تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
مواقيت الصلاة
  • الفجر--:--
  • الشروق--:--
  • الظهر--:--
  • العصر--:--
  • المغرب--:--
  • العشاء--:--
حصة الصلاة الشهرية لجل المدن المغربية

يوميات عالم: ضوابط العمل الإحساني داخل المساجد

أضيفت بواسطة louey بتاريخ
Date de publication
Catégorie

يوميات عالم: ضوابط العمل الإحساني داخل المساجد

 تم يوم الخميس 20 مارس 2025 تركيب ثريا ضوئية(*) بمسجد عبد الله بن ياسين بحي القدس بكلميم بعد أن تقدم أحد المحسنين بمقترح المساهمة "بصدقة" عبارة عن (مصابيح ثريا) لفائدة المسجد.

اتصلت بمندوبية الشؤون الاسلامية بكلميم؛ وقدمت الطلب، فقبل السيد المندوب المقترح مشكورا؛ بل فرح به أشد الفرح؛ وأعطى موافقته بالشروع في العمل.. تطوع أصدقاء حرفيون، يحبون خدمة بيت الله؛ وتم العمل في صباح رمضاني جميل؛ وبعد ساعات من التركيز والإتقان أضيئت المصابيح.. ووقفنا تحتها نرفع أكف الضراعة "للمجيب سبحانه" أن يضيء قلوبنا وعقولنا وحياتنا بنور منه؛ ودعونا مع مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله؛ الساهر على عمارة المساجد وخدمتها..

علاقة العمل الخيري بفضاء المسجد

1. الموضوع الأهم في هذا السرد؛ هو الدروس المستوحاة من هذا العمل؛ خصوصا ما يجيب منها عن أسئلة الناس في "علاقة" العمل الخيري - الذي يعشقه ويتشوف إليه كل مغربي- علاقته بفضاء المسجد؛ أو لنقل بإيجاز: "ما الطريق "القانوني" الذي ينبغي أن يسلكه كل مواطن متطوع لتقديم خدمة خيرية للمسجد أو في المسجد؟

2. ومن المفيد أن أقدم التوجيهات التالية؛ لعل الله ينفع بها جميع أهل الخير والإحسان.. وذلك بحكم أنني "خطيب للجمعة" بهذا المسجد؛ وبحكم أنني أشغل "منصب رئيس المجلس العلمي"؛ فمن الله علي بخبرتين: خبرة "ميدانية" كخطيب؛ وخبرة "قانونية" كرئيس للمجلس يشرف على جزء من تطبيق القانون المنظم لأماكن العبادة؛ مع تغليف ادعائي هذا بكثير من التواضع والإقرار بالجهل؛ وقولي: الله أعلم..

"لا يجوز" قانونيا؛ إجراء أي عمل أو إصلاح أو نشاط داخل المساجد إلا "بإذن وعلم"

3. جميع المساجد في مملكتنا الشريفة؛ تشرف عليها مندوبيات الشؤون الاسلامية في الشق العمراني والتدبيري وكل ما يتعلق بالموارد البشرية.. كما تشرف المجالس العلمية المحلية على الجانب العلمي والثقافي الذي يمارس داخل المساجد. ولهذا "لا يجوز" قانونيا؛ إجراء أي عمل أو إصلاح أو نشاط داخل المساجد إلا "بإذن" من مندوبية الشؤون الإسلامية والمجلس العلمي. تماما كما أنه "لا يجوز" القيام بأي نشاط داخل المؤسسات التعليمية "بدون إذن وعلم" من الجهة الساهرة على تدبير المؤسسة العمومية المختصة..

لهذا عندما طلب "المحسن" تقديم هذه الصدقة أو الهبة؛ قمنا بالخطوة القانونية الأولى - رغم أني رئيس المجلس العلمي - فاتصلنا بالمندوبية الاقليمية للشؤون الاسلامية لأخذ الموافقة؛ وبعد "الموافقة"؛ وتحديد موضوع الطلب وتوقيته؛ أذن لنا بالدخول إلى المسجد من أجل أداء الخدمة؛ فاتصلنا بفريق العمل وانطلقت الأشغال..

4.هذا التذكير القانوني مهم جدا؛ فهو موجه لبعض المواطنين الذين يتساءلون:

  • "لماذا لا يسمح لي بتعليق لافتة بالمسجد كتب عليه "فقط" دعاء دخول المسجد، أو دعاء القنوت؛ أو المرجو عدم تشغيل الهاتف؟
  • أو لماذا لم يسمح "لجمعية المسجد" أن تقوم بإحياء حفل ديني داخل المسجد ؟..
  • أو لماذا لا يسمح لي بتسجيل أو تصوير خطبة الجمعة لتعم الفائدة؟

ما جرى به العمل بين الناس وتغير الأحوال..  

البعض يتساءل: لماذا تغلق أبواب المساجد أصلا؟ ولماذا لا تبقى مفتوحة على مدار ساعات الليل والنهار!. الجميل هو أننا كلنا مررنا من هجوم مثل هذه الأسئلة التي أغلبها ينتمي لتفكير ما قبل المدينة وتعقيدات التمدن.. أقصد أن المدينة بتعقيدات الحياة فيها؛ خلقت قضايا تحتاج إلى الخروج من التفكير السطحي والبريء؛ الذي يعتقد بأن المسجد ينبغي أن يظل مفتوحا طول الوقت؛ والجميع في القرية مثلا قائم بمسؤولية حماية بيت الله والحرص على صد كل بدعة تهدد ما جرى به العمل بين الناس.. فقد كان المسجد في البادية مفتوح الأبواب؛ ولكن كانت بيوت الناس كذلك نادرا ما تغلق الأبواب لقلة السكان؛ وتعارفهم؛ وصلابة عادات الاحترام والتقدير لبيت الله.. لكن لا أحد يستطيع العيش اليوم وباب بيته مفتوح باستمرار.. فقد تغيرت أحوال؛ ومنطقي أن تتغير قوانين ضبط تلك الأحوال..

حماية المساجد

5. بشيء من الاستيعاب واتساع الرؤية، والاطلاع على القوانين المنظمة للشأن الديني؛ ندرك أن هناك فلسفة عميقة ورؤية حكيمة في مركزها مقصد "حماية المساجد" من العبث والتشويش والعشوائية والاستغلال المشبوه..

المسجد مؤسسة كباقي مؤسسات الدولة

6.الجواب عن هذه التساؤلات؛ مداره على أن المسجد (مؤسسة) كباقي مؤسسات الدولة.. ولكل مؤسسة في الدولة إدارة ومسؤولون ومساطر تنظيمية؛ وكل ذلك هدفه ضمان استمرارية المؤسسة في أداء مهامها وخدماتها للناس؛ فالإدارة والمسؤولون على الشأن الديني يسهرون على نظام المساجد؛ والمحافظة على السير العادي بها؛ وضمان أداء العبادة والصلوات في جو من الطمأنينة والهدوء..

لنتصور جدلا؛ أن لكل مواطن الحق أن يتصرف متى شاء؛ وبما شاء؛ في المسجد بحريته وهواه !! فالنتيجة هي:

  • أن كل مواطن - ولنستوعب جيدا عبارة "كل مواطن" - سوف يعلق دعاء "يعجبه" هو شخصيا؛ على باب المسجد أو على حائط القبلة !!
  • وأن كل مواطن سوف يتصرف في لون صباغة ابواب المسجد بناء على ذوقه!!
  • وكل مواطن سوف يضع في المراحيض ما شاء من النعال وأواني الوضوء بناء على ما يوافق مزاجه!
  • وكل مواطن سوف يخرج هاتفه من جيبه ليصور الخطبة او أي مشهد شاهده في المسجد؛ ثم ينشره على الفيسبوك!!
  • وكل مواطن؛ أو مجموعة من المواطنين سوف يدخلون موائد الرحمان لإفطار الصائمين بالمسجد من باب الصدقة والاحسان !!
  • وكل مواطن له الحق في التدخل في قوة صوت الميكروفون لأن الصوت يسبب له صداع الرأس!!
  • وكل مجموعة من المواطنين سوف تتدخل في مهمة الإمامة لان قراءة الإمام لا تعجبهم فيطالبون بإقالته!!..

إنها أشكال من الفوضى لا تنتهي؛ بل لنقل هي الفوضى نفسها تمشي على رجلين!!..

الارتقاء بتفكير المواطن إلى التفكير المؤسساتي المنظم

ينبغي أن نرتقي بتفكير المواطن إلى التفكير المؤسساتي المنظم؛ فكما لا يعقل ولا يسمح ومن غير المسموح به قانونيا؛ أن يدخل مواطن إلى مؤسسة تعليمية عمومية متى شاء؛ ويقف في ساحتها؛ ولو ليوزع الحلوى او الدفاتر على التلاميذ!! فهو تصرف غير قانوني رغم أنه مقبول من الوجهة الخيرية والإحسانية؛ فالإحسان أصبح هو الآخر مقنن بقوانين؛ لأن الإحسان نفسه أصبحت للأسف وراءه "أجندة غير إحسانية"!!

7. الأمثلة كثيرة نسمعها بين الناس.. لماذا ولماذا؟

الجواب هو: كما لا يحق لك ان تدخل فضاء وبناية مدرسة او ثانوية او محكمة؛ وتتصرف في بنايتها او تعطي تعليمات لموظفيها ؛ أو تنظم فيها نشاطا معينا.. ببساطة؛ لأنها مؤسسة ذات حرمة؛ وهي مؤسسة عمومية خاضعة لقوانين تشرعها الأمة كلها .. ولا يحق لأحد أو جماعة أن تتدخل في المؤسسة إلا وفق هذه القوانين..

8. "المسجد مؤسسة" تابع لوزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية في شقها الإداري والعمراني؛ و تابع للمجلس العلمي الاعلى في شقها الوعظي والعلمي و الثقافي.. كل تدخل في شؤون المسجد "بغير إذن وترخيص" من المندوبية الإقليمية للشؤون الاسلامية والمجلس العلمي المحلي؛ يعرض "المواطن المتدخل" للمساءلة القانونية؛ أو قد يدخل تحت العقوبة الجنائية وهي "عرقلة أداء الشعائر الدينية" والتي تصل الى العقوبة الحبسية..

جمعيات المساجد

9. نظم القانون مسألة "جمعيات المساجد" التي تتقدم بطلب بناء مسجد ما؛ فمجال اختصاصها هو السهر على بناء المسجد عمرانيا فقط.. أما بعد انتهاء اشغال البناء؛ فإنها تسلم المسجد لوزارة الاوقاف ليصبح وقفا يأطره قانون المساجد؛ وتحل الجمعية نفسها بقوة القانون؛ أي أنها تفقد الشرعية القانونية؛ ولم تعد تربطها اي علاقة بتسيير المسجد..

تماما كما لو ان محسنا تبرع من ماله ببناء مدرسة عمومية ابتدائية مثلا.. فلا يعقل أن يعطى لنفسه صلاحيات في تسجيل التلاميذ؛ أو اختيار المعلمين؛ أو التدخل في مضمون المقررات والدروس..

حدود المهمة الإحسانية

إن المهمة الإحسانية للمتبرع وللمحسن تنتهي بمجرد انتهاء أشغال البناء.. وهذه مسألة خطيرة؛ لكن البعض لا يستشعر خطورتها على الأمن الروحي للوطن؛ هل يدرك من يعتقد أن جمعية المسجد لها الحق في تسيير المسجد والتحكم في نظامه وسير الأنشطة فيه؛ كم من جمعية سوف تعطي نفسها الحق في تسيير مسجد الحي؛ وكم من فكرة وعقيدة وتوجه وايديولوجية سوف يغرق في سماعها المواطن العادي البريء !!

هوية المسجد، توفر المناصب المالية

10. عندما تنتهي جمعية بناء المسجد من عملها وتسلم المسجد لوزارة الأوقاف.. تبدأ مسطرة أخرى وهي: انتظار إعطاء هوية للمسجد أي (رقم وطني واسم) لتصبح البناية معترفا بها من الدولة.. وبعدها المرحلة الثانية؛ انتظار توفر المناصب المالية؛ من أجل فتح باب الترشح لمناصب: الإمام والمؤذن والخطيب الذين سوف يقومون على المسجد.. يتقدم للترشيح كل من توفرت فيه الشروط المعلن عنها من المندوبية والمجلس العلمي؛ وتفتح المباراة في وجه أي مواطن بالمملكة كلها؛ بمعنى لمواطن من "مدينة طنجة" الحق في التباري على "إمامة مسجد" في مدينة طانطان أو كلميم..  ويعلن عن آجال تقديم الترشيحات؛ وكذا عن موعد "امتحانات التأهيل".. وتجرى مباراة على الصعيد الوطني في "نفس اليوم" لاختيار أئمة ومؤذني و خطباء المساجد الشاغرة ..

المباراة ذات مرحلتين: المرحلة الكتابية والمرحلة الشفوية/ المقابلة.. توضع النتائج في "أظرفة سرية" وتبعث إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمجلس العلمي الاعلى بالرباط؛ ترتب أسماء المتبارين بحسب نقط الاستحقاق المحصل عليها.. وبعد اكتمال جميع المداولات؛ تعلن الوزارة عن الناجحين المستوفين للشروط من حفظ للقرآن الكريم؛ وتمكن من الفقه الضروري؛ واحترام للثوابت الدينية للمملكة.. فيلتحق الناجحون بأقاليمهم ويقدمون الوثائق الضرورية للمندوبية والمجلس العلمي لملأ وثيقة الالتحاق بالعمل ويلتحقون بمسجد التعيين..

شروط فتح المسجد

11. وقد يبقى المسجد مغلقا مدة من الزمن؛ لأن منصب الإمامة لم يتوفق فيه أي أحد؛ ويتساءل "من لا يعرف القانون"؛ كيف لهذه البناية الجميلة أن تبقى مغلقة؛ (هذا حرام !!).. ولا يدري المعترض أن المسجد أصبح يخضع لإجراءات الشفافية والجودة والاستحقاق والكفاءة في اختيار من يقوم بإمامته وأذانه وخطابته..

12. وقد يكون فتح المسجد وفق "مسطرة الاستثناء" فقد يقدر "السيد عامل الإقليم" أن المصلحة تقتضي فتح المسجد استثناء لصلاة التراويح مثلا رغم عدم نجاح أي مترشح؛ فيعين السيد المندوب بالتنسيق مع رئيس المجلس العلمي "إماما من الائمة المرشدين" خريجي معهد محمد السادس للأئمة المرشدين والمرشدات ليقوم "بالإمامة مؤقتا"؛ أقول مؤقتا؛ خلال مدة محددة قد تكون شهر رمضان فقط.. في انتظار أن ينظم امتحان آخر في أجل تحدده الوزارة.. ولأن أغلب الناس لازالوا يفكرون بمنطق القانون القديم الذي كان أغلبه عرفي؛ حيث كان المندوب بمجرد بناء المسجد يعين من يؤم الناس بناء على الاختيار فقط أو بناء على اقتراح بعض الفضلاء.. لكن هذا الأسلوب في الاختيار؛ هو ما جعل عددا من المساجد تعاني من موارد بشرية تنقصها الكفاءة على مستوى ضبط المحفوظ او طريقة القراءة أو مستوى العدة والكفاءة الفقهية!

سياسة هيكلة الحقل الديني وتجويد رسالة المساجد

13. إن سياسة هيكلة الحقل الديني بأمر من مولانا أمير المؤمنين؛ تداركت عن وعي ودراسة كل هذه " الثغرات"؛ و جاءت توجيهات أمير المؤمنين أعزه الله تتغيا الارتقاء وتجويد رسالة المساجد؛ وهدفها الأسمى هو تجاوز أخطاء الماضي بوضع "مساطر صارمة" لاختيار أئمة المساجد وخطبائها بناء على الكفاءة والمؤهلات العلمية واحترام الثوابت الدينية للمملكة؛ والالتزام بما جرى به العمل المغربي لمدة قرون..

14. أفتحُ قوسا يسهم في تعميق فهم المواطنين: فقد نسمع أن فلانا حافظ للقرآن ويتقن التجويد (يقال عنه: تبارك الله عليه) ولكن الوزارة لم تختره للإمامة أو الخطابة!! فيتشعب القيل والقال؛ ويدخل على الخط الذين في قلوبهم مرض؛ ويقول الخراصون:" الأمر فيه إن.." والجواب ببساطة: إن مباراة اختيار أطر تسيير المسجد في الإمامة والأذان والخطابة ؛ مباراة متعددة الجوانب : فهي تشمل حفظ القرآن؛  وضبط المقررات القانونية المنظمة للمجال الديني؛ واستيعاب دليل الإمام و الخطيب والواعظ؛ والالتزام بالثوابت الدينية للمملكة؛ بالإضافة الى الجانب الأخلاقي والسلوكي داخل المجتمع...

15. فقد يكون المرشح حافظا لكتاب الله وجميل الصوت بالقراءة..

 ولكن ملفه القضائي مليء بالخصومات والشكايات!!

 وقد يكون متمكنا من الفقهيات؛ ولكن يفتي الناس وفق مذهب غير المذهب المالكي!

وقد يكون قارئا له أتباع ومشايعون؛ ولكنه غير قادر على خدمة الأمن الروحي للأمة المغربية؛ وهذه قضية تحتاج لبسطها وشرحها مقالا خاصا؛ أكشف فيه "بروفايل الإمام والخطيب والواعظ" العضوي؛ المسكون بهموم المملكة الشريفة؛ والمستوعب لواجب الوقت وتحديات المرحلة؛ والقادر على التمييز بين (علم لا ينفع) و (فليقل خيرا او ليصمت) وباب من الحكمة لا يستوعبه ويتحقق به إلا الراسخون في العلم.. وما مشاريع وزارة الأوقاف والمجلس العلمي الأعلى في التكوينات الأساسية والمستمرة وأهمها (ميثاق العلماء) إلا مساهمة في صناعة هذا الفقيه العضوي المنشود.

16. إن إمام المسجد عندنا؛ إمام أصغر ينوب عن الإمامة العظمى التي هي إمامة أمير المؤمنين؛ فينبغي أن يمثل القدوة الدينية والأخلاقية والقانونية والوطنية في أبهى صورها..

وللأسف هناك قضايا لا يمكن أن يحسم فيها رجال الصحافة والمدونون على مواقع التواصل؛ فهي حصريا من اختصاص علماء المجالس العلمية لأنهم بحكم تكوينهم العلمي وخبرتهم الميدانية.. وأهمها أنهم علماء من أبناء المنطقة؛ ويعرفون الخصوصيات؛ والأعراف والذهنيات؛ فهم أعرف الناس بمن يصلح للمنصب علما وحكمة وتدبيرا..

 وهم يحرصون على تعيين الإمام والخطيب الذي سوف يضيف الى الحي والمجتمع قيمة إيجابية في الأمن الروحي والاستقرار الاجتماعي..

وهذا الكلام أقوله لتجربتي وخبرتي الاجتماعية..

فكم من الأفكار الميتة والقاتلة التقطناها من (متكلم في الدين) لم يكن حكيما ومستوعبا لروح الشريعة وروح العصر واختيارات الأمة المغربية؛ مما جعلنا لسنين نردد مقولات وفتاوى مصادمة لثقافتنا؛ ومعاكسة لتديننا المغربي؛ وخصوصية عقيدتنا الأشعرية ومذهبنا المالكي وتصوفنا السني.. ولم نعالج أنفسنا إلا بعد قراءات متنوعة؛ وارتقاء في الدراسات الجامعية؛ ومجالسة للعلماء الربانيين الوطنيين الذين جمعوا بين علوم الظاهر والباطن.. فحلت عقدنا؛ واكتشفنا جهلنا رغم علمنا.. ورجعنا الى أنفسنا ننصحها بالتواضع وعدم طلب الشهرة بالدين؛ والاجتهاد في فهم واستيعاب ( نموذجنا وخصوصيتنا في التدين المغربي)..

 17 . والحمد لله منذ إعادة النظر في مساطر اختيار الأئمة والخطباء؛ بتنا نشهد نهضة وتنويرا على مستوى الخطاب الديني في المساجد؛ وكذا على مستوى السلوك الاجتماعي للأئمة من حيث الاندماج في هموم الناس؛ وليس مصادمة اختياراتهم الحضارية..

وقد وقع الكثير من الغلط والتشويش على عقول عوام الناس؛ بل حتى على بعض المتعلمين والمثقفين ؛ لأنهم لم يطلعوا على مدونة القوانين الجديدة المنظمة للمساجد؛ والتي أبدعتها تراكمات من الخبرة؛ و التصميم على جعل المساجد "مجالا للروحانية" و"السمو الأخلاقي" ( وأن المساجد لله؛ فلا تدعو مع الله أحدا)..

 فأحيانا نسمع أن الجمعية الفلانية تعتزم تنظيم إفطار جماعي داخل المسجد؛

 أو حفل خيري؛ او تنظيم حفل ديني أو مسابقة قرآنية؛

 وهذه المطالب تبدو مشروعة ومعقولة بالنظر الأخلاقي المجرد؛ لكن تصوروا معي مسجدا يقع في حي به (أربعون جمعية) تنشط ما بين العمل النسائي؛  والخيري؛ والتوجيهي ؛ والعلمي و تحفيظ القرآن .. وكلها تطالب بفتح فضاء المسجد للاستفادة منه والنشاط داخله !!

هل تصورتم إلى أي "وجهة مجهولة" سوف تبحر سفينة مؤسسة المسجد؟

 بل هل سيبقى من روحانية ورفعة المسجد شيء؟

 (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال..)..

سوف نشهد بأم أعيننا جماعة المسجد أصبحت جماعات متباغضة؛

فهؤلاء أنصار فلان.. وهؤلاء يقاطعون علان.. وأولئك لا يسمعون لذلك الواعظ لأنه مبتدع في نظرهم..

 وآخرون لا يصلون وراء فلان لأن عقيدته منحرفة..

 وهؤلاء يتهمون الواعظ بمخالفة السنة لحلقه اللحية..

ولولا خشية الإطالة؛ لعددت لكم من العجائب والغرائب التي نسمعها من أناس تظن أنهم أهل دين وخلق وورع؛ ولكن تجدهم أهل خفة عقل وتحريف..

فكيف إذا فتحت المساجد لهؤلاء؛ أليس الفتنة أشد من القتل؟.. فاعلموا وفقكم الله؛ أن "اتقاء هذه الفتنة" التي دمرت عقول أمم بل مزقت أوطانها هي (الغاية الأسمى) لإمارة المؤمنين في حرصها على الأمن الروحي للأمة المغربية.

18 . إن الأنشطة التي يتمناها كل مسلم مخلص لدينه ووطنه في شقها الخيري؛ من اختصاص مؤسسة محمد السادس لرعاية القيمين الدينين؛ فهي التي توزع القفف الرمضانية بالمساجد.. وتنظم حملات التبرع بالدم في المساجد..

والأنشطة في شقها العلمي الثقافي؛ كالمسابقات القرآنية و ليالي القرآن أو المديح النبوي أو الدروس والمحاضرات؛ وكذا الكراسي العلمية؛ فهي من اختصاص الجهة العلمية التي هي مؤسسة المجلس العلمي ..

ولهذا؛ فالأنشطة التي تبقي المسجد منفتحا على المجتمع؛ أصبحت مقننة بمساطر وإجراءات قانونية؛ وتشرف عليها جهات رسمية من الإداريين والعلماء المشهود لهم بالكفاءة واستيعاب اختيارات الأمة من أعضاء المجالس العلمية يسندهم عدد كبير من الأئمة المرشدين والسيدات المرشدات خريجي وخريجات معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات؛ وهم المنشغلون بحماية ثوابتنا الدينية من إمارة للمؤمنين وعقيدة أشعرية ومذهب مالكي وتصوف سني..

وللتذكير فقط؛ فمندوبية الشؤون الاسلامية يسيرها مندوب تابع لوزارة الأوقاف.. والمجلس العلمي يرأسه رئيس المجلس العلمي وهو تابع للمجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه أمير المؤمنين اعزه الله..

19. وختاما؛ فإنني أحدثكم بكل تواضع؛ من داخل المؤسسة الرسمية التي هي المجلس العلمي؛ لأقول لكم:

" اطمئنوا أنار الله سرائركم بأنوار الإيمان؛ فالعمل متواصل بجد واجتهاد لإنفاذ توجيهات مولانا أمير المؤمنين في جعل المساجد منارات للجمال والكمال والجلال؛ من حيث المعمار والهندسة المغربية الجميلة والمعبرة عن عبقرية الصانع المغربي..

ومن حيث اختيار القيمين الدينيين القائمين على أمور المسجد الذين يشترط فيهم التمكن من القرآن الكريم وعلومه؛ من العلوم الشرعية؛ والثقافة المعاصرة؛ واللغات الأجنبية؛ وحسن التواصل؛ بالإضافة إلى القرب من هموم الناس..

صدقوني؛ أمامنا اجتهاد طويل في سبيل الإصلاح والتنوير وتأهيل الحقل الديني ليعبر عن هويتنا المغربية المتفردة..

وها نحن قد بدأنا المسير وفق توجيهات مولانا أمير المؤمنين؛ وهناك إرادة قوية من إمارة المؤمنين على أن ينخرط المسجد في رسالة خدمة القرآن واستيعاب روح سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وبناء وصناعة وإخراج المؤمن الصانع للسلام والمعروف والبر والإحسان.

(*) ضوابط العمل الإحساني داخل المساجد، من يوميات د. عبد الخالق حسين (رئيس المجلس العلمي المحلي بطانطان وخطيب جمعة بمسجد عبد الله بن ياسين بحي القدس بكلميم)

المساعد الرقمي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية