
نظم المجلس العلمي الأعلى يوم الأحد 28 جمادى الأولى 1446هـ الموافق لـ 1 ديسمبر 2024م، ندوة علمية في موضوع:" العلماء ورسالة الإصلاح في المغرب الحديث؛
وقد شارك في هذه الندوة الأستاذ سعيد بيهي (رئيس المجلس العلمي المحلي الحي الحسني) بمداخلة تحت عنوان: "عوائق التبليغ رصد وتجاوز"، وفيما يلي ملخص هذه المداخلة؛
ملخص مداخلة الأستاذ سعيد بيهي تحت عنوان: "عوائق التبليغ رصد وتجاوز
أحاول في هذا العرض مقاربة مسألة التبليغ بلحاظ العوائق التي انتصبت تحديات وموانع تعترض سبيله، في أفق تجاوزها بعد رصدها؛ خاصة ونحن نعيش اليوم فيما يُسمى بعصر الجودة الشاملة.
إن "التبليغ" من حيث هو كمال إيصالِ هدايات الدين؛ بواسطة إرشادٍ نافعٍ مِن حيثُ الملاءمةُ بين مطلوب الدين وبين المبلَّغ إليهم، ومن حيث تحقيقُ الأثرِ المرسِّخِ للباعِثِيَّةِ على الخير والزاجرية عن الشر فيهم؛ بغاية تحصيل سعادةِ الدّارَيْن؛ كفيل بأن يتحول إلى وسيلة ناجعة تُثمر بفعاليةٍ الحياةَ الطيبة باعتبارها وعد الله تعالى الذي لا يتخلف وإن اختلفت الأزمنة والأمكنة وتنوعت السياقات والأحوال؛ قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ اَوْ اُنْثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وقد تَطَوَّر واقع الأمة المعاصر ليشهد تحديات ناجمة عن مُتغيراتٍ انتصبت عوائقَ اعترضت سبيل التبليغ فمنعته عن مساره القاصد في تحقيق غاياته؛ مما أثر في مقومات فعاليته مُفْقِداً إياه نجاعته المتمثلة في فعاليته في تحقيق ثمراته في ظل مُتَنَوِّعِ السياقات؛ مما يقتضي توفير المستلزمات المحققة لذلك بَدْءاً بامتلاك رؤية لمقومات التبليغ المطلوب بلحاظ غاياته وتراتبية مراحله واختلاف سياقاته، ومرورا بالتأهيل المعرفي والمهاري للقائمين عليه، ومراعاة الإحسان في التخطيط الممكن من السيطرة على الجهود المبذولة فيه.
عوائق ناشئة عن مُتغيراتٍ مختلفة وَلَّدت الحاجةَ لاقتحام عقباتها بغية دفعها أو رفعها؛ بحيث ترتفع همة أصحابها ليزدادوا عناية بتجويد التبليغ حتى لا تتحول تلك العقبات إن لم يتم إحسان التعامل معها إلى موانع تعوق جودة التبليغ فتَمْنَع أو تُضْعِف نجاعَتَه.
ويمكن رد تلك العوائق إلى جهات ثلاث ترتبط بأركان التبليغ المحيطة بجوانبه بحسب ما يسمح به المقام:
- عوائق جهة الرؤية التبليغية؛ أي تحدي عائق عدم امتلاك التصوّر لما يجب أن يكون عليه مشروع التبليغ بما هو منهج نبوي حقيق بأن يثمر الحياة الطيبة، وذلك من حيث الأسباب الباعثة على وجوده، والقيم الجوهرية المؤسسة لطريقة النظر إليه، والوسائل والآليات المحققة لكيفية تَنْزيله في مختلف مراحله وتنوع سياقاته.
ومن أمثلته تحدي تضخم (التدين القِشْرِي) المعتني بالأشباح من خلال صبغها بمظهرية من الرسوم الجوفاء لانقطاعها عن مددِ طهارة الباطن؛ في غفلة عما يقتضيه مقصود (التَّدَيُّن الجَوْهَري) من ضرورة الغوص إلى باطن النفوس والأرواح من خلال تحريرها من الميل إلى الإشراك والفجور بِتَوَسُّطِ تذكيرٍ وتزكيةٍ وتعليمٍ تُكَيِّفُ الوِجدانَ بصِبْغِها الملحوظِ فيه نَوْعُ غَمْسٍ روحاني يُوجِب تحولا بيسر إلى تمامِ عبودية بتوحيدٍ محقق للسعادة.
- عوائق جهة أهلية القائمين بالتبليغ؛ أي تحدي عائق عدم اشتمالهم في زمن المنافسة على المؤهلات الضامنة لجعل تبليغهم مؤثرا في قلوب الناس؛ من حيث (مؤهل الوعي) بجهاته الثلاث: (وعي شرعي) يبلغون به مرتبة حسن الفهم الممكن من سلامة تصور المعرفة التبليغية من حيث أحكامها ومراتبها ومقاصدها وثمراتها، ومن حيث القدرة على حسن تنزيل المرجو منها بالمقادير والكيفيات المطلوبة، و(وعي واقعي) يُراعون به سياقات الحياة المعاصرة التي نشأت عنها خصوصيات في طبيعة العيش الجديد من حيث الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وأثرها على تدين الناس، وما يناسبها من صور التبليغ المحصلة للأثر، و(وعي نفسي) يعينهم على معرفة ما تتزكى به النفس؛ من مثل معرفة حقيقتها وما فيها من قابليات الترقي، وما فيها من نوازع ضعف مؤثرة في مردودية التبليغ مثل العجب وحب الرياسة والشح...، ومعرفة كيفية علاجها المتعين على من يحملون أمانة التبليغ.
ومن حيث امتلاك (مؤهل مهارات التواصل) الممكنة من إحسان التوصيل لمضمون مادة التبليغ ومخاطبة الناس على قدر عقولهم، وبما يراعي خصوصياتهم، خاصة في سياق منافسة الوسائط الإعلامية المشوشة بتصورات دينية غير محررة.
- عوائق جهة السياقات التبليغية؛ مما يرجع إلى متغيرات الزمان والمكان والأشخاص والأحوال التي تمثل سياقات معاصرة تؤثر في التبليغ ودواعيه وكيفياته وثمراته؛ مثل تحدي متغير المستجدات المادية والفلسفية التي أفرز الغرب من خلالها نمط حياة متسارع الإيقاع شوش على المبلغين وعيهم بالمطالب التي يقتضيها السياق المعاصر من حيث أحواله ومشاغله ولغته؛ كشرط للقدرة على صياغة خطاب تبليغي راشد يملك قوة إبصار أدواء العصر، ومن ثم القدرة على الوصف العملي لعلاجها إلخ...
إنها عوائق تُوجِبُ على المؤسسة العلمية - باعتبارها الجهة المؤتمنة على تدبير الشأن الديني وفق رؤية مُتَبَصِّرَة - دوامَ الحرصِ على تجويد اشتغالها من خلال تدبير يتطلع لتحقيق ثمرة التبليغ الجوهرية في ارتباطها بثمراته الوسائطية ارتباطا يوحد بينها جميعا؛ لتكون أفقا يتم الاشتغال على بلوغه قصدا للسداد أو المقاربة.
هذا وعلى الله قصد السبيل.