
تميز عهد الدولة العلوية الشريفة برعاية الكتاتيب والمدارس القرآنية على مر التاريخ؛ وهي رعاية انطلقت من داخل الأسرة الملكية، عبر تخصيص كُتَّاب داخل القصر لتعليم الأمراء والأميرات، لتشمل بعد ذلك ربوع المملكة برمتها.
وفي هذا السياق، يعرض الباحث ذ. معاذ السحابي (1) -في مقاله هذا المنشور بمجلة دعوة الحق-(2) عينات توثيقية لهذا المسار التاريخي، مؤكداً أن السلاطين العلويين جعلوا من صيانة التعليم الديني ركيزة أساسية رسخت الثوابت الروحية للمملكة، وشكلت احتفاءً مستمراً بالقرآن الكريم وتكريماً لأهله وحملته.
وقد تجسدت هذه العناية في منجزات تاريخية ملموسة قادها ملوك الدولة عبر الحقب؛ ففي سنة 1130 هـ / 1718م، شهد عهد المولى إسماعيل طفرة ملحوظة بتكاثر الكتاتيب في المدن والقرى، تكللت بتجديده لبناء مدرسة تافيلالت الشهيرة بتحفيظ القرآن بقراءاته المتواترة.
وعلى هذا النهج سار السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1782م - 1786م) الذي أمر بتجديد مدرسة القصبة الإسماعيلية بسجلماسة بعد تخريبها، وفتح مدارس تافيلالت مجدداً لتعليم نحو 500 تلميذ، مرسخاً قاعدة تقديم أهل القرآن وتفضيلهم في مناصب المسؤولية والولاية.
وتواصلت هذه النهضة في القرن التاسع عشر؛ حيث نادى السلطان المولى سليمان بحفظ القرآن وحث العلماء على التأليف في علومه ورسمه.
في حين خص السلطان المولى الحسن الأول حفاظ القرآن برواية الشيخ حمزة (القراءات السبع) ومتقني "مختصر خليل" بعطايا جزيلة وإعفاء كامل من الكلف والأعمال المخزنية، مكثفاً من زياراته التشجيعية لمدرسة سيدي الزوين بالحوز وتفقد شيوخها وطلبتها.
ولم تنقطع هذه الرعاية في أحلك الظروف السياسية؛ إذ يوثق الكاتب الموقف الحازم للملك محمد الخامس في مواجهة مخططات الحماية الفرنسية التي حاولت إغلاق الكتاتيب وطمس الهوية المغربية؛ حيث أصدر ظهيراً ملكياً تاريخياً (قراراً وزيرياً) في 11 ديسمبر 1937م لتنظيم المدارس القرآنية وحمايتها مادياً وفنياً تحت الإشراف المباشر للقصر، مع تخصيص منح وشواهد رسمية للمجيدين.
واستمر هذا المد في عهد الملك الحسن الثاني الذي أمر بتأسيس "دار القرآن" بمسجد حسان وتدشين المركب الجديد لمدرسة سيدي الزوين، فضلاً عن إنشائه "مدرسة دار زهيرو للقراءات السبع" بالرباط عام 1964م، مما أسهم في رفع عدد متمدرسي الكتاتيب إلى 232 ألف تلميذ بحلول عام 1990م.
وفي العهد الزاهر لأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، ارتقت الرعاية الملكية إلى طور المؤسسة الشاملة والنهضة النوعية؛ حيث أحدث جلالته "جائزة محمد السادس للكتاتيب القرآنية" عام 2002م، وأنشأ "معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية"، مع تقنين منح الرخص والدعم المادي للمحفظين والمدررين. وهي جهود مباركة توجت اليوم بوجود أزيد من 10 آلاف كُتَّاب قرآني يضم قرابة 290 ألف متمدرس، ليظل المغرب كعادتِهِ دائماً بلداً رائداً للقراء والحفاظ.
(1) . الأستاذ معاذ السحابي، أستاذ محاضر بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس.
(2) . مجلة دعوة الحق، السنة السابعة والستون، العدد 449، ربيع الأول 1446هـ/سبتمبر 2024م.