضرورية في هذين الأمرين، الطعام والجماع.

من التصورات الخاطئة عن الدين النظر إليه على أنه يدعو إلى الحرمان، والحال أنه يحل كل الطيبات ويحرم كل الخبائث؛ يتوقف الإشباع بالطيبات والإقلاع عن الخبائث، لا على إتيان ما ينفع وتجنب ما يضر وحسب، بل يتوقف على حسن تصريف الشهوة، أي على الحرية إزاء الهوى، كما رأينا في مقتضيات الإيمان، لأن كثيرا من الضالعين في علم أمور الحياة بما فيها علوم الطبيعة، ومع علمهم، لا يقفون بأشخاصهم عند حدود الاعتدال في التمتع بالطيبات، فتجنب الوقوع في التهلكات يستنير فيه الإنسان بالعلم، ولكنه يتوقف أساسا على التربية والإرادة والهداية، أي التحكم في النفس، فالذي لا يخفى عن الإنسان، أيّا كان، أن الزيادة عن الحاجة في الطعام فيها إضرار بالصحة، ومع ذلك فكثيرا ما يعيش الإنسان في هذه الحالة بالذات مواقف صعبة يخضع فيها للشهوة ويضعف فيها أمام اللذة، فالنهم في اللذات يكتسي في بعض الأحيان صفة مرض نفسي، فالمبالغة في استهلاك الطعام الزائد عن الحاجة مثلا تصبح تصرفا لا أخلاقيا، سيما إذا كان الغير من الناس لا يجد ما يسد به جوعته.

ثم إن التربية على معرفة كيفية تحضير الغذاء بالقدر الضروري أساسية، ولاسيما بالنسبة للسيدات، لأن الطعام القليل الأرخص قد يكون أفيد من الطعام الكثير الأغلى، و معلوم أن للعوائد في هذا الباب دورا كبيرا.

تستعمل في هذا العصر مفردات "الكم" و"الكيف" ومصطلح "الجودة"، وهي مفردات تعين على فهم المراد، وتصلح كذلك في تدبير الأكل كما تصلح في علاقات الزواج، هذه العلاقات التي يفترض فيها التبادل الثنائي الذي يرقى بتلك العلاقة إلى مرتبة التعابير الراقية.    

للسُّنّة النبوية الشريفة توجيهات نيرة في هذا الباب، ولحكمة الأمم أقوال مثل قولهم: ارفع يدك من الطعام وأنت تشتهيه، وقولهم الثلث للطعام والثلث للماء والثلث للهواء. أما شرب الماء فقلما يكون فيه الإسراف، بل النقص هو السائد، والنقص فيه مضر كذلك.

لم يترك الدين أمرا يتوقف على اختيار الإنسان إلا بيّنه ونظّمه وبناه على الاعتدال، ومن جملة ذلك، كما ذكرنا، الطعام والجماع في الزواج.

فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا ما لم يخالطه إسراف، أو مخيلة " (2) .

  • (1) يوميات الإرشاد
  • (2) رواه ابن ماجة، باب الْبَس ما شِئْتَ، ما أَخطأَك سَرَفٌ أو مَخِيلَةٌ، والنسائي في الكبرى، باب الاختيال في الصدقة
المساعد الرقمي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية