
الحق ثلاثة (*): حق الله وحق النفس وحق الغير، والواقع أن حقوق النفس وحقوق الغير هي من جملة حقوق الله، لأن الله تعالى لا يقبل الظلم، لا ظلم النفس ولا ظلم الغير، وهو الولي والوكيل؛ فهو سبحانه الذي خلق السماوات والأرض بالحق، وله دعوة الحق، وأرسل رسوله بدين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، لا يقبل أن يلبس الناس الحق بالباطل، ولا يقبل أن يكتم الحق، وإذا اختلف الذين آمنوا في ش يء من الحق واجتهدوا فإن الله يهديهم إلى الحق وما نزل الكتاب بالحق إلا ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والذين أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق، وقد أمر الله أهل الكتاب ألا يغلوا في دينهم وألا يقولوا على الله إلا الحق، وممن خلق أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، فقال: " إن الظن لا يغني من الحق شيئا " (النجم: 28)، وقال: " ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق "(الأنبياء: 18). وقال:"لقد جئناكم بالحق ولكن وأكثركم للحق كارهون"(الزخرف: 7)، وقال:" ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن "(المؤمنون: 71)، وقال:" إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق"(الشورى: 39)..
إن من حكمة الله أن هدى الناس عبر التاريخ إلى البحث عن السبيل التي تؤدي بهم إلى إقامة هذا التواص ي بالحق في هذا الأمر الذي هو من أعظم الأمور وهو الحكم، فسموا هذا الموضوع ب " السياسة "، وأدرك المسلمون مغزاها فاستنبطوا ما كان فيها من اجتهادات المسلمين تشاركوا فيها جميعا حكاما وعلماء وحكماء وسماها بعضهم ب" الأحكام السلطانية " وسماها آخرون ب " السياسة الشرعية"، وكلها تدور حول واجبات الحاكم وواجبات المحكوم لنصب العدل ودفع الطغيان، والمرجع الفكري العملي القرآني فيها هو الشورى لقوله سبحانه عن الرسول وصحابته:" وأمرهم شورى بينهم "(الشورى: 35)، وقلما تنبه المهتمون إلى أن هذه الآلية التي هي الشورى هي الشورى يعضدها توجيهان قرآنيان هما قوله تعالى في شروط النجا ة ، نجاة جماعة الناس من الخسر: " والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر "(العصر: 1 - 3)، وقوله تعالى عن قوم وقعوا في الخسر:" كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه "(المائدة: 8).
كان المسلمون في ضمائرهم متمسكين بهذه القيمة، قيمة "الشورى "، ولكن الإشكال الذي كان يواجههم منذ البدايات ه و تنزيل هذه القيمة " السياسية " في واقع الناس، واقع يواجههم بهذا السؤال: من يشاور (بكسر الواو) ومن يشاور (بفتح الواو)، لا شك أن الأمر جماعي كما عمل به الصحابة والهيبة والورع حاضران في موقف اختيار سيدنا أبي بكر خليفة. ولا شك أن الصحابة رضوان الله عليهم، وحسب ما ورد في أخبارهم ، ظلوا يتشاورن في مهمات أمور الأمة وهم خيرة المؤمنين، ويبقى الإشكال الذي ورثه المسلمون هو تعيين هذه الفئة من الفضلاء الذين سموا فيما بعد ب" أهل الحل والعقد".
لقد أفضت تجارب الإنسانية في عصرنا إلى أن الشورى أمر جماعي يهم الجميع، بيد أنه ليس من المتوقع أن يتفق الجميع على من يكون في أهل الحل والعقد، فقد كان الناس في المغرب عبر تاريخه يرون أن أهل الحل والعقد هم الذين يوقعون على البيعة لأمير المؤمنين، وهم على العموم الشرفاء والعلماء وشيوخ الزوايا وأعيان المدن والقبائل وأمناء التجار والصناع ورؤساء العساكر. وهكذا قادت التجربة المغاربة إلى هذا الأسلوب السليم فعملوا به مدة طويلة، هذا في عقد البيعة، أما في ما عدا ذلك فقد كان السلاطين في تواصل مع جميع تلك الفئات لحل المشاكل النازلة، ولكنهم كانوا على الخصوص يطلبون الفتاوى من العلماء.
أما في العصر الحاضر فإن أسلوب الانتخاب (الصوت الواحد للشخص الواحد المواطن، ذكرا كان أو أنثى دون أي اعتبار آخر) هو الذي قادت إليه تجارب الأمم الأخرى، ولا يسع أحدا في العالم إلا الأخذ بهذا الأسلوب وأن يجتهدوا في تحسينه بعد كل العيوب التي أبان عنها، وبالرغم من الصعوبات التي تواجه تنزيله السليم. ذلك لأن سلامته تتوقف على التزامات أخلاقية تبنيها التربية ولاسيما التربية على قيم الدين، يعضدها القانون، أي وازع السلطان.
فإذا أخذ المسلمون بهذا الأسلوب، وهم على تربية أخلاقية عالية مستمدة من الدين، فإنه يفضي إلى نفس النتائج المرجوة، وهي اختيار فضلاء الناس ليقوموا بواجب الشورى، ولكنهم سيظهرون للعالمين نظاما سياسيا خاليا من الفساد وهو أعز ما يطلب.
يتعين على المبلّغ أن يقوم بتوعية الناس بجلية هذا الأمر الخطير في الدين وهو الشورى، وأن الأمر يتوقف على تخليق الأمة التي يمكن أن تعطي للآلية على الصيغة الديموقراطية مصداقيتها، وفي انتظار ذلك فلا محيد عن تطبيق مبدإ الانتخاب الذي هو مبدأ في صميم مبدإ الشورى إذا لم يشُبه الفساد، تطبيقه وتنزيل كل ما يتبعه من إقامة المؤسسات الساهرة على التواصي بالحق كأساس للعدالة السياسية والقانونية، حيث تصبح المشاركة في الانتخاب والحرص على سلامة هذه الآلية واجبا دينيا عالي الأهمية بالرغم من سلامتها النسبية، والتوعية بهذه الوقائع من شأنها أن تحمي الناس من دعاوى الفئات التي تشكك في " الديموقراطية " وتتهم الأنظمة العصرية بأنها لا تمارس الشورى في الحكم، ومعلوم أن هذه الفٍئات المناوئة للديموقراطية تسعى باسم الخلافة إلى فرض طريقة في الحكم لم تصرح قط بتفاصيل اختيار المرشحين فيها للشورى، لأنها تنوي فرضهم بمعاييرها في فهم السياسة.
بعد أكثر من شهر على طرح موضوع اقتراح جماعة المقيمين الأجانب في القرية إصلاح الدور في ما يتعلق بالتصريف الصحي والربط بالماء، تقدم ثلاثون من السكان بالطلب للاستفادة من هذا المشروع؛ وعلى أساس ذلك قامت السيدة يامنة بالتنسيق الذي يراعي توقع ازدياد الطلبات فيما بعد؛ وتحسبا لذلك اشتغل المهندس الذي وقع تكليفه، وعلى أساس تصوره القابل للتطوير تم الشروع في ما يلي:
- 1. تكليف مهندس بالمشروع؛
- 2. قيامه بطلب رخصة حفر بئرين في أعلى القرية لتزويدها بالماء؛ حسب ما تقضيه تضاريسها؛
- 3. قيام السيدة يامنة باستقدام مختصين من بلدها بجهة وارزازات في حفر الميضاءات على أساس توجيه المهندس؛
- 4. شروع الحفارين في العمل على نفقة الممولين؛
بعد شهر تم الفراغ من أربع ميضاءات، ولم يعد أصحاب تلك الدور، ولاسيما النساء، يخرجون لقضاء الحاجة إلى الخلاء أو إلى حظائر الحيوانات.
وبعد شهرين انتهي الفراغ من حفر البئرين، وبدأ ربط الدور بالماء الشروب.
وتعجب السكان مما يقع، ومن كون هذا العمل يأتي على أيدي قاطنين أجانب، وكيف أن السبب جاء على أيدي أئمة المساجد (الطلبة) وكانوا لا يتدخلون من قبل في هذه الأمور، وحمد جل الناس دور تلك السيدة المعروفة بالخير وإن كانت لم تفلت في الماضي من ألسنة السوء، من الرجال والنساء على السواء.
ولم تمض مدة شهرين حتى كان جميع السكان قد تقدموا بطلب الاستفادة من المشروع، ما عدا ثلاث دور منها دار الشيخ كانت فيها مضاءات ومرتبطة بعيون ماء.
بعد ما تم من التطوع لجمع الزكوات وإسعاف المحتاجين، وبعد عملية الشروع في القضاء على تناول المخدرات، وما تلاها من الاتفاق على تنظيم عمليتين في السنة لتشجيع الزواج، ساد في القرية جو من الشكر والاستعداد للمزيد، وترتب عنه الإقبال على خطب الجمعة وعلى المواعظ في المسجد، وكذا الأسئلة الموجهة إلي شخصيا وإلى السيدة المرشدة عبر الهاتف المحمول.
(*) يوميات الإرشاد